حوار مع الأستاذ عبد الحكيم بن محمد الأنيس
حوار مع الأستاذ عبد الحكيم بن مح

حوار مع الأستاذ عبد الحكيم بن محمد الأنيس

س 1- نودُّ أن يتعرّف على سيادتكم قراءُ مجلة النور للدراسات الفكرية والحضارية؛ فمَنْ هو عبد الحكيم الأنيس؟

ج- أنا عبد الحكيم بن محمد الأنيس.

عملي الآنَ كبير باحثين أول في إدارة البحوث بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي، وعضو هيئة كبار العلماء فيها.

وُلدتُ في مدينة حلب في سورية عام ١٣٨٥هـ - ١٩٦٥م، ودرستُ فيها المرحلة الابتدائية، والمتوسطة.

ثم رحلتُ إلى العراق، ودرستُ الإعدادية في إعدادية الدراسات الإسلامية في مدينة الفلوجة بمحافظة الأنبار.

ثم حصلتُ على البكالوريوس من كلية العلوم الإسلامية بجامعة بغداد سنة ١٩٨٨م، وكذلك درجة الماجستير سنة ١٩٩٣م، والدكتوراه سنة ١٩٩٥م، في العلوم الإسلامية عامة، والتفسير وعلوم القرآن خاصة.

س 2- حدّثنا عن بداياتكم التعليمية.

ج- درَّستُ وأنا أحضر للدكتوراه بصفةِ محاضرٍ في جامعة صدام للعلوم الإسلامية.

وبعد الدكتوراه درَّستُ في كلية التربية بجامعة صنعاء، ثم في كُليتي كلية العلوم الإسلامية بجامعة بغداد، وجامعة صدام للعلوم الإسلامية ثانية.

ثم حين أقمتُ في دبي درَّستُ في كلية الدراسات الإسلامية والعربية.

س 3- حدّثنا عن بداياتكم البحثية.

ج- أظنَّ أنَّ الميول البحثية لديَّ مُبكرة، تعودُ إلى أول عهدي بطلب العلم، ونمَتْ شيئاً فشيئاً، ونشرتُ أول مقال لي وأنا في التاسعة عشرة من العمر، وكان في مجلة التربية الإسلامية في بغداد، وتابعتُ البحث والكتابة إلى الآن... وقدَّر اللهُ أن يكون عملي في مجال البحث العلمي، وتحقيق التراث، وذلك في دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث بدبي، ثم في إدارة البحوث بدائرة الشؤون الإسلامية.

س 4- ما الذي بقيَ من ذكريات العراق؟

ج- أقمتُ في العراق مِنْ عام ١٩٨٠ إلى عام ١٩٩٨ وهذا وقتٌ طويلٌ -وإنْ تخللته أسفارٌ إلى الحرمين الشريفين، والأردن، واليمن-.

لقد دخلتُ العراق وأنا في الخامسة عشرة وغادرتُه وأنا في الثالثة والثلاثين، وهذه أهمُّ سنوات الشباب وأقواها وأحلاها، وفيها حصلتُ على البكالوريوس، والماجستير، والدكتوراه، ودَرَسْت ودرَّستُ، وتزوجتُ، وتحت كل عنوانٍ من عناوين هذه المراحل مشاهداتٌ وذكرياتٌ لا يقوى الجزرُ على إيقافِ مدّها، ولعلِّي أفرغُ لإظهارِ هذه المشاهدات والذكريات... العراق لا يُنسى.

س 5- أهمّ الشخصيات الأكاديمية التي استوقفتكم في مساركم العلمي؟ ومَنْ منها كان لها كبير أثر على شخصكم الكريم؟

ج- أخذتُ عن كثيرٍ من العلماء، وكان تحصيلي الخاص يُوازي التحصيلَ الرسمي، وذلك في الجامع والجامعة، وفي بيوتِ العلماء...

ومِنْ أبرز شيوخي في حلب: الشيخ محمد السلقيني، والشيخ أحمد القلاش، والشيخ محمد زهير الناصر، والشيخ محمد عوامة.

ومِنْ أبرز شيوخي في الدراسة الجامعية -بمراحلها الثلاث- في العراق: الدكتور محسن عبد الحميد، والدكتور هاشم جميل، والدكتور حارث الضاري، والدكتور محيي هلال السرحان، والدكتور عبد الله الجبوري، والدكتور محمد عبيد الكبيسي، والدكتور محمد رمضان عبد الله، والدكتور مصطفى الزَّلَمِي.

