العدالة بين حكمة القرآن وفلسفة الإنسان قراءة في التجربة الذوقية للحكيم النورسي
العدالة بين حكمة القرآن وفلسفة ا

العدالة بين حكمة القرآن وفلسفة الإنسان قراءة في التجربة الذوقية للحكيم النورسي

Justice in the Light of either Qur'anic Wisdom or Philosophy of Human Inspiration: A Study of Experiential Knowledge in the Thought of the Sage Said Nursi

A B S T R A C T

Dr. Idris Maqbul

Nursi has always drawn on the fountain of the Quran's wisdom as the only source capable of providing believers with a comprehensive and genuine vision - free of any impurities possibly imposed by the human mind or soul. Therefore, the wisdom of the Qur'an became a distinctive component and a defining standard which all his renewal plans would aim to conform with. Nursi maintained distance from positivist philosophies and warned those who subscribe to such philosophies of their considerable limitations. He stated that those who make these philosophies a frame to their beliefs and interpretations - no matter how close such philosophy might come to the truth of the Quran; it is not free of assumptions and illusions due to its confinement to wording and the lack of the balance maintained by the belief in the one and only Allah. From Nursi's perspective, the pillars and principles upon which positive philosophy rests, are the core of humanity's blunders. Blunders such as the absence of justice and the spread of injustice as well as the lack of contentment in life. Nursi states that these principles rely on power, similar to that of predatory animals, while dismissing religious doctrines and morals. Thus, according to such philosophy, power and will constitutes the highest virtue and is based on the concept of benefit, whereas the mechanism of development lies in conflict and growth through feeding on the other, and expanding at the expense of other elements.

* * *

 ملخص البحث

د. إدريس مقبول1

لطالما أخذ النورسي من الحكمة القرآنية وارتشف من معينها لأنها الوحيدة الكفيلة بإعطاء المؤمن زاوية الرؤية الشمولية والصادقة والصافية من شوائب النفس والعقل المجردين، ولذلك فإنها صارت ديدنه وميزانه في كل خططه في التجديد عامة. في المقابل نجد الأستاذ النورسي يبتعد ويحذر من خطا نحو الفلسفة الوضعية لتفسير رؤيتهم وجعلهاإطارا لمعتقداتهم وتفسيراتهم. لأن الفلسفة مهما قربت من الحقيقة القرآنية إلا أنها لا تكاد تكون منزهة عن الظنون والأوهام، لانحصارها في الأقوال وافتقادها شرط التوازن الذي يحفظه الإيمان بالله الواحد الأحد.

إن المرتكزات التي تنبني عليها الفلسفة الوضعية والمبادئ التي ترتكز عليها عند الأستاذ النورسي هي أساس ما تتخبط فيه البشرية من غياب العدالة وتفشي المظالم وافتقاد السعادة.. من حيث أنها تركز على القوة مثل الحيوان المفترس، وكونها تنبذ العقائد الدينية والأخلاق، فالقوة عندها هي الفضيلة السامية، كما أنها تتأسس على مبدأ المنفعة وأن آلية التغير عندها هي الصراع، وأنها تكبر بابتلاع غيرها وتتوسع على حساب العناصر الأخرى.

* * *

1- مساران لا يلتقيان:

يتأسس الخطاب التجديدي عند الحكيم النورسي على مسلمة رئيسية لا غنى عنها لمن أراد فهم النسق الفكري لهذا العَلَم الشامخ من أعلام الإصلاح والتربية في تاريخ فكرنا الإسلامي المعاصر. هذه المسلمة هي أن إحياء الفكر الإسلامي للخروج من أفق الواقع الميت والمستقبل المسدود يستلزم بالضرورة توجيه الفكر للنهل والاستمداد مما يسميه الحكيم النورسي بالحكمة القرآنية، هذه الحكمة هي السبيل الوحيد لِمُزَايَلَةِ سائر الأفكار والفلسفات الوضعية التي قَصُرَت أنظارها عن درك الحقائق لتعلقها التفسيري بجانب من جوانب الحقيقة المادية في غفلة وقصور عن الإحاطة والحفوف بها جملة وتفصيلا.

والحكمة القرآنية من هذا المنطلق هي وحدها الكفيلة بإعطاء المؤمن زاوية الرؤية الشمولية والصادقة والصافية من شوائب النفس والعقل المجردين، ولهذا حلت عند الحكيم النورسي في نظره للعدالة محلها المركزي من خطته في التجديد عامة. وإذا أنعمنا النظر ألفينا الحكيم النورسي لا يني يرتشف من رحيق هذه الحكمة القرآنية السامية على سائر الأقوال منبها في المقابل لضحالة ما عليه مسار من اختاروا فلسفات الإنسان الوضعية الطبيعية والعقلانية والتجريبية وغيرها سندا لرؤاهم وإطارا لمعتقداتهم وتفسيراتهم. كما لا يني ينبه إلى أن تحرر الإنسان يقتضي بالاستلزام الضروري والدائم لا المؤقت التحرر من الصياغات التي تفرضها الفلسفات السائدة البائدة على العقول، تخلصا يتعين بترك التبعية إلا لله من داخل شرط العبدية والانقياد لواجب الوجود جل في علاه. ذلك أنه مهما تناهى الادعاء بدرك الحقائق في فلسفات الإنسان وبأي المناهج استعانت، لم تجئ بأكثر من الظنون والأوهام.

وحقيقة تفوق حكمة القرآن على فلسفات الإنسان راجعة بعد التأمل إلى أمور نجملها في ثلاثة أركان:

أولا: القدرة التفسيرية الهائلة للقرآن دون سائر المناهج والفلسفات حيث "القرآن الكريم 'المقروء' هو أعظم تفسير وأسماه، وأبلغ ترجمان وأعلاه لهذا الكون البديع، الذي هو قرآن آخر عظيم 'منظور' ". فتجتمع الشمولية والانسجام في الكتابين المسطور والمنظور -وكلاهما مكتوب بخط العدالة- لاتحادهما وتكاملهما بضمان مصدرهما الواحد والوحيد، هذا المصدر الذي تنكره الفلسفات الجاحدة فتحرم نفسها إمكانات في المعرفة والعلم.

ثانيا: انحصار حقيقة فلسفات الإنسان في الجهد الزخرفي للأقوال والسطحي للظواهر والأفعال، مما جعلها مقطوعة غير واصلة ولا موصولة، متنكبة عن الحقيقة غير مهتدية، متخبطة متخرصة ناقضة لنسقها غير آبهة بنسفها الذاتي لافتقادها شرط التوازن الذي يحفظه الإيمان بالله الواحد الأحد.

ثالثا: صدور فلسفات الإنسان عن الروح الفرعونية القارونية التي ترسخ الأنانيات الفردية وتكرس الظلم والعدوان وحب الهيمنة والتطلع إليها، فيما تصدر الحكمة القرآنية عن العناية الربانية والعدالة الإلهية التي تنشئ على عينها تلاميذ القرآن القائمين بالحق، العلماء الأصفياء والأولياء الصالحين والمنوّرين من حكماء الاشراقيين الذين تساموا في التربية القرآنية الخارقة فتنبسط لطائفُهم وتسطع بفيوضات إرشادات القرآن، حتى إنهم يستصغرون أضخم موجودات الدنيا من أن يكون مسبحةً لأورادهم".2 فما بالك بزهدهم عما في أيدي الناس من أرزاق.

