ثقافة البيئة في الفكر الإسلامي من خلال مدرسة بديع الزمان النورسي
ثقافة البيئة في الفكر الإسلامي م

ثقافة البيئة في الفكر الإسلامي من خلال مدرسة بديع الزمان النورسي

The Culture of Environment in Islamic Thought Through the School of Bediuzzaman Said Nursi

A B S T R A C T

Dr. Habiba Abu Zayd

Environment is one of the intellectual dilemmas stirring the interest of countries all over the world. This interest grows on a daily basis, due to the alarming increase in environmental destruction and disruption of vital elements on earth at the hands of humans.

This grave situation led many to voice their concerns, in spoken or written words, in order to address environmental safety and the necessity of preserving it. There are also those who have been striving to spread an environmental culture based on warning people about the severe negative consequences of environmental destruction for human life. However, these efforts did not achieve more than the passing of laws and the implementation of various punishments. The methodology of addressing the environmental dilemmas remained unable to fulfill its aim; humans did not tackle the core of this issue. This being that the destruction of the environment is an outcome of humans' attitude towards it, which eventually influences human thoughts and vision of life.

This means that addressing environment and other dilemmas facing humanity rely, in the first place, on the intellectual, moral, educational and emotional elements of humans. This calls for exploring what has been written in this matter in terms of the intellectual and moral aspects. Badiuzzaman Said Nursi, who is highly regarded as one of the most recognized names in modern Islamic thought, is among those shaping (as part of his reform project) a comprehensive environmental culture of intellectual and doctrinal, as well as emotional, behavioral and moral dimensions.

Reading Nursi's commentary, entitled "The Risale i-Nur", one can be perceive it as both an intellectual and spiritual voyage, a rational wandering with profound contemplation of the components of the universe and environment, and even more, an emotional and rational understanding of nature's beauty. Nursi's intellectual and emotional grasp of creatures serves as a strong educational method in underlining a great foundation in Islamic doctrine; i.e. that every sign of artistry in this created world is a manifestation of the glory of Allah the Creator and His Beauty.

Hence, Nursi partakes in a comprehensive intellectual vision of the environment, which could be summarized as comprising three main characteristics constituting the foundations of environmental culture in Islamic thought as perceived, interpreted and applied by Nursi. This vision can assertively argue for an environmental culture in Islamic thought, and consquently, it is necessary that Muslims present it to the world as a beneficial added value to address the pervasive environmental dilemmas.

* * *

ملخص البحث

الدكتورة حبيبة أبو زيد1

إنّ قضية البيئة من المعضلات الفكرية التي استأثرت باهتمام جميع دول العالم. ويقوى هذا الاهتمام يوما بعد، مع تزايد تدمير البيئة واختلال العناصر الحيوية في الأرض بفعل الإنسان. وأمام خطورة الوضع كثر الكلام والكتابة حول سلامة البيئة ووجوب حفظها والحفاظ عليها، إلا أنّ ذلك لم يتجاوز وضع القوانين وسن العقوبات الزجرية، والعمل على نشر ثقافة بيئية مبناها التخويف والتحذير من الآثار الخطيرة لتدمير البيئة على حياة الإنسان. وبقي منهج معالجة معضلة البيئة قاصرا عن بلوغ المقصود، ولم يتوجه إلى الإنسان لب المشكلة، إذ خراب البيئة أثر من آثار سلوكه معها، وسلوكه أثر فكره ورؤيته للحياة. ومعنى ذلك أن معالجة معضلة البيئة وغيرها من المعضلات التي تواجه الإنسانية تستند بالدرجة الأولى إلى العنصر الفكري والمعنوي والتربوي والوجداني في الإنسان، مما يسترعي العناية بما كتب في معالجة المسألة من الناحية الفكرية والمعنوية، ويعد الأستاذ بديع الزمان النورسي، وهو من أعلام الفكر الإسلامي المعاصر، من أبرز من حرر في مشروعه الإصلاحي ثقافة بيئية شاملة في بعدها الفكري والعقدي، وفي بعدها الوجداني والسلوكي والخلقي. فمن يقرأ بتمعّن رسائله الموسومة بـ "رسائل النور" يجدها سياحة فكرية روحية، وتأملات عقلية، ونظرات عميقة في أجزاء الكون والبيئة، وقراءات عقلية ووجدانية لجمال الطبيعة. وهذا التعلق الفكري والوجداني بالكائنات عند النورسي، منهج تربوي قوي في ترسيخ أصل عظيم من العقيدة الإسلامية وهو أن كل أثر وصنعة في هذا العالم المخلوق إنما هو تجليات لجلال الله تعالى الخالق وجماله تعالى. فالكون كله معرض لتجليات جمال الله وجلاله.