ومِنْ أبرزهم في الدراسة الحُرّة: الأستاذ الشيخ عبد الكريم الدَّبَان التكريتي، والأستاذ الشيخ عبد الكريم المُدرِّس، والشيخ جلال الحنفي البغدادي...

ومِنْ أبرز شيوخي المُجيزين: الشيخ محمد ياسين الفاداني المكي، والشيخ عبد الفتاح أبو غدة، والشيخ عبد العزيز الغُماري، والشيخ أبو الحسن الندْوي، والشيخ محمد عبد الرشيد النُّعماني.

س 6- متى كانت أوائل الصلة برسائل النور؟ وكيف تمَّ ذلك، ومتى؟

ج- أول ما عرفتُ الأستاذ النُّورْسي ورسائل النور من ‏ ‏كتاب الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ‏في كتابه "من الفكر والقلب".

ثم بدأتُ أتابعُ ما يُعرّبُهُ ‏الأستاذ إحسان ‏قاسم الصالحي وينشرُهُ في مجلة التربية الإسلامية، وفي رسائل خاصة، وكان ‏لما يُعرّبُهُ وينشرُهُ أثر كبير ‏في نفوس ‏القراء، ‏والمُتلقين، والمُتابعين، ولاسيما في مجال حقائق الإيمان إثباتاً وتثبيتاً.

وأثّر فيَّ كثيراً كتاب "ذكريات عن سعيد النورسي" الذي أخرجه أُسيد قاسم الصالحي، وجعلني أقرأ الرسائل بصورةٍ أفضل.

س 7- ما الذي استوقفكم في رسائل النور؟

ج- أول ما ‏استوقفني اسمُها الذي يدلُّ على حقيقتها، ثم مضمونُها فهي رسائلُ نور، ‏تغذّي النفس، وتمتع العقل، ‏وتشرح الصدر، وهي تزيدُ المؤمنَ إيماناً، وتعصمُه من الشبهات، وتقويه ‏على تجاوز الشهوات...

وممّا استوقفني ‏فيها أثرُها المعنوي في قراءها، ومُتابعيها، وظهورُ تجلياتها في سلوكهم، وتعاملهم.

وشدّني كثيراً ما رأيتُه فيها مِنْ تمازجِ العقل والنقل، والتحليلِ العميقِ للنصِّ والواقع.

س 8- الرؤية المنهجية في رسائل النور جلية، فيمَ تتمثّل معالمُها؟

ج- أبرز معالم الرؤية ‏المنهجية تتمثلُ في تطبيق ما كان يراه الأستاذُ من منهج البحث العلمي في كتابه المهم "محاكمات عقلية"، وهذه لمحةٌ يطولُ شرحها.

س 9- مسلك عرض مضامين الدين في رسائل النور مميزٌ، فما عناصر هذا التميّز؟

ج- نعم، لقد كان مسلكُ عرضِ مضامين الدِّين في رسائل النور مميزاً، ومِنْ عناصر هذا التميُّز المعاصرةُ المتوهجةُ التي تُلاحِظُ تمامَ الملاحظة ما يدورُ في أذهانِ الناس، ومجتمعاتِهم، وما يُثارُ في حياتهم، وما يُقال عن دينهم، وثقافتِهم وتاريخِهم، وما يهمُّهم في حاضرِهم، وما ينتظرُهم في مستقبلهم.

وكذلك ملاحظةُ طبقاتِ المُتلقين، وتخصيصُهم بما يُوافِقُ مستواهم العقلي والفكري، كما نرى مثلًا في "عصا موسى"، و "ذو الفقار"، و "الطلاسم"، و "سراج النور"، و "الموازنات"...

وقد كانت هذه المعاصرةُ المتوهجةُ بعد حرثٍ دقيقٍ للتراث العلمي لدى المسلمين المنقولِ في: حلقاتِ العلم، وكتبِ الجادّة، والكتبِ المصادر... وبهذا جاءتْ معجزةً معنويةً للقرآن الكريم وفقَ أفهام أبناء هذا العصر كما قال اﻷستاذ.

س 10- أوصى النُّورْسي في آخر درسٍ له بالعمل الإيجابي، ما أهمية هذا في حماية المكاسب المعنوية ومن ثمّ المادية؟ وفيمَ تتمثّل أهمية هذا التوجيه التربوي؟

ج- دَرْسُ الأستاذ النُّورْسي الأخير ثمرةٌ طيبةٌ ناضجة مِنْ ثمار رسائل النور الكثيرة، بل هو مِنْ أهم الثمار...