2- مجتمعان متناقضان:

متى سلمنا بافتراق حكمة القرآن عن فلسفات الإنسان في الجملة، أدركنا مع الحكيم النورسي أن صنائعهما من المجتمعات على وفق قوانين كل واحدة منهما متباينة متغايرة، كما أدركنا بالنتيجة أن أفضلية الإنسان في نموذج القرآن ليست اعتباطية أو تحكمية، وإنما هي من جنس المقدمات الضرورية التي صدرت عنها فهي "عدلية" بامتياز، أي لها تعلق شديد بالتوحيد، كما كانت دونية الإنسان وأسفليته في نموذج فلسفات الإنسان نتيجة ضرورية لما تقدمه من تصورات "ظلمية" أي لها تعلق مباشر بالإشراك ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾،لقمان:13 هذا لأن "الذي يعبد النفس ويعبد الطبيعة إذا في منتهى الحماقة ومنتهى الظلم".3

يميز الحكيم النورسي بين الصورتين في استيعاب دقيق لحكمة القرآن من جهة ولأهم مفاصل الفكر الفلسفي الإنساني من جهة ثانية، فيكشف التعارض الصريح بين النموذجين العادل والظالم، ولنبدأ بالظالم، إذ ينص الحكيم النورسي على "أن حكمة الفلسفة ترى 'القوة' نقطة الاستناد في الحياة الاجتماعية.وتهدف إلى 'المنفعة' في كل شيء. وتتخذ 'الصراع' دستوراً للحياة. وتلتزم 'بالعنصرية والقومية السلبية' رابطة للجماعات.أما ثمراتها فهي إشباع رغبات الأهواء والميول النفسية التي من شأنها تأجيج جموح النفس وإثارة الهوى".4 وهو بذلك يُجْمِلُ أهم الفلسفات الطبيعية والعقلانية التي أثرت في الفكر الغربي وجعلته مرتهنا لها إلى يومنا هذا في نظرته للعالم والإنسان، إنها النيتشوية والداروينية، فلسفتا القوة والصراع والعنصرية بامتياز، واللتان عنهما فاضت فلسفة المنفعة البراجماتية التي أجهزت على ما تبقى من ظلال القيم والأخلاق في عالمنا المعاصر.

ويترتب على كل واحدة من مرتكزات ومبادئ فلسفات الإنسان عند الحكيم النورسي نتائج عملية هي جوهر ما تتخبط فيه البشرية من غياب العدالة وتفشي المظالم، فللنظر في كل مبدأ ذكره الحكيم النورسي على التفصيل:

أولا: مبدأ القوة: تسبغ الفلسفة النيتشوية نوعاً من الروحية والقداسة على الفعل والحركة، المنفصلين عن القيمة. وقد دعا نيتشه الإنسان إلى أن يعود لحالة الحيوية والطبيعة، ويكون كالحيوان المفترس الأشقر، وينبذ العقائد الدينية وأخلاق الضعفاء. فالقوة بالنسبة له هي "الفضيلة السامية، والضعف هو النقيض في الشر. الخير هو الذي يستطيع أن يحيا ويظفر، أما الشر فهو ما يخور ويهوي"5 ولهذا كان شأن "القوة" كما يقول الحكيم النورسي هو "الاعتداء"6 الذي نجد تجسده في الحروب الإمبريالية على العالم المستضعف. ولا سبيل إلى العدالة إلا بتقرير مبدأ الحق بدل القوة. وهو خط فيصل ما بين حق القوة الذي يرتفع شعارا لفلسفة الإنسان المتنطعة7 وقوة الحق التي ترتفع شعارا لحكمة القرآن. إذ الحق من "شأنه العدالة والتوازن".8

ثانيا: مبدأ المنفعة: لما ارتبط العقل ارتباطا أبديا بالمادة في تحيزه الأول لم ينته إلى إنتاج حقيقة خارج هذا العالم المتناهي الضيق أبعد من حرصه على تحقيق المنفعة العاجلة المنحصرة والمتناهية فَحُرِم بذلك تذوق مستويات من المعارف وإدراك مستويات من الإحساس الراقي المستمدة من عوالم أخرى كائنة وممكنة غير تلك التي انحصر العقل المعاشي في شرنقتها فانحصر إبداعه فيما هو مادي متناه. ومن الآفات الناجمة عن هذا الاستغراق المادي شعور الإنسان وسط المجتمع بالضياع لانقطاعه عن مفهوم الرسالية التي تعطي للإنسان حقيقة ووجودا وقيمة ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾،المؤمنون:115 وبالفردانية المتمثلة في "تقديم المنافع الخاصة على المنافع العامة، وتقديم الاستمتاع بالحقوق الفردية على الوفاء بحاجات المجتمع".9 وشأن "المنفعة" كما يقرر الحكيم النورسي هو "التزاحم" إذ لا تفي لتغطية حاجات الجميع وتلبية رغباتهم.10 وطريق درء هذه المفسدة هو جعل رضى الله ونيل الفضائل غاية الإنسان.

ثالثا: مبدأ الصراع: جوهر المنظومة الداروينية أن العالم في حالة تغير مستمر وتطور إلى الأرقى، وأن آلية التغير هي الصراع، وهو صراع يحسمه القَويُّ لصالحه من خلال العنف بطبيعة الحال، ولذا فإن البقاء ليس دائماً للأصلح أخلاقياً أو لصاحب الحق، وإنما للأقوى مادياً وصاحب السلاح الأكثر فتكاً، وهكذا تنظر فلسفة الإنسان الداروينية إلى العالم باعتباره غابة دموية قائمة على مبدأ الصراع الدائم. وشأن الوجود القائم على مفهوم "الصراع" كما يقرر الحكيم النورسي هو الغرق في "النزاع والجدال".11 ويصبح الوجود نفيا للآخر وإلغاء له بل وإلغاء للعالم برمته. إن موطن الداء في فلسفات الغرب السياسية القومية والمادية، تلك التي فصلت بين الروح والجسد (وهو جوهر فلسفة ديكارت)، ثم تجاهلت الروح ووأدتها، وحاربت الله وجاهدت جهادا كبيرا لإحلال الإنسان محله، فلم يبق في الكون والإنسان غير المادة والحركة واللذة والسيطرة والصراع وشرعة القوي،12 ولا تصحح الصورة إلا بالعودة إلى المبدأ الذي تقرره حكمة القرآن وهو مبدأ التعاون بدل مبدأ التنازع والصراع. لأن "التعاون من شأنه التساند والاتحاد".13