ومن هنا فللنورسي رؤية فكرية متكاملة في النظر إلى البيئة، يمكن اختصارها في ثلاثة معالم رئيسة هي أصول الثقافة البيئية في الفكر الإسلامي كما فهمها النورسي وتصورها وسار عليها. ويمكن لهذه النظرة أن تكون جامعة لثقافة البيئة في الفكر الإسلامي كما ينبغي للمسلمين أن يقدموها للعالم بصفتها قيمة مضافة نفيسة لمعالجة معضلة البيئة.

* * *

أصول ثقافة البيئة عند الأستاذ النورسي:

1- الكون والكائنات كتاب منظور وشريعة كونية، صفتها الطهر والجمال، ونعتها الإحسان والإتقان.

2- النظر إلى البيئة بعين التقدير والتثمين والاحترام من مقتضيات منهج تجليات أسماء الله الحسنى في الكون، لأن الناظر من خلال هذه الرؤية يرى البيئة معرضا تتجلى فيه آيات الجمال الدالة على جمال الله تعالى وجلاله.

3- ثقافة البيئة التي تؤسس لها رؤية النورسي أساس في نظرية الجمال وفق ما تصوّر المستفاد من رؤيته، وهذا يقتضي ثقافة بيئية حقيقية. لأن جمال الكون طريق للتعرف إلى جلال الخالق والتذكير بالجمال الكامل والتشوف إلى النعيم الخالد.

فمن يستحضر هذه الأصول ينظر بعين التقدير إلى البيئة ويمارس تفاعلا ذوقيا معها فلا يستجيز إفسادها ولا الاعتداء عليها بوجه من الوجوه.

نص البحث:

لا يخفى على أحد أن قضية البيئة من المعضلات الفكرية في العصر الحاضر. فآثار الخلل في توازن البيئة ظاهر للعيان أنّ مبعثها تصرّفات الإنسان، ومخاطر تدمير البيئة وإفساد مكونات الفضاء الخارجي واضح تتجلى آثاره يوما بعد يوم. ولأجل تلافي ذلك تعقد الندوات والمؤتمرات في مختلف أصقاع العالم وفي مستويات مختلفة، فكثر التنبيه إلى ضرورة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من البيئة وحفظ التوازن البيئي، لاتقاء كوارث خطيرة تهدد الحياة على ظهر الأرض. إن الكائنات من حولنا، يذهب رونقها يوما بعد يوم، ويختل نظامها بفعل الهوس الاستهلاكي. وإن غاية الخبراء المختصين بالموضوع، وهدف أهل العلم والفكر في العالم، هو حمل كل من يعيش على ظهر الأرض على الوعي بخطورة الوضع، وبضرورة ضبط التصرف البشري للحد من تدمير العناصر الحيوية في البيئة. وبالرغم من الجهود الكبيرة المبذولة في جميع دول العالم رسميا وأهليا (المجتمع المدني)، فإن المعضلة لا تزال قائمة. ومعنى هذا أن منهج معالجة المعضلة غير ناجع، أو ناقص في أحسن الأحوال.

غاية ما تقوم عليه ثقافة البيئة في العالم المعاصر التخويف من آثار خراب عناصر البيئة المختلفة، والتحذير من الخلل المحتمل في الحياة المادية والصحية والنفسية للإنسان، حتى غدا الكلام حول البيئة تخويفا وتهديدا، وانحصرت التربية البيئية في التعريف بالمخاطر وتوقع المفاسد، ووضع القوانين الزجرية. فكانت المعالجة قاصرة عن إحداث وعي حقيقي واستشعار باعث على المحافظة على البيئة، ذلك أنّه يفتقد للنظرة الشاملة ودور الإنسان فيها، إذ الإنسان سببها وفعله وسلوكه عليه مدارها صعودا ونكوصا، فتصرفه اليومي في العيش والاستهلاك مبعثها. وعنايته أو إهماله لجملة مكوناته (جسد وروح، فكر وسلوك، عقل وقلب) أساس نجاحها أو فشلها، لهذا لابد من تحرير ثقافة بيئية، ونشر ثقافة البيئة بالمعنى الواسع الذي يشمل الفكر والسلوك.

ونقصد بثقافة البيئة، بإيجاز جامع "النظر الواعي إلى البيئة بنظر التقدير والاحترام، واستحضار قيمتها في الحياة، والتعلق المعنوي والوجداني بها ومحبتها، والعمل على صيانتها وحفظ توازنها، واحترام كل القوانين المتعلقة بها في العالم كله."

وإن حمل الإنسان على هذا النظر الواعي وهذا الفهم بقصد إصلاح سلوكه في البيئة ومعها، لا يكون إلا باستشعار أهمية الرؤية العقدية في تغيير نظرته للبيئة، وهذا محلّه قلبه وله تعلق مباشر بوجدانه، مع استيعاب المسألة بعقله وعلمه، ثم تأتي بعد ذلك القوانين الزجرية، والإجراءات التعزيرية.

