
أنطلقت اليوم فعاليات الندوة العلمية الموسومة بالوحدة الإسلامية من منظور رسائل النور أدوات التحقيق وعقبات التطبيق بقاعات جامعة الأمام الأعظم ببغداد وتأتي هذه بالتعاون بين مؤسسة اسطنبول للثقافة والعلوم وجامعة الإمام الأعظم لطرح أهم المواضيع التي تتمتع براهنية وأهمية خصوصا امام ما يشهده عالمنا المعاصر من أمراض الفرقة والعداوة والجهل.
.jpeg)
بدأت الجلسة الافتتاحية بكلمة السيد صلاح الدين فلاح حسن عميد كلية الإمام الأعظم والذي عبر عن سعادته بهذه الندوة قائلا: أحيّي بكل مشاعر التقدير والاحترام السيد سعيد يوجه رئيس مجلس أمناء مؤسسة إسطنبول للعلم والثقافة، والعلماء الأفاضل، والباحثين الكرام، والضيوف الأعزاء، وجميع المشاركين، وأعرب عن بالغ سروري باستضافتكم في جامعة الإمام الأعظم. كما يشرفنا أن نستقبلكم في بغداد، مدينة العلم والحضارة والتاريخ العريق.
إن الوحدة الإسلامية تُعد ركيزة أساسية في بناء الأمة الإسلامية وتعزيز قوتها وتحقيق استقرارها. فقد دعا الإسلام إلى الأخوة والتضامن والتعاون، وحذّر من الفرقة والخلاف، وجمع الأمة حول روح الوحدة.
واليوم، فإن التحديات الفكرية والسياسية والاجتماعية التي تواجه الأمة الإسلامية تجعل الحاجة إلى التضامن والتعاون والشعور بالمسؤولية المشتركة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالوحدة لا تعني إلغاء الاختلافات، بل تعني العمل المشترك في إطار العدالة والرحمة والمصلحة العامة، مع احترام التنوع المشروع. ومن هنا فإن تعزيز ثقافة الحوار والتسامح والأخوة الإسلامية مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الجميع.
.jpeg)
وينبغي أن تكون الأمة الإسلامية كالجسد الواحد، يتكامل أفراده ويتعاونون على الخير. وقد جعل بديع الزمان سعيد النورسي قضية الوحدة الإسلامية محوراً أساسياً في مشروعه الإصلاحي. ففي عصره تعرض العالم الإسلامي لأزمات سياسية وانقسامات قومية وتدخلات خارجية أدت إلى إضعاف الأمة. وقد أدرك النورسي أن أحد أهم أسباب هذا الضعف هو التفرق بين المسلمين، لذلك أكد باستمرار على الأخوة الإيمانية وفكرة الاتحاد الإسلامي.
ويرى النورسي أن الوحدة الإسلامية ليست مجرد وحدة سياسية، بل هي رابطة روحية وأخلاقية تقوم على العقيدة المشتركة والأخوة الإيمانية والتعاون في أعمال الخير.
إن العنصر الأساسي الذي يجمع المسلمين هو الإيمان بالله تعالى، والالتزام برسوله صلى الله عليه وسلم، والاجتماع حول القرآن الكريم. وهذه الروابط أقوى من جميع الفوارق العرقية واللغوية والجغرافية والمذهبية.
وقد سعى بديع الزمان في مؤلفاته، ولا سيما في «رسائل النور»، إلى ترسيخ هذه المبادئ، مؤكداً أن نهضة الأمة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق إلا بتجاوز أسباب الفرقة وتعزيز الأخوة الإيمانية.
ولا تزال أفكاره إلى اليوم مصدر إلهام مهم للعلماء والباحثين العاملين من أجل وحدة الأمة الإسلامية.
ونسأل الله تعالى أن يوحد قلوبنا، وأن يجمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم على الوحدة والسكينة والاستقامة.
.jpg)
كما رحب الأستاذ سعيد يوجا بالحضور وشكر الأساتذة وبدأ كلمته: يسرّنا غاية السرور أن نكون معكم اليوم في هذه الندوة العلمية الدولية التي تُعقد في بغداد بالتعاون بين مؤسسة إسطنبول للعلم والثقافة وجامعة الإمام الأعظم، تحت عنوان: الوحدة الإسلامية من منظور رسائل النور. أدوات التحقيقوعقبات التطبيق.