رابعا: مبدأ العنصرية: حين نتحدث عن عنصرية فلسفات الإنسان في المدنية الغربية المؤسسة نظريا على المعطى العرقي نستحضر مونتيسكيو في "روح الشرائع" وغوبينو في "مقالة في التفاوت بين الأعراق البشرية" وصولا إلى هيغل في "محاضرات في فلسفة التاريخ" وآخرين.وشأن "العنصرية " كما يقول الحكيم النورسي هو "الاعتداء" إذ تكبر بابتلاع غيرها وتتوسع على حساب العناصر الأخرى".14 وهو المُشَاهَد ومن هذا ينشأ الدمار والهلاك15 ولا سبيل إلى الخلاص من هذه الآفة إلا بتقرير مبدأ الأخوة والتكاتف الإنسانيين، وقد حرص النورسي رحمه الله أن ينبه إليها في كل لحظة وحين "ألا إن العنصرية ودعوى القومية خطر عظيم".16 وذلك لما علمه من تهديدها للاستقرار والعدالة على حد سواء. وقد اجتهد رحمه الله في إنقاذ الشباب المسلم من براثنها بسيرته قبل كلامه، وأفنى عمره في ترسيخ تربية التسامح والتعاطف والتآخي.17 أخوة تضم إليها التائبين في أمان وخدمة متبادلة ورحمة وعفو وستر. وتحيط بهذه الأخوة الحانية وتكلأها محبة للناس على الدوام وحرص على تأليفهم تأليفا قلبيا عميق الجذور كالشجرة الطيبة تثمر للمسلمين التائبين وللناس أجمعين ثمار العدل والبر والإحسان والعطاء والأمن والعفو والستر وتفريج الكرب وقضاء الحاجات. مصداقا لقول الله تعالى في حق الأنصار ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.الحشر:9 مرتبة الإيثار فوق مرتبة العدل، ولهذا قال الحكيم: لابد من جعل شيمة "الإيثار" التي تحلى بها الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم ونالوا بها ثناء القرآن الكريم نصب العين، واتخاذها دليلا ومرشداً".18

أمكن للحكيم النورسي أن يستوعب على نحو فريد جوهر فلسفات الإنسان وفهم حدودها واختزالها على تنوعها الظاهر، و لهذا لم تأخذه ببريقها وزخرفها بل استعلى عليها بعامل الإيمان الذي يستمد طاقته من خلال حكمة القرآن، هذه الحكمة التي جعلته من خلال اتصاله المباشر بالقرآن يستمد أنواره من غير واسطة، فتحقق بأن الفكرة التي لا تربط بالله ولا تدل عليه زائفة مبتدأ وخبرا، بل وكل فلسفة ليست ترتقي في بحثها السببي إلى الموجد الأول وتقر به ربا فليست بشيء، كما أنه كل فلسفة لا تعتني في نسقها بالربط بين الوظيفة المخلوقية وأصلها من الوظيفة الخالقية ظلم وهراء وعبث. ومن هذا المنطلق كان يرى أن "فلسفة البشر وحكمته تنظر إلى الدنيا على أنها: ثابتة دائمة، فتذكر ماهية الموجودات وخواصها ذكراً مفصلاً مسهباً، بينما لو ذكرتْ وظائف تلك الموجودات الدالة على صانعها فإنها تذكرها ذكراً مجملاً مقتضباً. أي إنها تفصّل في ذكر نقوش كتاب الكون وحروفه، في حين لا تعير معناه ومغزاه اهتماماً كبـيراً."19

هذا النظر من قبل فلسفات البشر للدنيا على أنها ثابتة دائمة يورث الظلم بين بني البشر ويحجبهم عن إقامة ميزان العدالة فيما بينهم، إذ ينسون لقاء الله والحياة الآخرة فينزو بعضهم على بعض ويلتهم الكبراء الضعفاء وتغيب العدالة، كما ينسيهم اشتغالُهم بالرسوم الحدية الماهوية للحقائق النظرَ في الوظائف والمآلات فتكون عاقبتهم الخسران المبين.

3- العدالة ومجتمع العمران الأخوي:

لم يحارب الحكيم النورسي شيئا كما حارب العصبيات والقوميات الضيقة والعنصرية التي تنشئ مجتمعات الكراهية، والظلم، فكان النورسي دائم التنبيه من نار عُبَيَّةِ الجاهلية20 كما سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم التي لا تبقي ولا تذر من شأن العدالة بين الناس شيئا "لأنها مشحونة بالأغراض الظالمة المظلمة"،21 إذ تقيم بينهم ميزانا وضعيا مقيتا في المفاضلة لا على أساس أعمالهم وإخلاصهم فيها، وإنما على أساس من تميز الأعراق والأشباح وكلها إلى أصل واحد ترجع لو فقه المتقاتلون. يقول رحمه الله" اعلم أن العصبية العنصرية الجاهلية، ما هي إلا الغفلة المتساندة المتصالبة، وإلا الضلالة والرياء والظلم المتجاوبة المتعاونة.. فيصير الخلقُ وملّتهُ كمعبودِه العياذ بالله.. وأما الحمية الإسلامية فهي النور المهتز المنعكس من ضياء الإيمان..."22

وهكذا يتميز الجواب النوري عن سؤال القوميات المتنامي في الوقت الحاضر هنا وهناك بأنه جواب إيماني أخلاقي يقدم العمل التعاوني المبني على الأساس التعارفي، إذ حقيقة التعارف هو أنه التعاون على المعروف وترك التعاون على المنكر، تربية للنفوس على أن نفي المفاضلة والتعصب وإقامة صرح العدالة بين بني البشر فيه من إمكانات التقارب الشيء الكثير. كما أنه السبيل للاستقرار والأمن الروحي والمادي على ما ذهب إليه ابن خلدون حين قرر أنه"لا سبيل للعمارة إلا بالعدل".23

في مجتمع العمران الأخوي مجتمع القرآن يعلمنا الحكيم النورسي على أن العدل في معاملة الناس داخل هذا المجتمع ينبغي أن نستفيده من معاملة المعبود لنا بما يوسع جانب تسامحنا مع أخطاء الناس والإغضاء عنها رعاية لما نجده من حسناتهم، فكما يغفر الحق سبحانه وتعالى بميزانه الأكبر وبعدالته المطلقة سيئات كثيرة بحسنة واحدة، فالحكمة تقتضي أن من غلبت حسناته سيئاته فهو من أهل الفضل،" حيث أن ارتكاب السيئات والآثام سهل ويسير ووسائلها كثيرة. فينبغي إذا التعامل في هذه الدنيا والقياس بمثل ميزان العدل الإلهي، فان كانت حسناتُ شخصٍ أكثر من سيئاته كميةً أو نوعيةً فإنه يستحق المحبة والاحترام. وربما يُنظر إلى كثير من سيئاته بعين العفو والمغفرة والتجاوز لحسنة واحدة ذات نوعية خاصة"،24 ووقوع هذا الأمر لحكمة تربوية لطيفة وسر إلهي عجيب لا يفقهه إلا أهل المعرفة بالله.