ولقد أسهم الباحثون المسلمون في المسألة ببيان قضية البيئة في الفكر الإسلامي من مصادر الأحكام والفكر الإسلامي من القرآن الكريم والسنة النبوية ثم الاستئناس بأنظار علماء الإسلام من الفقهاء وغيرهم من خلال تتبع القواعد والأحكام التي لها تعلق باحترام البيئة وصيانتها.

والأستاذ بديع الزمان النورسي رحمه الله، من خلال مدرسته الفكرية، ومنهجه في العلم والتربية، أحد أعلام الفكر الإسلامي المعاصر الذين يظهر لي أن ثقافة البيئة في شمولها وعمقها حاضرة في رسائله، ولهذا حضرت في منهجه قضية ثقافة البيئة. سنحاول بهذا الصدد الكشف عن معالم الثقافة البيئية وموقعها من منهجه في العلم والتربية.

يمتاز النورسي بمنهج خاص في التعامل مع ثقافة البيئة، وإنْ لم يفصح عنه بصراحة، فهو مسلك مهم لحماية البيئة، فقد أورده في سياق مشروعه الإصلاحي الشامل، وصنّف ما ييسّر تحقيق هذا القصد، فوضع كليات فكرية، وقواعد منهجية، من لوازمها ضرورة امتلاك ثقافة البيئة. ولم يكتف بالتنظير فقط، بل دلّ على ذلك حاله وبيّنه بسلوكه اليومي رحمه الله في تعامله مع الكون من حوله، وما فيه من كائنات حية. فمن يطلع على بعض تصرفاته اليومية مع بعض مكونات الطبيعة، ومع الحيوان، والحشرات يعلم أنه يصدر في ذلك عن فكر شامل سديد، ونظر ثاقب رشيد يحمله على حماية البيئة ومحبتها بوصفها تجل من تجليات أسماء الله الحسنى، لهذا كانت وسيلة للتعلّق بخالقها، فيحفظ جمالها ويحذر من إفسادها والتأثير على توازنها.

إن من يقرأ رسائل النور التي أودع فيها النورسي خلاصة أفكاره، وزبدة منهجه، يجدها رسائل في بيان جمال الكون والطبيعة، تشدك إليها قلبا وقالبا وعقلا، من خلال تأملات دقيقة، وسياحات فكرية وروحية في الكون المخلوق، من أصغر جزئياته إلى أكبرها، من الذرات إلى المجرات، وما بين ذلك من عوالم الإنسان والحيوان والنبات والجماد، وحركاتها، وخصائصها وصورها، وتجليات الحسن والجمال في ذلك كله. إن النورسي رجل الحسن والجمال، يبحث عن الجمال والبهاء في كل أجزاء الكون، ينظر إليه باحترام وتقدير، لأنه يرى فيه تجليات جلال الله الخالق وآثار جماله سبحانه وتعالى. فلنستمع إليه في بعض هذه التأملات التي يحضر فيها معنى التقدير لجمال الطبيعة والكون، وكيف يتفاعل بقلبه وعقله مع الكائنات الجميلة.

قال الأستاذ: "كنت جالسا ذات يوم في الطابق العلوي من فندق شهر عقب إطلاق سراحنا من سجن 'دنيزلي' أتأمل فيما حولي من أشجار الحور والصفصاف الكثيرة في الحدائق الغناء والبساتين الجميلة، رأيتها جذلى بحركاتها الراقصة الجذابة تتمايل بجذوعها وأغصانها وتهتز أوراقها بأدنى لمسة من نسيم، فبدت أمامي بأبهى صورها وأحلاها وكأنها تسبح لله في حلقات ذكر وتهليل. مسّت هذه الحركات اللطيفة أوتار قلبي المحزون من فراق إخواني، وأنا مغموم لانفرادي وبقائي وحيدا، فخطر على البال فجأة موسما الخريف والشتاء وانتابتني غفلة إذ ستتناثر الأوراق وسيذهب الرواء والجمال، وبدأت أتألم على تلك الصور الجميلة، وأتحسر على سائر الأحياء التي تتجلى فيها تلك النشوة الفائقة تألما شديدا حتى اغرورقت عيناي واحتشدت على رأسي أحزان تدفقت من الزوال والفراق تملأ هذا الستار المزركش البهيج للكائنات"2 فانظر كيف تتحرك أوتار قلبه، وتنهال عينه عبرات من جمال الكون وتجدده وتبدله.