وأتقدم أولاً بجزيل الشكر، باسم مؤسسة إسطنبول للعلم والثقافة، إلى إدارة جامعة الإمام الأعظم الموقرة وأساتذتها الكرام، وإلى جميع الإخوة الذين أسهموا في إعداد هذا المؤتمر، وإلى العلماء والباحثين المشاركين فيه، على حسن استضافتهم لنا في هذه الأرض المباركة.
لقد كانت بغداد، حين كان العالم غارقًا في ظلمات العصور الوسطى، مركزًا للعلم والحضارة. ففي هذه المدينة العريقة أضاء الإنسانيةَ بعلمهم ومعرفتهم علماء كبار أمثال الكندي والخوارزمي وابن الهيثم في العلوم الطبيعية، إلى جانب الإمام الأعظم أبي حنيفة، والشيخ عبد القادر الجيلاني، والإمام الغزالي، والجنيد البغدادي، والرازي، وغيرهم من العلماء والمتصوفة الذين تركوا بصمات خالدة في تاريخ البشرية.
إن القضية التي نناقشها اليوم ليست مجرد موضوع أكاديمي، بل هي قضية مصيرية تمس حاضر الأمة الإسلامية ومستقبلها. فالعالم الإسلامي يواجه اليوم أزمات عميقة على المستويات الفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية. كما أن الانقسامات القائمة على المذهب أو العرق أو الجغرافيا أو السياسة أو الأيديولوجيا تُضعف روح الوحدة بين المسلمين، وتُصيب الضمير الجماعي والعقل المشترك والقدرة على العمل المشترك للأمة بالوهن.
في حين أن من المقاصد الأساسية للإسلام ترسيخ الأخوة بين المؤمنين، وإقامة العدل والرحمة والإحسان والإيثار والتآخي. وقد بيّن القرآن الكريم هذه الحقيقة بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾
وهو ما يدل على أن هوية المسلمين ينبغي أن تُبنى على أساس الإيمان والتوحيد والأخوة، لا على التفاضل العرقي أو القومي أو المذهبي.
ولا يخفى أن الاضطرابات التي يشهدها العالم الإسلامي لا تقتصر آثارها على المسلمين وحدهم، بل تمس الإنسانية جمعاء. فإذا تحقق الأمن والاستقرار والازدهار والنموذج الحضاري الراقي في بلاد المسلمين، فإن ذلك سينعكس إيجابًا على السلم والأمن العالميين. ومن ثم فإن وحدة المسلمين وتضامنهم يمثلان إسهامًا مباشرًا في تحقيق السلام للبشرية كلها.
وفي هذا السياق، يقدم لنا الإمام بديع الزمان سعيد النورسي رؤية عميقة للوحدة الإسلامية تصلح أن تكون دليلًا لعصرنا. فهو يرى أن من أعظم الفرائض في هذا الزمان تحقيق الاتحاد الإسلامي، وأن الطريق إليه يمر أولًا عبر اتحاد القلوب. كما يؤكد أن الوحدة ليست مشروعًا سياسيًا فحسب، بل تبدأ من القلوب والضمائر والأفكار والأخلاق.
وقد وصف النورسي منهج الوحدة بأنه المحبة، وحدد أعداءها في الجهل والفقر والفرقة والنفاق.
ومن هنا يتبين أن الوحدة الإسلامية ليست مجرد قضية حدود ودول وأنظمة سياسية. فالتعاون السياسي والاقتصادي والمؤسسي مهم بلا شك، لكنه لن يكون دائمًا ومثمرًا إلا إذا أُعيد بناء الوعي الإيماني المشترك، والإحساس الأخلاقي، وروح الأخوة بين أبناء الأمة.
فالقلوب إن لم تتحد فلن تتحد المؤسسات، والضمائر إن لم تستيقظ فلن تنهض الحضارة، والمحبة إن لم تُبنَ فلن يتحقق الاتحاد.