في مجتمع القرآن يتساند الناس بناء على مبدأ التعاون بإقرار الواجب الإحساني بينهم، وهو نوعان: واجب بالشرع وهو الزكاة، وواجب بالمروءة وهو مطلق الصدقات التي هي أبناء عمومة الزكاة التي تنبض بعرقها وتعين في الخدمات كما جاء في رسائل النور.25 وعند الحكيم النورسي لا تتحقق العدالة الاجتماعية إلا بتطبيق هذا الواجب بنوعيه، فيعتبر أن الزكاة" باب عظيم تفيض منه البَركة والغنى على كل فرد، وتدفع عنه البلايا والمصائب. فالذين لا يؤدون زكاة أموالهم لا محالة يفقدون أموالاً بقدرها ويبددونها إما في أمور تافهة لا طائل وراءها، أو تلمُّ بهم مصائب تنتزعها منهم انتزاعا".26

وليس من شيء أضر على أمة الإسلام بحسب الحكمة القرآنية من تعاطي الربا وترك الزكاة، إذ تنتعش الاضطرابات بموت الزكاة وحياة الربا،27 وهذه الحقيقة عند الحكيم لما كانت بابا من أبواب تحقيق العدالة لم يجعلها حكرا على المسلمين، بل وجه نداءه للعالمين قائلا: "إن كانت البشرية تريد صلاحاً وحياة كريمة فعليها أن تفرض الزكاة وترفع الربا".28 لأن سوس الربا مؤذن بخراب العمران قياسا على أن الظلم مؤذن بخراب العمران عند ابن خلدون،29 وما من شك في أن حقيقة الربا ظلم عظيم يجاهر فيها الخلق بحرب الواحد الأحد، ولأجل ذلك تقف "الآيات القرآنية على باب العالم قائلة للربا: الدخول ممنوع. وتأمر البشرية: أوصدوا أبواب الربا لتنسد أمامكم أبواب الحروب. وتحذّر تلاميذ القرآن المؤمنين من الدخول فيها."30

ولئن كان الحكيم النورسي يحذر من الربا ويطالب بإغلاق أبوابها فهو يفتح بابا عظيما من أبواب تحقيق العدالة بتأسيس نمط متفوق من التكافل عن طريق الزكاة، وهو منهج شمولي في الإصلاح ينسجم مع منطق التخلية قبل التحلية في إصلاح الشأن الخاص والعام. وتبدو الزكاة في رسائل النور ذات وظيفة تهذيبية للعلاقة التي تسود بين الخاصة والعامة أو بين الأغنياء والفقراء الحاكمين والمحكومين، فتنتقل بها من صورة السيطرة والتعالي إلى صورة ليس فيها عنف على الإطلاق، هي صورة الخدمة والتعاون، يقول الحكيم النورسي متحدثا عن الإسلام بأنه "لا يجعل الخواص مستبدين على العوام بل يجعلهم خادمين لهم ـ من جهة ـ وذلك بوجوب الزكاة وتحريم الربا"،31 صورة الخدمة هذه "تؤمّن الرحمة والإحسان من الخواص تجاه العوام وتضمن الاحترام والطاعة من العوام تجاه الخواص".32 وتمنع في نفس الوقت والحين انبعاث المشاعر السلبية من "الحقد والعصيان اللذين يضطرمان في أفئدة العوام تجاه الأغنياء الموسرين. وتظل هاتان الطبقتان من الناس في صراع معنوي مستديم، وتخوضان غمار معمعة الاختلافات المتناقضة، حتى يؤول الأمر تدريجياً إلى الشروع في الاشتباك الفعلي والمجابهة حول العمل ورأس المال كما حدث في روسيا".33

ولما كانت الزكاة على ما ذكرناه وصورناه، فإنها تأخذ منحى اجتهاديا وتجديديا عند الحكيم النورسي، يجاوز الحدود الفقهية المتعارف عليها عند طائفة العلماء بالدين من تحديد الأنصبة لكل ما بلغ حقه وحال عليه الحول، ذلك أن تنمية الأمة وتقدمها تحتاجان إلى أن يزكي كل فرد من أفرادها بما جعله الله تبارك وتعالى منحة له فاضت آثارها عليه، فتصير الزكاة غير متعينة في أصناف بعينها محدودة معلومة بل تصير في الفكر النوري حقا على كل النعم ظاهرها وباطنها، فيجتهد الحكيم النورسي في صناعة مصطلح لطيف عميق لم يُسْبَق إليه هو "زكاة الذكاء"، فيتوسع معنى الزكاة عند الحكيم ليشرك كل واحد في بناء الخير وعمارة الأرض، يقول النورسي "لو أعطى الأذكياء زكاة ذكائهم، وصرف الأغنياء ولو زكاة زكاتهم لمنفعة الأمة، لتسابقت أمتنا مع الأمم الأخرى".34

ولعمري إن "زكاة الذكاء" هذه التي تفتق عنها الفكر النوراني للحكيم لتحتاج إلى أن ينجز فيها أعمال علمية وفقهية تجديدية في جامعاتنا ومؤسساتنا البحثية تفتح للأمة آفاقا من التقدم والتطور لا قبل لها بها، وتقفز بنا سنوات ضوئية إلى الأمام خاصة مع ما تعرفه حياتنا اليوم من تغير مستمر لمفاهيم الثروة والقيمة، نرجو الله تعالى أن يوفقنا لأن نكون من بُنَاتِها في القريب إن شاء الله تعالى.

4- العدالة والنظر المُلْكِي:

يمكننا النظر للعدالة عند الحكيم النورسي من زاويتين: الأولى نسميها النظر الملكي والثانية النظر الملكوتي، أما النظر الملكي فهو المختص بدرك الأشياء بوصفها ظواهر يُبْحَثُ في أسبابها على الظاهر، والأسباب هنا" إنما وُضعَت لتبقى عزةُ القدرة مصونةً من جهة نظر العقل الظاهري"،35 وأما النظر الملكوتي فهو الذي يعقل الحقائق من حيث قيمها وآياتها الخفية والشفافة،والصافية، والنزيهة،" فلا تختلط معها ألوان ومزخرفات التشخصات... هذه الجهة متوجهة إلى بارئها دون وساطة، فليس فيها ترتب الأسباب والمسبّبات ولا تسلسل العلل، ولا تدخل فيها العليّة والمعلولية ولا تتداخل الموانع".36 وإذا كان الأول يوصل إلى العلم فإن النظر الملكوتي يبلغ الإيمان.

في النظر الملكي يتوزع مفهوم العدالة عند الحكيم النورسي اعتبارات متعددة لكل منها خصوصية معينة، غير أنه يجمعها نظر فاحص فيما كان (أي التاريخ) وفيما هو كائن (الحاضر أو سطوة المدنية الحديثة) وفيما ينبغي أن يكون "المستقبل أو نموذج التفقد السليماني" ولنبدأ بالاعتبار الأول المتوجه للتاريخ وهو ما سميناه:

الاعتبار التقويمي لتاريخ الإسلام السياسي: في رسائل النور نجد العدالة تنقسم إلى قسمين: محضة وإضافية، أما المحضة فهي "ذلك الدستور العظيم الذي ينظر إلى الفرد والجماعة والشخص والنوع نظرة واحدة، فهم سواء في نظر العدالة الإلهية مثلما أنهم سواء في نظر القدرة الإلهية. وهذه سنة دائمة".37 وأما الإضافية أو النسبية فهي "أن الجزء يضحى لأجل سلامة الجميع، فهذه العدالة لا تأخذ حق الفرد بنظر الاعتبار لأجل الجماعة، وإنما تحاول القيام بنوع من عدالة إضافية من حيث الشر الأهون".38 ولا يصار إلى العدالة الإضافية عند الحكيم النورسي إلا إذا تعذر بلوغ العدالة المحضة، وبهذا الميزان فهم النورسي عددا من الأزمات التي دارت على الخلاف بين الصحابة زمن الفتنة حيث سمح له هذا المنهج أن يحفظ التوقير اللازم والأدب المطلوب مع من سبقنا بعلم وإيمان فتوقى بذلك تجريح الأفاضل من الصحابة وحمل ما جرى بينهم على الخلاف بين عدالتين: "فالإمام علي رضي الله عنه قال: إن العدالة المحضة قابلة للتطبيق، كما كان عليه في عهد الشيخين. لذا حاول بناء الخلافة الإسلامية على تلك القاعدة من العدالة المحضة. بينما معارضوه كانوا يقولون إن هذه العدالة المحضة غير قابلة للتطبيق، حيث هناك، عوائق ومشكلات كثيرة تظهر أثناء تطبيقها، فصار اجتهادهم إلى العدالة الإضافية.39 ومثل هذا الفهم يكتب بماء الذهب لأنه يمنع من سقطات كثيرة، ويحفظ على الأمة جمعها ويضمن اتصال المحبة والإجلال لسلفها.