وقال في الكلمات: "كنت سارحا في رفقة غربتي أسرح مع الفكر، وأجول مع الخيال والتأمل فقادتني قدماي إلى سفح رابية مزدانة بالخضرة فرنت إليّ على استحياء من وسط هذا البساط الأخضر زهرة صفراء ساطعة النضرة وألوت جيدها إليّ تناغيني بود ومحبة، فأثارت مشاعري وأشواقي إلى زهرات مثلها التقيتها في ربوع بلدتي 'وان' وفي سائر المدن الأخرى التي كانت تحتضن غربتي مرة بعد أخرى فانهال هذا المعنى فجأة على قلبي".3 فها هو في حوار روحي وتواصل معنوي مع الزهرة تهتز لها مشاعره.

وذكر في سياق آخر: "لقد أحصيت ذات يوم عناقيد ساق نحيفة لعنب متسلق بغلظ إصبعين، تلك العناقيد التي هي معجزات الرحيم ذي الجمال، في بستان كرمه، فكانت مائة وخمسين عنقودا، وأحصيت حبات عنقود واحد منها فكانت مائة وعشرين حبة فتأملت وقلت: لو كانت الساق الهزيلة خزانة ماء معسل وكانت تعطي باستمرار لما كانت تكفي أمام لفح الحرارة ما ترضعه لمئات الحبات المملوءة من شراب سكر الرحمة، والحال أنها قد لا تنال إلا رطوبة ضئيلة، فليزم أن يكون القائم بهذا العمل قادرا على كل شيء فسبحان من تحيّر في صنعه العقول."4 فانظر هذا التقدير للمكونات، والإقرار الصادق لنفاستها ودقة صنعها، وما يلزم عن ذلك من الاعتراف بالصانع المنعم وشكره. ومن شكره النظر بالتقدير والاحترام لصنعته، والامتناع عن إفساد بهائها حياء من الصانع المنعم.

لقد كان للكائنات أثر بالغ في نفس النورسي، ففي كل صفحة من كتابه يرى قراؤه الكائنات ويحسون بجمالها ويستلذون بهاءها معه.

قال أستاذنا الدكتور فاروق حمادة: "لقد كان النورسي رحمه الله مرهف الإحساس، رقيق المشاعر، يقظ الفؤاد، نبيه الفكر، رأى الكون والطبيعة من حوله فتأمل فيها بهذا الإرهاف والنباهة. فعكس ذلك على قلبه أفكارا عميقة الغور بعيدة المدى إنه يرى كل شيء في هذا الوجود من حوله صغيرا وكبيرا فينظر إلى موضعه وغايته وهدف وجوده ويفجر منه الأحاسيس والأفكار وقد نثر ذلك في كتابه بما يضيق المقام عنه"، ثم يضيف قائلا:". إن القارئ ليشعر أن آيات الكتاب المسطور (القرآن الكريم) تفاعلت في كيانه مع آيات الكتاب المنظور (الكون)، فأبدع أروع الأفكار وأهم الرؤى والآثار، ومن تتبع ما كتب نجد أن أكثر ما أثر فيه منظر الربيع بما يضمه ويبتدئ فيه من حياة، ومنظر الخريف، وكيف يتغير فيه وجه الأرض ويستعد للموت، لذلك أكثر جدا من وصف هذا المنظر المؤثر البليغ علما بأنه تأمل في صغير المخلوقات وكبيرها من الأرض والسماء انتهاء إلى صغيرها كالأرضة والبعوضة والنحلة والذباب، وتأمل في النافع والضار وبين حكمة هذه الأضداد في مخلوقات الله وضرورتها وفائدتها."5

ويزيد الأمر بهاء وقدسية، وجمالا وعظمة عندما يربط جمال الكون والطبيعة بجمال الله وجلاله تعالى فيترآى الكون كله وكأنه مسجد تسبيح وتهليل للخالق العظيم جل جلاله.

وتجده في تأمل عميق لعالم الكائنات الحية وما فيه من نظام وحكمة، فينظر إليه نظر الاحترام لما فيه من الحكمة وغاية حفظ التوازن البيئي. فقد تأثر لمنظر إذاية الناس للذباب بقتله. فقال: "عندما يقترب زمن تسريح الذباب من مهمة الحياة وذلك في موسم الخريف، يستعمل بعض من يقصد نفعه بالذات دواءً لمكافحة الذباب ليحولوا دون أن يمسهم شيء من الإزعاج، فمسّ ذلك رقة قلبي وأثّر فيّ كثيراً. علماً أن الذباب قد تكاثر أكثر من قبل على الرغم من استعمال الدواء القاتل. وكان في غرفتي في السجن حبل لنشر الملابس لأجل تنشيفها، فكانت تلك الطويرات الصغيرة جداً تتراصف على ذلك الحبل مساءً تراصفاً جميلاً منتظماً. فقلت لرشدي (وهو أحد تلاميذه): لا تتعرض لهذه الطويرات الصغيرة، انشر الملابس في مكان آخر."6

فانظر إلى هذا المقام السامي في التربية ورقة القلب والشفقة على الحشرات، فتستنكف نفسه عن إزعاجها وهي متراصة على الحبل الذي ينشر فيه ملابسه وهو في ضيق السجن وغربة الأسر.