إنَّ هذا الدرس أقام سياجاً مِنْ فولاذ دون تورُّط الناس في الفتن الداخلية، واقتتالِ المسلمين فيما بينهم، وحصَرَ الجهاد في دفع العدو الخارجي، وبذلك أمّن خطوات الدعوة الداخلية، وحفِظَ منجزاتها، وضاعَفَ مكتسباتها، وبيَّنَ بكل شجاعةٍ ووضوحٍ لجميع الناس -حكاماً ومحكومين- أنَّ هذه الدعوة لا تمثلُ أيَّ خطر على الأمن والسلم الاجتماعيين... فهي دعوةٌ تبني ولا تهدم، وتجمعُ ولا تفرِّق، وتعفو ولا تنتقم، وتنظرُ إلى الأمام وتتقدَّم، ولا تنشغل بالماضي فتحجم، رائدُها الإخلاص، ومهمتُها إنقاذُ الإيمان، ووسيلتُها الكلمةُ العالِمةُ، والنصيحةُ الهاديةُ، والشفقةُ الغامرةُ.

حقاً إنَّ هذا الدرسَ الذي يمثل فكرَ الأستاذ خلاصةٌ رائعةٌ لتجربةٍ رائدةٍ، كان مِنْ آثارها وحدةُ الصف الداخلي، وتغليبُ المصلحة الوطنية، ونبذُ العنف، وسيادةُ لغة المحبة، والتآخي، والتسامح.

لقد ظهر النورسي في هذا الدرس مِنْ كبار العقلاء والحكماء...

وإني هنا أدعو إلى قراءةِ هذا الدرس قراءةً واعيةً مدركةً، وإلى تحليلٍ ذكيٍّ له، وإشاعةِ محتواه... فالعالم الإسلامي خسرَ كثيراً لبُعده عن مثل هذه المعاني.

س 11- حضرتم كثيراً من نشاطات الأكادميين الشباب المهتمين برسائل النور، ما تعليقكم على سمعتموه من الطلبة؟ وما نصيحتُكم لهم؟

ج- حضوري لعددٍ من مؤتمرات الأكاديميين الشباب المهتمين برسائل النور كان فرصةً طيبةً لمعرفة هؤلاء الشباب من العالم العربي والإسلامي والغربي، ورأيتُ أشواقَهم للدراسة والبحث في أعماق رسائل النور، وآفاقها... ورغبتَهم في الغوص في بحرها المعرفي، والاستفادةِ من زخمها العلمي...

وكلمتي لهم أنْ يحرصوا حرصاً تاماً على قراءةِ هذه الرسائل قراءةً دارسةً فاحصةً متعمقةً تامةً، كما تستحق، وأن يفهموها كما هي، لا كما هم، وكذلك أن يحرصوا على قراءةِ تراث الأستاذ كله، ما سَبَقَ الرسائلَ وما دَخلَ فيها مِنْ ذلك السابق، وما وازاها والتحقَ بها من الملاحق والمُرافعات... ويُعينُ على هذا معرفةُ حياة الأستاذ كما جاء في "السيرة الذاتية" المُوسعة، والمُختصرة...

وكلمتي الأخرى لهم أن تكون موضوعاتُهم مقتصرةً على فكرةٍ واحدةٍ يُشبعونها بحثاً، وتتبُّعاً، وفحصاً، وتأملاً، وهذا هو السبيلُ الأمثلُ لدراسةٍ ذات شأن وجدوى.

وأن يجعلوها مُنطلَقَاً للأمة في البناء والتعمير: المادي والمعنوي.

ومن المهم أنْ يطلعوا على المكتبة التي أقيمتْ على الرسائل، وعلى حصادِ المؤتمرات العلمية العالمية التي عُقدت عنها، ففيها جولاتٌ مهمةٌ للدارسين والباحثين.

إنَّ من الضروري ألا يظلموا الرسائل، ولا يظلموا أنفسَهم.

س 12- هل يمكن الاستغناء عن التميّز الأكاديمي في الكتابة عن النُّورْسي؟ وهل يمكن تصوّر تأثير معرفي إذا فقدنا الحرص على الأكاديمية؟

ج- لا يمكن أبداً الاستغناءُ عن التميُّز الأكاديمي في الكتابة عن النُّورْسي، وهذا في الدراسات الجامعية مِنْ حيث المنهج، واللغة والأسلوب.