ثانيا الاعتبار التدافعي في المدنية الحديثة: في النظر الملكي نجد الحكيم النورسي يجتهد في بيان مدى الاضطراب الذي بلغته المدنية الغربية في النظرية والواقع، ويبين مدى "الإجحاف في الحقوق المدنية للحضارة الحديثة والتي تخالف أحكام القرآن".40 وكيف أن البشرية سُلبت الراحة والأمن بسبب غياب العدالة وتفشي الحسد والحقد بين الأفراد والجماعات والكراهية، حيث "انقطعت صلة الرحم بين طبقة الخواص والعوام. فانطلقت من العوام أصداء الاضطرابات وصرخات الانتقام، ونفثات الحسد والحقد. ونزلت من الخواص على العوام نار الظلم والإهانة وثقل التكبر ودواعي التحكم".41 فتحولت هذه المدنية في غياب العدالة الحقيقية بين أفرادها إلى "دنية" بدون ميم.42

في عالم الملك يتصارع الناس في المدنية الحديثة لأتفه الأسباب وأخسها، ويقدم الضعفاء الفاتورة مضاعفة من غياب العدالة واستشراء الظلم، ولقد "قاست البشرية من ويلات الحروب العالمية "أي مقاساة، إذ رأت أشد أنواع الظلم وأقسى أنواع الاستبداد والتحكم، مع الدمار الظالم المريع في الأرض كافة".43 والإسلام والقرآن الكريم بريئان بلا شك من مثل هذه الحروب المدمرة التي لا تنسجم مع أي قانون كان من قوانين العدالة ولا مع الإنسانية ولا مع أي دستور كان من دساتير الحقيقة وقوانين الحقوق".44

ثالثا الاعتبار الشرطي لقيام السلطة وتحقيق الأمن: يشترط الحكيم النورسي في العدالة في النظر الملكي أن تقوم على ركيزتين: الحرية والمساواة.

أما الحرية: فيعرفها بأن "يكون المرء مطلق العنان في حركاته المشروعة مصوناً من التعرض له، محفوظ الحقوق ولا يتحكم بعضٌ في بعض، ليتجلى فيه نهي الآية الكريمة ﴿وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾آل عمران:64 ولا يتأمّر عليه غير قانون العدالة والتأدب، لئلا يُفسِد حرية إخوانه.45

وأما المساواة: ويقصد بها المساواة أمام القانون في سائر الحقوق، إذ إن "المساواة ليست في الفضيلة والشرف، بل هي في الحقوق. فالسلطان الملك والفقير المسكين كلاهما سيّان في الحقوق.. فيا للعجب إن الشريعة التي نهت عن تعذيب نملة وأمرت ألا تداس عمداً، أ تهمل حقوق بني آدم؟ كلا!"46

وإذا تمكن الناس من نيل حقوقهم على شرط الحرية في الوجود والمساواة في الحقوق، يلزم القائمين على الشأن العام من حكام أن يعتنوا بأحوال من تحتهم بدوام ترقب احتياجاتهم والإشفاق عليهم وهو شرط يمكن أن نعبر عنه بشرط التواصل بين العامة والخاصة أو الحاكمين والمحكومين، إذ كلما كانت القنوات التواصلية بين القيادة والشعب على قدر من الشفافية والصدق والوضوح والعمق كانت الحياة العامة أقرب إلى السلم الاجتماعي والرفاهية، وكلما انسدت هذه القنوات وانحجبت تعاظمت المشاكل وتزايد الغضب، ولهذا ينصح الحكيم النورسي الحكام بتوخي المنهج السليماني في التفقد، فيقول لهم ناصحا" أيها الحكام! ويا من تسلمتم أمر البلاد! إن كنتم تريدون أن تسود العدالة أنحاء مملكتكم، فاقتدوا بسليمان -عليه السلام- واسعَوا مثله إلى مشاهدة ما يجري في الأرض كافة، ومعرفة ما يحدث في جميع أرجائها. فالحاكم العادل الذي يتطلع إلى بسط راية العدالة في ربوع البلاد، والســلطان الــذي يرعـى شؤون أبناء مملكته، ويشفق عليهم، لا يصل إلى مبتغاة إلا إذا اسـتـطـــاع الاطـلاع" اطلاعا مسئولا يراقب فيه الله تبارك وتعالى الذي استرعاه فيسأله يوم القيامة عن رعيته.

وإذا تحصل هذا على الإجمال واستبان انتقلنا لبيان العدالة في النظر الملكوتي.

5- العدالة والنظر الملكوتي:

من إشراقات بديع الزمان النورسي الإشارية47 ذهابه إلى أن "المعارف الدينية والتعبدية لا يمكن للمرء أن يستكمل جميع ما يتقطر منها من حلاوة ولذة إلا باستخدام جميع أحاسيس كيانه الروحية منها والمادية".48 ولذلك كان مَنْ عَرِيَ عن التربية الروحية الصوفية لم يتم له تحصيل معرفة دقيقة بما صار إليه القوم في أذواقهم وأحوالهم مع الباري عز وجل في فهمهم عنه حكمته وعدالته.

وعليه يكون النظر الملكوتي مختصا بالبحث عن المعاني وعن الحكمة المتوارية خلف سجف الظواهر الملكية، وهذه المعاني هي عبارة عن "قيمة ينبغي لمن يدركها العمل بمقتضاها"،49 وَجِهَةُ الملكوت"هي محل تعلق القدرة في كل شيء".50 والحق أنها درجات إلى غير غاية لا يتراءى منها لعلماء الظاهر إلا أقربها أما تلك البعيدة النائية في مضمار الحكمة الإلهية فهي مخصوصة بأهل المعرفة بالله ذوي الجناحي51 الواصلين الموصولين الذين ينظرون بأنوار قلوبهم أمثال سيدي عبد القادر الجيلاني وحجة الإسلام الغزالي والشيخ الأكبر محي الدين والشاذلي و الرفاعي وجلال الدين الرومي وغيرهم من رجال الله الكبراء ممن ذكرهم وأثنى عليهم وعلى معرفتهم الحكيم النورسي وهو من غير شك غصن من أغصان شجرتهم المباركة.52