ووجه ذلك أنه يرى فيها وجها للجمال هو جلال الخالق العظيم وحكمته. وذلك معنى قوله:

"إن هذه الطائفة من الذباب التي تنظّف وجهها وعينيها وجناحيها كل حين، وكأنها تتوضأ، تشكّل موضوعاً مهماً للآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾.الحج:73 بمعنى أنّ الأسباب وما يدّعيه أهل الضلالة من ألوهية من دون الله لو اجتمعت على خلق ذبابة واحدة لعجزت. أي إنّ خلق الذباب معجزة ربانية وآية تكوينية عظيمة، بحيث لو اجتمعت الأسباب كلها لما خلقت مثل تلك الآية الربانية ولا استطاعت أن تعارضها ولا تقليدها قطعاً. فتلك المعجزة قهرت نمرود، ودافعت عن حكمة خلقها دفاعاً فاق ألف اعتراض."7

ونظر إلى النمل على أنه موظف صحي يؤدي مهمة سامية فقال: "وكذا النمل موظف بجمع شتات القطع الصغيرة للنعم الإلهية وصيانتها من التلف والامتهان لئلا تداس تحت الأقدام، فضلاً عن جمعه جثث الحيوانات الصغيرة وكأنه موظف صحي."8

وقال أيضا: "وكذا النحل... تطعمك العسل الذي هو ألذّ غذاء وألطفه، وهي الملهمة بالوحي الإلهي كما نص عليه القرآن الكريم. فعليك أن توليها حبّك. إنّ العداء للذباب (الذباب هنا بمعنى كل ما له جناح) لا معنى له، بل هو ظلم وإجحاف بحق تلك الحيوانات التي تعاون الإنسان وتسعى لصداقته وتتحمل أذاه. وإنما يجوز مكافحة المضرة منها فحسب، وذلك دفعاً لأضرارها، كدفع ضرر الذئاب عن الأغنام."9 بل اعتبر الذباب أستاذا له يتعلم منه الجد والعمل فقال: "اني رأيت نفسي مغرورة بمحاسنها. فقلتُ: لا تملكين شيئاً!. فقالت: فاذاً لا اهتم بما ليس لي من البدن.. فقلت: لابد ان لا تكوني اقل من الذباب.. فان شئتِ شاهداً فانظري الى هذا الذباب، كيفَ ينظِّفُ جناحَيهِ برجليهِ ويمسحُ عينيه ورأسه بيديه! سبحان من ألهَمَه هذا، وصيّره استاذاً لي وأفحمَ به نفسي!"10

... وهكذا يتبين أمام الأنظار مدى عظمة أمة الذباب الصغير هذا، ومدى عظمة وظائفها. وكأنها تقول بلسان الحال: لا تنظروا إلى صغر أجسامنا بل إلى عِظَم وظائفنا. وقولوا: سبحان الله."11

فلا يشك من يقرأ هذا أن هذه نفس عالية، وعقل سام، ولا شكّ أنّه يصدر في ذلك عن فكر خاص وينظر بنظر خاص. أي إنّ له ثقافة أو فلسفة خاصة ينظر من خلالها إلى الكون والحياة، هي التي يتأثر لها قلبه، وتوجه سلوكه على هذا المنهج الخاص في النظر إلى الكون نظر التقدير والاحترام، والسعي إلى حفظ توازنه واحترام نظامه. استمع إليه مرة أخرى وهو يداعب بنظره وقلبه أنواع الذباب الطائرة، فيرى فيها الحكمة والقصد إلى التوازن فيقول: "إن طائفة صغيرة جداً من الذباب تُخلق على هيئة كتلة سوداء، على أغصان اللوز والمشمش، في أواخر الربيع، وتبقى ملتصقة بالغصن، وتسيل منها بدلاً من الفضلات، قطرات شبيهة بالعسل فتتجمع حولها أنواع الذباب الأخرى وتمصها. وطائفة أخرى من الذباب تستخدم في تلقيح بعض أزاهير النباتات والأشجار المثمرة، كالتين. وطائفة أخرى للذباب، هي اليراع، المتلمعة ليلاً، وهي أعجوبة تلفت الأنظار وتدعو إلى التدبر والتأمل، كما أن قسماً منها تتلمع لمعان الذهب." ويذكر في السياق نفسه التنبيه إلى غيرها من الحشرات؛ فقال: "ولا ينبغي أن ننسى البعوض والزنابير المجندات الحاملات للرماح. فلو لم تكن زمام هذه الذبان بيد الخالق الرحيم، وأغارت على الأحياء والإنسان لأفنت نوع الإنسان كما قتلت نمرود، ولفسّرت لنا المعنى الاشاري للآية الكريمة ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَ يَسْتَنْقِذُوهُ﴾ ولهذا فإن جنس الذباب الذي يضم مائة من الطوائف المالكة للمزايا والخواص المذكورة، لها أهميتها التي أهّلتها لتكون موضوع الآية الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ﴾.الحج:73