أما في الدراسات التي تُراعي فئاتٍ من المجتمع بقصد التحبيب والتيسير فإنَّ لها شأناً آخر، فهي مُطالبَةٌ بصرامة المنهج، ومُسامَحةٌ مِنْ حيثُ اللغة والأسلوب.

والخلاصة أنَّ الفئات المستهدفة مِنْ أي جهدٍ دراسيٍ بحثيٍ هي التي تحدِّدُ الطريقة المناسبة لها.

س 13- لكم جملة من الإسهامات عن رسائل النور، بودّنا ذكر تعريف مجمل عنها، تحبيبا لقراءتها ومن ثمّ قراءة رسائل النور.

ج- إسهاماتي في رسائل النور متعددة، منها ما شاركتُ به في ندوات الأكاديميين الشباب:

فقد قدمتُ في الندوة الثانية: كلمات في البحث العلمي لا سيما عند النُّورْسي.

وفي الندوة الثالثة: خمسون قاعدة في دراسة رسائل النور.

وفي الندوة الرابعة: النُّورْسي في عيون الشهود.

وفي الندوة الخامسة: ثلاثون رسالة إلى الباحثين الشباب.

ولي كلماتٌ في مؤتمرات، وندوات نورسية، في تركيا والهند، كـ "النورسي رجل السلام"، و "النورسي تذكار السلف"، وغير ذلك.

س 14- يذكر بعضُ الباحثين أنّ الأستاذ النُّورْسي أميلُ عن المقارنات بين الرسائل وغيرها من المُصنفات، وبالرغم من ذلك يميل المحبون لها إلى مقارناتها بغيرها من المصنفات. فما تعليقكم على هذا التقرير؟

ج- قد يكون موقفُ الأستاذ النُّورْسي في عدم المقارنات بين الرسائل وغيرها مِنَ المُصنَّفات مُنطلِقاً مِنْ تواضعٍ ذاتيٍ يَخشى مِنْ أنْ تقودَ المقارناتُ إلى تفضيلٍ لا يَنْسجمُ مع اﻹخلاص الذي كان يَحرصُ عليه أشدَّ الحرص.

وأمّا المُحبون للرسائل والدارسون لها والباحثون فيها فهُمْ في منجاةٍ من هذا الخوف، وقد يرون في المقارناتِ فائدةً علميةً في توضيح رأيٍ أو فكرةٍ أو اجتهادٍ، وفائدةً عمليةً في تحبيب الناسِ بها، ودعوتِهم الى قراءتها والاستفادةِ منها.

* * *


 

أرشيف الحوار

14 - بعض قضايا الفكر الإسلامي في رسائل النور
. حوار مع الأستاذ عبد الحكيم بن محمد الأنيس
13 - الإنسان في رسائل النور وجودا، ومهمة، وغاية
. حوار مع الأستاذ فاروق رسول يحيى
12 - مفاهيم وردت العناية بها في رسائل النور
. حوار مع الأستاذ الدكتور عبد الكريم عكيوي
11 - وقفات مع بعض عناصر القوة المعنوية
. حوار مع الأستاذ الدكتور فارس قايا
10 - عنوان الملف: الأخلاق والوراثة
. حوار مع الأستاذ أديب إبراهيم الدبّاغ
9 - المقاصد في رسائل النور
. حوار مع أ.د. ثروت أرمغان
8 - أسرار العبرة والتعبير في رسائل النور
. حوار مع د. مأمون فريز جرار
7 - النورسي والتصوف
. حوار مع أ.د. محسن عبد الحميد
5 - الرؤية الحضارية في رسائل النور
. حوار مع الأستاذ بديع الزمان النورسي
4 - أسس التربية في رسائل النور
. حوار مع الأستاذ عبد الله يكن
3 - أسس التربية في رسائل النور
. حوار مع الأستاذ محمد فرنجي
2 - التعليم في رسائل النور
. حوار مع الأستاذ الدكتور كولن تورنر
1 - المنهجية في رسائل النور
. حوار مع الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم

النور للدراسات الحضارية والفكرية
 المركز الرئيسي:  

Kalendarhane Mah. Delikanli Sk. No: 6
Vefa 34134 Fatih - Istanbul / TURKIYE
 Phone: +90 212 527 81 81 - Fax: +90 212 527 80 80