الوجه الثاني:
إن الثور هو المثير للحرث وأهم واسطة لزراعة الأرض وعمارتِها. أما الحوت (السمك) فهو مصدر عيش أهل السواحل، بل كثير من الناس.
فإذا سأل أحد: بِمَ تقوم الدولةُ؟
فالجواب: على السيف والقلم.
أو إذا سأل: بِمَ تقوم المدنية؟
فالجواب: على المعرفة والصناعة والتجارة.
أو إذا سأل: بِمَ تدوم البشرية وتبقى؟
فالجواب: بالعلم والعمل.
كذلك أجاب سيدُ الكونين وفخرُ العالمين ﷺ -والله أعلم- بناء على ما سبق ذلك السائلَ الذي لم يستعد ذهنُه لدرك الحقائق -بدلالة المقدمة الثانية- وسأل عن شيء خارج نطاق وظيفته: الأرض على أي شيء؟ فأجابه رسولنا الكريم ﷺ بما يلزمه أصلاً: الأرضُ على الثور. أي إن عمارة الأرض لنوع البشر ومنبع الحياة لأهل القرى منهم، على الزراعة، والزراعة محمولةٌ على كاهل الثور. وإن معظم معيشة القسم الآخر من البشر، ومعظم مصادر تجارة أهل المدنية، في جوف السمك وعلى الحوت. حتى يصدقُ عليهم المثل السائر: كلُّ الصيد في جوف الفرا! [^30]
[^30]:من أمثال العرب، ضربه النبي ﷺ مثلاً لأبي سفيان حين قال له: أنت يا أبا سفيان! كما قيل: كل الصيد في جوف الفرا. والمثل يضرب في الواحد الذي يقوم مقام الكثير لعظمه (المستقصى من أمثال العرب، للزمخشري ٢/ ٢٢٤). وفي النهاية لابن الأثير ٣/ ٤٢٢ الفرأ مهموز مقصور: حمار الوحش، وجمعه فراء. قال له ذلك بتأليفه على الإسلام، يعني: أنت في الصيد كحمار الوحش، كل الصيد دونه.
فهذا جواب لطيف حقّ، حتى لو كان مزاحاً فإنه ﷺ لا يقول إلّا حقاً. ولو سُلّم أن السائل سأل عن كيفية الخِلقة. فقد [تلقّى السامع بغير المترقب] [^31] كما هو القاعدة في علم البيان، إذ تُلقى الإجابة عن الضروري والمطلوب بأسلوب حكيم. ولم يجاوبه على وفق شهية
[^31]:هذه العبارة وأمثالها من الجمل والفقرات المحصورة بين قوسين مركنين [...] جاءت في النص التركي باللغة العربية.