فما هي هذه الفلسفة التي يصدر عنها وما هو هذا المنهج في التفكير الذي منحه هذا السمو في احترام جميع الكائنات؟ والإفصاح عن هذه الثقافة البيئية في أرقى مظاهرها؟ ذلك ما أحاول كشفه هنا. ويمكن جمع هذه النظرة في ثلاثة معالم رئيسية يمكن اعتبارها أصول ثقافة البيئة في الفكر الإسلامي من خلال منهج النورسي.

1 - الخلق والطبيعة كتاب منظور وشريعة كونية صفتها الطهر والجمال وسمتها الإتقان والإحسان.

2 - منهج تجليات أسماء الله الحسنى وما يقتضيه من ثقافة البيئة.

3 - نظرية الجمال عند النورسي وما تقتضيه من ثقافة البيئة.

الخلق والطبيعة كتاب منظور وشريعة كونية صفتها الطهر والجمال وسمتها الإتقان والإحسان:

أول معالم الثقافة البيئية من خلال منهج النورسي هو اعتبار الكون والطبيعة معرضا للجلال وموطنا للبهاء، يدل بنظامه على جلال الخالق العظيم تبارك وتعالى، وعلى قصده التعريف بجماله وجلاله. فمن يقرأ رسائل النور يشعر أنه في سياحة في أنحاء هذا العالم المخلوق بأجزائه العلوية والسفلية، والنورسي في ذلك يقتبس من منهج القرآن الكريم ويتشرب معانيه ومقاصده في النظر الصحيح الواعي إلى الخلق والطبيعة، وقراءة صور الجمال والبهاء المبثوثة فيهما ليرى في ذلك كله معرضا لتجليات التوحيد ودلائل الربوبية. وخلاصة هذا النظر -كما عبر أبو حامد الغزالي- فيما نقله عنه المناوي في "فيض القدير" في شرح حديث (إن الله جميل يحب الجمال): "فالعالم جمال الله وهو الجميل المحب للجمال. فمن أحب العالم بهذا النظر فما أحب إلا جمال الله، إذ جمال الصنعة لا يضاف إليها بل إلى صانعها"12 وأصل ذلك في القرآن الكريم آيات كثيرة فيها وصف للكون المخلوق والامتنان به وبجماله على الخلق. وكلها تعريف بأصل هذا الجمال ومنبع هذا الإتقان، يقول الله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْن وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾.إبراهيم:32-34

وفي الحث على التعلق بأجزاء الكون من حيث هو طريق سالك إلى معرفة الخالق قال عز من قائل: "﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾.الملك:5 وقال تبارك وتعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾.ق:6-11

فالكون مخلوق طاهر مزين أودع فيه الخالق آيات الحسن والبهاء ليعرف بجلاله وجماله. يقول رحمه الله: "فالطُهر والنقاء والصفاء والبهاء المشاهَد في قصر العالم البديع هذا ما هو إلا نابع من تنظيف حكيمٍ مستمر، ومن تطهير دقيق دائم.. فلولا هذه المراقبة المستديمة للنظافة، والعناية المستمرة بالطهر، لكانت تختنق على سطح الأرض -بأجوائها الموبوءة- مئاتُ الآلاف من الأحياء خلال سنة.. ولولا تلك المراقبة الدقيقة والعناية الفائقة في أرجاء الفضاء الزاخرة بالكواكب والنجوم والتوابع المعرّضة للموت والاندثار، لكانت أنقاضُها المتطايرة في الفضاء تحطم رؤوسَنا ورؤوس الأحياء الأخرى، بل رأس الدنيا! ولكانت تمطر علينا كتلاً هائلة بحجم الجبال، وتُرغمنا على الفرار من وطننا الدنيوي...