أول ما يسترعي الانتباه في فهم "العدالة" من هذا المنظار الملكوتي هو أن العدالة تجل لاسم من أسماء الله الحسنى (العدل) ولهذه الأسماء أسرار صمدانية لا تنفتح إلا بمفاتيح الأجهزة المودعة في الفطرة53 بالتعرف على الفعل وفاعله، ذلك أن " الأسامي المشتقة من الأفعال لا تفهم إلا بعد فهم الأفعال وكل ما في الوجود من أفعال الله تعالى".54 ومن لم يحط علما بتفاصيلها ولا بجملتها فلا يكون معه منها إلا محض التفسير واللغة ولا مطمع في العلم بتفصيلها فإنه لا نهاية له، فيكون اسم الله "العدل" حقيقة تنعكس صورتها على مرآة الخلائق والموجودات55 بحسب استعداداتهم الإيمانية في التخلق بهذا الاسم من أسماء الله تعالى. وكلما ابتعد الإنسان عن حقائق الإيمان ضعف شعاع الأسماء وبهت تجليه حتى يصير إلى التزييف مع الكفر.56

وكما تتبدى العدالة منحصرة في النظر الملكي نظاما وتساويا وترتيبا وحقوقا على الأقدار وميزانا ودقة، تتراءى لأهل المعرفة بالله في النظر الملكوتي مرائي لا حدود لها ذلك أن لاسم الله "العدل" حُجُبا مختلفة، وتجليات متنوعة، ودوائر ظهور متباينة، ولا يخرج فيها فعل من أفعال الله عن قانون العدل وأبدعية الإيجاد والإمداد، ففي الضر عدالة لا تقل عما في النفع، وفي النقص عدالة لا تنزل عن الزيادة وفي المرض عدالة ليست دون الصحة وهكذا، وهو مقام الرضا "اعلم! إنك إذا عرفتَ أن الكلَّ منه تعالى، وأذعنت به، لابد أن ترضى بما سرّ أو ضر. وإن لم ترض، اضطررت إلى الغفلة".57 ومقام الرضا أو التسليم والتصديق لا يناله إلا خاصة الخاصة من أمثال الحكيم النورسي ومن سار على نهجه من أهل الذوق والمباشرة، إذ شتان بين من ينطق عن درسه ونفسه وبين من ينطق عن ربه، هؤلاء الذين يميزون بين نوعين من الأسباب: السبب الظاهر الذي يتجلى فيه ظلم الظالمين، والسبب الخفي أو الحقيقي والذي تجلى في عدل رب العالمين، يقول الحكيم معلما ومربيا في عز جهاده ومحنته: " وقد أصبح أهل الدنيا سبباً ظاهراً وأتوا بي إلى ههنا. أما القدر الإلهي فهو السبب الحقيقي، فحكم عليّ بهذه العزلة. والسبب الظاهر ظَلَمَ، أما السبب الحقيقي فقد عدل".58 إنه فهم لا ينفي ظلم الظالمين أو يستره كما هو شأن الجبرية ولكنه يُعَيِّنُه بفقه حدوده المُلكية التي تقتضي إنكاره على أهله المستكبرين مع استجماع شرائطه لأن هذا أمر الشريعة، كما تقتضي الحقيقة ربطه بالتدبير الملكوتي محل الأسرار الذي قد يكون فيه تأديب وتعليم وتنبيه وتطهير واختبار. يقول النورسي "إذا فهناك حاجة في الوقت الحاضر بحيث يسلط القدر الإلهي أولئك علينا، فهم يقترفون الظلم بإسناد جمعية موهومة. والقدر الإلهي يقول لنا: لِمَ لم تكوّنوا بإخلاص تام وبتساند تام حزب الله الحقيقيين؟ فصفعنا صفعة تأديب بأيديهم. وقد عدل."59 هذا الفهم العالي تجد فيه دورانا مع رحى القدر تتبعا لحركتها وحرصا على تطابق الأمر التكليفي مع الأمر التكويني ليحصل في قلب المؤمن اليقين التام بأنه ما تم إلا الله لا شريك له، وقد صدق قائلهم:

سَلِّمْ لِسَلْمَى وَسِرْ حَيْثُ سَارَتْ    وَاتْبَعْ رِيَاحَ القَضَا وَدُرْ حَيْثُ دَارَتْ

يقول حجة الإسلام الغزالي في نفس المعنى"بل شاهدوا جميع ذلك عدلا محضا لا جور فيه، وحقا صرفا لا نقص فيه، واستقامة تامة لا قصور فيها، ولا تفاوت، بل كل ما يرونه نقصا، فيرتبط به كمال آخر أعظم منه، وما ظنوه ضررا فتحته نفع أعظم منه لا يتوصل إلى ذلك النفع إلا به، وعلموا قطعا أن الله تعالى حكيم جواد رحيم لم يبخل على الخلق أصلا، ولم يذخر في إصلاحهم أمرا".60

إن الله عز وجل يبتلي عباده بالقبض والبسط، وكل شيء عنده بمقدار، وما من حدث جَلَّ أو قَلَّ إلا وله مغزى ومعنى كوني وجودي دنيوي أخروي علمه من علمه وجهله من جهله. والإيمان الصوفي السوي هو الذي يعطي للقدر الإلهي أدبه بالرضا لأنه من جملة ثمرات المعرفة، فإذا عرفته رضيت بقضائه، ولسعي العباد ومسؤولياتهم حقهما، في توازن وتعادل وحكمة.

ولما كان بديع الزمان معلما مربيا دالا على الله فقد اقتضت قواعد الدلالة التدرج بالمتعلمين من أدنى المراتب في النظر الملكي شيئا فشيئا درجة درجة حتى إذا استقر لهم فهم منطق الأسباب التوحيدي ارتقى بهم إلى منطق تلاشي الأسباب التجريدي حيث يمكن أن تتعطل الأسباب وتتحقق المسببات أو العكس، فيبطل بذلك التلازم المنطقي بين السبب والمسبب، أي إبطال الترابط بينهما في الاتجاهين:الطردي (أو الكافي) والعكسي (أو الضروري)61 وهو فهم عميق لا ينعقد لصاحبه إلا بعد تحصيل القدر الكافي من التوحيد، فيفهم أن الله مُوجِدُ الأسباب لكنها لا تفعل بذاتها بل به سبحانه "اعلم! أن عفوه تعالى فضل، وعذابه عدل؛ إذ كما أن من أكل سمًّا، فهو مستحق للمرض بحكم عادة الله المستمرة. فإن لم يمرض، فهو فضل وكرامة من الله بخرق العادة."62

ولقد ظل رحمه الله على نفس الطريقة من التعلق القلبي بفيض مولاه مسلما في كل محنه بالعدالة يراها وقد شملت كل أسلاك من سبقه من أهل الامتحان من النبيين والصديقين فكان يردد و يقول حينذاك: "إن القدر الإلهي قد عدل في حقي من خلال ظلم أولئك الظالمين"،63 ولم يكن ظلم الظالمين ليولد في نفسيته الحقد تجاههم، وإنما ظلت وظيفته تجاههم "هي التمني لهم بالهداية"،64 وهي الطريقة النبوية فيما عرفناه من سيرته صلى الله عليه وسلم، طريقة العفو والرحمة وإظهار الشفقة خاصة حين أوذي في الطائف فقال: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا".65