إن من أبرز الأمراض التي تعاني منها الأمة الإسلامية اليوم: الجهل، والفقر، والخلاف، والانحلال الأخلاقي، وتآكل القيم، وضعف الغيرة الإسلامية، وأنواع الاستبداد كافة.
أما العلاج الذي قدمه الإمام النورسي فهو واضح وبسيط: العلم والمعرفة لمواجهة الجهل.
العمل والإنتاج لمواجهة الفقر والحاجة.
الوحدة والتضامن لمواجهة الخلاف والتفرقة.
وهذه الوصفة ما زالت تحتفظ بصلاحيتها وحيويتها إلى يومنا هذا.
ولهذا فإن التعليم يعد من أهم وسائل تحقيق الوحدة الإسلامية. فمشروع مدرسة الزهراء الذي طرحه بديع الزمان لم يكن مجرد مشروع جامعة، بل مشروعًا حضاريًا متكاملًا يستهدف النهضة الفكرية والعلمية والأخلاقية للعالم الإسلامي، من خلال الجمع بين العلوم الشرعية والعلوم الحديثة، وبين العقل والقلب، وبين العلم والحكمة، وبين الإيمان والحضارة.
إن ما يحتاج إليه العالم الإسلامي اليوم ليس الحنين العاطفي إلى الماضي، بل رؤية وحدوية جديدة تستلهم القرآن والسنة، وتفهم متطلبات العصر، وتقوم على العلم والأخلاق والعدل والشورى.
فهذه الوحدة لا تُبنى بالإكراه، بل بالمحبة؛ ولا بالفرض، بل بالإقناع؛ ولا بالجهل، بل بالعلم؛ ولا بالمصلحة الشخصية، بل بالإخلاص.
ومن أهم ما يلفت النظر في تصور النورسي للوحدة الإسلامية دعوته إلى اتفاق الجماعات والتيارات الإسلامية المختلفة على المقاصد والأهداف المشتركة. فهو لا يرى أن إزالة جميع الاختلافات الفكرية والمنهجية أمر ممكن أو مفيد، بل يؤكد أن التنوع مشروع، وأن المطلوب هو اجتماع الطرق المختلفة حول غاية واحدة.
كما يرى أن رفع كلمة الله في هذا العصر يرتبط بالتقدم المادي والمعنوي معًا، أي بضرورة تقدم المسلمين في مجالات العلم والتكنولوجيا والاقتصاد والتعليم، لأن التخلف من أهم أسباب التفرقة.
وفي هذا الإطار تبرز فكرة «الجماهير الإسلامية المتحدة» التي أشار إليها النورسي، وهي لا تعني إلغاء الدول القائمة، بل إقامة إطار قوي للتعاون المشترك في المجالات الدينية والعلمية والثقافية والاقتصادية بما يعزز شعور الأمة الواحدة.
ولدينا اليوم نموذج الاتحاد الأوروبي الذي يجمع دولًا مستقلة ضمن فضاء مشترك يسمح بحرية التنقل والتعاون الاقتصادي والسياسي. فلماذا لا يستطيع المسلم أن ينتقل بحرية من إسطنبول إلى اليمن؟ ولماذا لا يتمكن المسلم القادم من المغرب أو تونس من السفر عبر المشرق الإسلامي إلى باكستان وأفغانستان بأمن ويسر؟ نسأل الله أن يهيئ للأمة الإسلامية يومًا تتحقق فيه مثل هذه الصورة المشرقة.
.png)
ومن المهم الإشارة إلى أنه قد وقع امضاء اتفاقية تعاون بين المؤسستين أثناء هذه الفعالية العلمية وذلك لمزيد من العمل المشترك على تحقيق التعاون العلمي وتعزيز التبادل الثقافي التركي العراقي.
محتوى ذو صلة
قمة TPSS 2026: أبرز الأفكار المستفادة من محاضرة الدكتور عمر سليمان
اليوم، في فندق رينيسانس بولات بإسطنبول، وضمن قمة TPSS 2026، ألقى العالم والأكاديمي الفلسطيني الأمريكي المعروف عالميًا الدكتور عمر سليمان محاضرة بعنوان "ما هي القيادة النبوية والاستراتيجية النبوية؟".