نعم، مثلما ينظف الطيرُ أجنحته بسهولة تامة أو يطهِّر الكاتب صحائف كتابه بيُسر كامل، فإن أجنحة هذه الأرض الطائرة -مع الطيور السماوية في الفضاء- وصحائف هذا الكتاب العظيم -أعني الكون- ينظَّفان ويطهَّران ويجمَّلان ويزيّنان بمثل تلك السهولة واليسر، بل إن تطهير سطح الأرض هذا وتنظيفه وتنسيقه وتزيينه هو من كمال الإتقان ما يجعل الذين لا يرون -بإيمانهم- جمال الآخرة يعشقون هذا الجمال وهذه النظافة لهذا العالم الدنيوي بل قد يعبدونه".13

لقد "كانت شدة التأثر للكون والطبيعة تريه يد القدرة الإلهية في كل شيء، وجمال الوجود يظهر له حكمة الخالق وجماله وجلاله في كل شيء، فجعل الكون والطبيعة شهب أدلة للملحدين وأنوار هداية للراغبين، فكان في هذا الباب مجددا فذا، وإماما متميزا رائدا يقود الظامئين لتحقيق العبودية بين يدي رب العالمين".14

إن الطهر والزينة التي يكتسيها الكون أخذت بعقل النورسي وشدت إليها قلبه، فكان لهجا بجمال الطبيعة من حوله، فيجول في أجزاء الكون ويخاطب عناصر الطبيعة من أكبرها إلى أصغرها، يرتشف من خلال ذلك كله جمال الخالق تبارك وتعالى. فتراه يتأمل في السماء جامعا بين الكون المنظور والكتاب المسطور فيقول: "فاستمع الآية الكريمة ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ﴾ق:6 ثم انظر إلى وجه السماء كيف ترى سكوتا في سكونة، حركة في حكمة، تلألؤا في حشمة، تبسما في زينة مع انتظام الخلقة، مع اتزان الصنعة، تشعشع سراجها، تهلل مصباحها، تلألؤ نجومها، تعلن لأهل النهى سلطنة بلا انتهاء"15 وتراه أيضا ينظر إلى البحار والأنهار.16

وينظر إلى ألوان الأطعمة وصنوف الفواكه وفي الزهيرات الجميلة المتفتحة وفي كل ما تقع عليه عينه ويصطحب معه القارئ في هذه السياحة الفكرية والروحية فيقول: "وانظر إلى مضايف الرحمن الرحيم الكريم المنصوبة على سفرة الأرض كلها. وانظر إلى ما في هذه الأطعمة غير المحدودة من روائح طيبة متنوعة، وألوان جميلة متباينة ومذاقات لذيذة مختلفة، ثم أنعم النظر في أجهزة كل ذي حياة كيف أنها تتلاءم مع أذواق حياته ولذائذها.. فشاهد الجمال الحلو الذي لا جمال فوقه جمال الإكرام، والكريمية الربانية... تلك الصور البديعة الحكيمة... وتأمل في الوجوه الملاح لأزاهير الربيع وهي في غاية الجاذبية المتفتحة من بذيرات متناهية في الصغر.. فشاهد الجمال المعجز، جمال الفتاحية والمصورية الإلهية".17

بل حتى صور الشر يرتشف منها اللذة والجمال، لأنه وطن نفسه على أن الكون المخلوق سمته الجمال والطهر لأنه من خلق الجميل القدوس وذلك من أسرار قوله تعالى: ﴿الذي أحْسَنَ كُلَّ شيء خَلَقَهُ﴾السجدة:8 فيقول: "نعم، إنَّ كل شيء في الوجود، بل حتى ما يبدو أنه أقبح شيء، فيه جهة حُسنٍ حقيقية، فما من شيء في الكون، وما من حادث يقع فيه إلاّ وهو جميل بذاته، أو جميل بغيره، أي جميل بنتائجه التي يفضي إليها.. فهناك من الحوادث التي يبدو في ظاهر أمرها قبيحاً مضطرباً ومشوشاً، إلاّ أنَّ تحت ذلك الستار الظاهري أنواعاً من جمال رائق، وأنماطاً من نظم دقيقة. فتحتَ حجاب الطين والغبار والعواصف والأمطار الغزيرة في الربيع تختبئ ابتسامات الأزهار الزاهية بروعتها، وتحتجب رشاقة النباتات الهيفاء الساحرة الجميلة.. وفي ثنايا العواصف الخريفية المدمرة المكتسحة للأشجار والنباتات، والهازة للأوراق الخضراء من فوق الأفنان، حاملةً نذر البين، وعازفةً لحن الشجن والموت والاندثار، هناك بشارة الانطلاق من أسر العمل لملايين الحشرات الرقيقة الضعيفة التي تتفتح للحياة في أوان تفتح الأزهار، فتحافظ عليها من قَرّ الشتاء وضغوط طقسه، فضلاً عن أن أنواء الشتاء القاسية الحزينة تهيئ الأرض استعداداً لمقدم الربيع بمواكبه الجميلة الرائعة.