ومن حسن ظن الحكيم النورسي بالله وعدالته ثباته على هذه العقيدة الصحيحة يبشر بها إلى آخر نَفَس في حياته العطرة، كان يقول النورسي "إن للقدر الإلهي -الذي هو عدل محض- حصةً عظيمةً جداً فيما يسلطه عليك هؤلاء البشر من الظلم البيّن، وان رزقك في السجن هو الذي دعاك إلى السجن، فينبغي إذا أن تقابل هذه الحصة بالرضى والتسليم".66

في النظر الملكوتي يكون مفهوم العدالة أشمل وأجمع لكل ما قصرت أنظار الخلائق عن تبصره وتدانت عن تفهمه مما افترضه النظر الملكي القائم على تعقب الظواهر السببية، واتساع الثقة هو الذي يورث هذا الضرب من الإيمان العميق، وعند الحكيم النورسي رحمه الله ثقة عالية بالله وإيمان عميق بموعوده، ولهذا كان يرى الناس بعين مؤمنين وكافرين ظالمين وعادلين، وبعين أخرى يراهم جميعا خلقا لإله واحد، فيحكم الحكم الصائب في النظرتين، لا تزاحم إحداهما الأخرى ولا تشوش عليها.

إنه إذا أردنا أن نقرأ العدالة بحروف كبيرة كما يقول أفلاطون في جمهوريته فينبغي أن نقرأها لا كما اعتقد في الدولة بمعناها الرسمي الحائل بل نقرأها كما يعلمنا الحكيم النورسي في تجليها الرباني الأزلي في اليوم الآخر. وقد تكون أعظم الدلالات على أهمية العدل تركيز الحكمة القرآنية على "الدار الآخرة" وإقامة محورها في الحساب والعقاب على "ما كنتم تعملون" وشمول هذه الدار أو إن شئت المحكمة على الثواب جنباً إلى جنب العقاب. وهو ما تنفرد به لأن محاكم الحياة الدنيا عادة ما تقتصر على العقاب دون الثواب. فبينما لا يلقى "الإنسان ما يستحقه من الثواب أو العقاب في هذه الحياة الفانية على وجه يليق بتلك الحكمة وتلك العدالة إلا نادراً، بل يؤخر، إذ يرحل اغلب أهل الضلالة دون أن يلقوا عقابهم، ويذهب أكثر أهل الهداية دون أن ينالوا ثوابهم.. فلابد أن تناط القضية بمحكمة عادلة، وبلقاءٍ آيل إلى سعادة عظمى".67

إن عند أهل الاختصاص بالله يقينا أن "هناك إذن ديار غير هذه الديار، فيها محكمة كبرى، ودار عدالة عليا، ومقرَّ كرم عظيم، لتظهر فيها هذه الرحمة وهذه الحكمة وهذه العناية وهذه العدالة بوضوح وجلاء".68

في النظر الملكوتي ترتقي القيم الحقة التي من أجلها توزن الأشياء والأعمال لا على ظواهرها من الضخامة والطول والكبر مما تستعظمه العيون في الرؤوس، ولكن العدالة والميزان يقامان على أساس من المعنويات والمهمات والماهيات، "حيث تقتضي العدالة الحقة أن يلاقي هذا الإنسان الصغير ثوابَه وعقابه لا على أساس صغره، بل على أساس ضخامة جنايته، وعلى أساس أهمية ماهيته، وعلى أساس عظمة مهمته..."69

* * *

الهوامش:

1 أستاذ الفكر الإسلامي والفلسفة.

2 النورسي: اللمعات،182.

3 النورسي: الكلمات، 249.

4 النورسي: الكلمات، 145.

5 F. Nietzsche, Contribution a la Généalogie de la Morale, traduction et notes, Angel Kremar Marietti, U.G.D., coll., 10/18,1974

6 النورسي: الكلمات، 145. وجدير بالذكر أن ابن خلدون ربط في مقدمته بين الاعتداء والخراب الذي يصيب العمران، يقول: "اعلم أن العدوان على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها (..) وعلى قدر الاعتداء ونسبته يكون انقباض الرعايا عن السعي في الاكتساب". يراجع، المقدمة، دار القلم لبنان،ط7، 1987. 286.

7 نذكر في هذا المقام بفلسفة ميكيافللي في كتابه الأمير وهو تجسيد لفلسفات الإنسان المبنية على حق القوة في تدبير الشأن العام حيث لا يرى مهمة ووظيفة للأمير إلا الاشتغال بالحرب والإعداد لها وتنظيم طرقها وأن لا يفكر في شيء سواها إذ لا فن يحتاجه القائد إلا فن الحرب. يراجع، نيقولا ميكيافيللي: الأمير، ترجمة خيري حماد، تعقيب فاروق سعد، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1979، 131.

8 النورسي: صيقل الإسلام، 359.

9 طه عبد الرحمن: روح الحداثة، المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية، المركز الثقافي العربي، ط1،2006،ص 252.

10 النورسي: الكلمات، 145.

11 النورسي: الكلمات، 145.

12 راشد الغنوشي: الحريات العامة في الإسلام، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1993،86-87.

13 النورسي: سيرة ذاتية، 141.

14 النورسي: الكلمات،145.

15 النورسي: الكلمات، اللوامع، 855.

16 النورسي: سيرة ذاتية،501.

17 يراجع قصته رحمه اللّٰه مع أحد الطلاب في هذا الشأن، ملحق أميرداغ، 2/418.

18 النورسي: اللمعات، 277.

19 النورسي: الكلمات،508.

20 جاء في الحديث أن رسول اللّٰه صلى الله عليه وسلم خطب بمكة فقال: يا أيها الناس إن اللّٰه قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وتعاظمها بآبائها فالناس رجلان: رجل تقي كريم على اللّٰه وفاجر شقي هين على اللّٰه والناس بنو آدم وخلق اللّٰه آدم من تراب قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.حجرات:13 يراجع: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 16/292. ومسند الإمام أحمد،2/361 رقم الحديث 8721.

21 النورسي: المكتوبات،79.

22 النورسي: المثنوي العربي، 213. ويراجع أيضا ما جاء من تشنيع على التعصب للقوميات في: المكتوبات،68.

23 المقدمة:287.

24 النورسي: اللمعات، 134.

25 النورسي: صيقل الإسلام، 416.

26 النورسي: المكتوبات،

27 النورسي: الكلمات، اللوامع، 851.

28 النورسي: الكلمات، اللوامع، 851.

29 ابن خلدون: المقدمة، 286.

30 النورسي: الكلمات، 474.

31 النورسي: المكتوبات.

32 النورسي: نفسه.

33 النورسي: نفسه.

34 النورسي: صيقل الإسلام، المناظرات، 416.

35 النورسي: الكلمات، 327.

36 النورسي: الكلمات،624.

37 النورسي: الكلمات، اللوامع، 862.

38 النورسي: المكتوبات،67.

39 النورسي: المكتوبات، 67

40 النورسي: المكتوبات،48.

41 النورسي: الكلمات، اللوامع،851.

42 النورسي: المكتوبات،49.

43 النورسي: الكلمات، 172.

44 النورسي: ملحق قسطموني، 203.

45 النورسي: صيقل الإسلام، 394.

46 النورسي: صيقل الإسلام، 398.

47 في مبادئ الإشارية الصوفية يراجع عملنا: اللسانيات الإشراقية عند ابن عربي، الفعل الإنشائي نموذجا، ضمن المنطلق الجديد، لبنان، ع6، 2006، صص146-147.

48 النورسي: المثنوي العربي النوري، 19.

49 طه عبد الرحمن: الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري، المركز الثقافي العربي، ط1، 2005، 19.

50 النورسي: المكتوبات، 657.

51 عند الحكيم النورسي أن العلماء ورثوا علم الرسول صلى الله عليه وسلم والـمتصوفة ورثوا عمله، لذا يطلق على من يرث علم الرسول وعمله معاً ذي الجناحين. يراجع: النورسي: سيرة ذاتية، 31.

52 في ثنائه على هؤلاء الرجال يراجع: الكلمات، 285، 469، 832 والمكتوبات: 101 واللمعات:52-53.

53 النورسي: الكلمات،138.

54 الغزالي: المقصد الأسنى في شرح أسماء اللّٰه الحسنى، تحقيق بسام عبد الوهاب الجابي، ط1، 1987،99.

55 النورسي: الكلمات، 262.

56 النورسي: الكلمات، 544.

57 النورسي: المثنوي العربي النوري، 402.

58 النورسي: المكتوبات،58.

59 النورسي: الشعاعات،579.

60 الغزالي: الأربعين في أصول الدين، دار الآفاق الجديدة بيروت، 1979، 183-184.

61 يراجع: الغزالي:معيار العلم،تحقيق حسين شرارة، دار الأندلس للطباعة والنشر بيروت، 1964، 190-191.

62 النورسي: المثنوي العربي، 405.

63 النورسي: اللمعات، 264.

64 النورسي: ملحق أميرداغ، 371.

65 البخاري: الجامع الصحيح المختصر، دار ابن كثير اليمامة بيروت، ط3، 1987، 3/1180.باب ذكر الملائكة حديث رقم3059، وفي مسلم: صحيح مسلم، تحقيق فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت. تحت رقم3352 في الجهاد والسير باب ما لقي النبي من أذى المشركين.

66 النورسي: اللمعات،398.

67 النورسي، الكلمات، 68.

68 النورسي، الكلمات، 57.

69 النورسي: الكلمات، 69.


 

أرشيف ملف العدد

16 - العمل الإيجابي 2
. دور الفعل الايجابي في توجيه قانون التضاد لبناء عالم أفضل
. الجهاد الفكري وعلاقته بالعمل الإيجابي في رسائل النور
. الأبعاد الإيجابية لمفهوم الجهاد في ضوء رسائل النور
. غياب العمل الإيجابي أو تغييبه في حياة المسلمين المعاصرة
15 - الإيجابية والعمل الإيجابي في رسائل النور
. الأسس الشرعية لمنهج العمل الإيجابي البناء
. مصطلح الإيجابية في رسائل النور
. الإيجابية في مقاصد العبادات ودورها في بناء عالم أفضل...
. التوجيه الإيجابي للأحاديث النبوية في رسائل النور
. النظرة الإيجابية وأهميتها في تحصين الدعوة عند الأستاذ النورسي
14 - بعض قضايا الفكر الإسلامي في رسائل النور
. العمل بإيجابية الأسس والعوائق -دراسة في رسائل النور-
. الحداثة البديل عند بديع الزمان النورسي
. ثقافة البيئة في الفكر الإسلامي من خلال مدرسة بديع الزمان النورسي
. موقـف رسائل النـور من منهـج الفلاسـفة واللاهـوتيين والمتصـوفة في بحـث مسألة النبـوة
. العدالة بين حكمة القرآن وفلسفة الإنسان قراءة في التجربة الذوقية للحكيم النورسي
13 - الإنسان في رسائل النور وجودا، ومهمة، وغاية
. دور رسائل النور في استعادة صياغة القرآن للإنسان
. الإنسان في رسائل النور وجودا، ومهمة، وغاية
. مؤلّفات بديع الزمان أنموذجاً لتقديم الإسلام إلى الغرب
. نظام التربية في رسائل النور
. منهج وطريقة رسائل النور وغايتها
12 - مفاهيم وردت العناية بها في رسائل النور
. تحرير الحرية في رسائل النور
. مصطلح الإيمان في رسائل النور - دراسة مفاهيمية
. مفهوم البلاغة عند بديع الزمان سعيد النورسيّ
. الوحدة وتدبير الخلاف عند بديع الزمان سعيد النورسي
11 - وقفات مع بعض عناصر القوة المعنوية
. التزكية وتدبير الخلاف وأثرهما في وحدة الأمة عند سعيد النورسي
. العناصر الفكرية والفنية والنفسية في منهج الأستاذ النورسي في التفسير
. العمل الإيجابي ومنزلته في دعوة النور
. مقومات المجتمع الإنساني الآمن من منظور رسائل النور
. إحياء الأخلاق في الممارسة السلوكية عند النورسي
. مناهج التبليغ عند ورثة النبوة من منظور رسائل النور
10 - عنوان الملف: الأخلاق والوراثة
. المجاهدة والتوريث عند النورسي
. أواصر العناصر الكونية من منظور الأستاذ النورسي
. قاعـدة "الفنـاء في الإخـوان" في فكر بديـع الزمـان
9 - المقاصد في رسائل النور
. أساسيات منهج الفكر المقاصدي عند النورسي
. المقاصد القرآنية في فكر النورسي
. مقاصد القرآن من خلال رسائل النور
8 - أسرار العبرة والتعبير في رسائل النور
. منهج النورسى في شرح أسماء الله الحسنى
. نحو رؤية جديدة للدلالة النفسية لأسلوب التكرار في القرآن الكريم
. التاريخ عند بديع الزمان سعيد النورسي دراسة في التمثل والتفسير
. قواعد في تفسير القرآن عند النورسي من خلال إشارات الإعجاز
7 - النورسي والتصوف
. النورسى ورؤيته للتصوف المعاصر
. نظرات في الأدب الصوفي عند النورسي
. بديع الزمان سعيد النورسي والتصوف
. أهمية روحانية النورسي المتبصرة في عالم مادي متأزم
6 - دعوة رسائل النور
. دعوة رسائل النور: هل هي حركة؟ أم جمعية؟ أو جماعة؟
. المنهج العوفي وإعلاء كلمة الله عند بديع الزمان
. التبليغ والارشاد في رسائل النور
. العمل الإيجابي القاعدة الثابتة لعمر مديد
. المرأة الإصلاحية في فكر الشيخ النورسي
5 - الرؤية الحضارية في رسائل النور
. من الأسس الفكرية والحضارية في رسائل النور
. البعد العقدي لبنية الإنسان في فكر النورسي

النور للدراسات الحضارية والفكرية
 المركز الرئيسي:  

Kalendarhane Mah. Delikanli Sk. No: 6
Vefa 34134 Fatih - Istanbul / TURKIYE
 Phone: +90 212 527 81 81 - Fax: +90 212 527 80 80