نعم! إن هناك تفتحاً لأزهار معنوية كثيرة تختبئ تحت ستار عصف العواصف إذا عصفت وزلزلة الأرض إذا تزلزلت، وانتشار الأمراض والأوبئة إذا انتشرت."18

ومن استحضر -كما فعل النورسي- أن الله تعالى خلق الكون طاهرا مزينا، استحيى أن ينجس ما طهر الله تعالى. ومن عرف أن الطبيعة والبيئة شريعة كونية، احترم هذه الشريعة في أحكامها، فلا يغيرها بالتقبيح والإفساد، لأنها فعل الخالق الجليل الجميل، ولأنها هدية أنيسة من هدايا رحمته الواسعة. لأن تغيير بهائها احتقار لهدية المنعم تبارك وتعالى. ومن نظر إلى الطبيعة على أنها هدية جميلة مزينة من الله تعالى هو الذي أبدعها ومنحها بهجتها، لا يسمح بحال لنفسه تغيير خلق الله وإفساد جماله وتدنيس بهجته!! وقد حذر الله تعالى من ذلك فقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾الروم:41 فحذر الله تعالى الناس من فساد البيئة من حولهم، وأن ذلك إنما هو بفعل الإنسان. ومن لوازم ذلك أيضا أن الكون والطبيعة نعمة من الله، والنعمة تقتضي الشكر، وشكر النعمة بحسن استعمالها ورعايتها. ومن شكر نعمة البيئة رعايتها وصيانة جمالها. فمن أفسد البيئة فقد كفر نعمة الله تعالى عليه.

وكل هذا من مقتضيات العقيدة الإسلامية. فمن آمن بقلبه توجه إلى البيئة من حوله بالتقدير والحفظ والصيانة، لأنه يرى فيها معرضا لمعرفة ربه تعالى ومعرفة جلاله وجماله ووحدانيته وأسمائه وصفاته، ويرى فيها هدية إلهية ومنحة من ربه له فينظر إليها بعين التقدير والاحترام، ويستحيي أن يفسد ما جمل الله ويحذر أن يدنس ما طهر الله وزينه.

فهذا سر هذا التقدير العظيم من قبل النورسي للكون وللطبيعة. فالكون كتاب مخلوق تتلى فيه آيات التوحيد وتقرأ فيه علامات الجلال الإلهي وتعرض فيه أمارات الكمال الرباني. فأحبه لأنه يعرفه بربه ويدله على جلاله وجماله.

منهج تجليات أسماء الله الحسنى وما يقتضيه من ثقافة البيئة:

مما تميز به النورسي في منهج معرفة الله تعالى وصفاته وإحصاء أسمائه، التعرف إلى أسماء الله تعالى الحسنى من خلال تجلياتها في الكون وتتبع آثارها في الموجودات. فالكون معرض لتجليات أسماء الله الحسنى. يقول رحمه الله: "إن الجمال الذي هو في منتهى الكمال لابد أن يَشهَد ويُشهِدَ جمالَه. وإن الكمال الذي هو في منتهى الجمال لابد أن يَشهَد ويُشهِد كمالَه. فبناء على هذا الدستور العام فإن البارئ المصور سبحانه الذي أبدع كتاب الكون العظيم هذا، يعرِّف جمالَ كمالِه ويحبّبه بألسنةِ مخلوقاته -ابتداءً من أصغر جزئي إلى أكبر كلي- فيعرِّف سبحانه ذاتَه المقدسَّة، ويفهم كمالَه السامي، ويُظهر جمالَه البديع، بهذا الكون الرائع، وبكل صحيفة فيه، وبكل سطر فيه، وبكل كلمة فيه، بل حتى بكل حرف وبكل نقطة من كتابه العظيم هذا."19 فالنظام والانتظام في الكون والزينة والحسن في العالم، والدقة في الخلق والميزان في التدبير ما هي إلا ظلال لتجليات معاني الأسماء الحسنى. وإن كل فرد من الكائنات المخلوقة قد ناله نصيب من هذا الجمال وتجلى عليه حظه من ذلك البهاء. هذا ما ارتشفه النورسي من المعاني وهو يتأمل بعقله وقلبه في الكون فيقول: "تعال تأمل في هذا الجمال الزاهي، والحسن الباهر ضمن هذا الانتظام والنظافة والميزان، بحيث جعل هذا الكون العظيم على صورة مهرجان في منتهى الجمال والبهجة، وعلى صورة معرض بديع في منتهى الزينة والروعة، وعلى صورة ربيع زاه تفتحت أزاهيره توا... نعم، إن كل نوع من أنواع الكائنات، بل حتى كل فرد من أفرادها قد نال حسب قابليته حظاً من جمال الأسماء الإلهية الحسنى التي لا منتهى لجمالها."20 ولقد تتبع النورسي بتفصيل تجليات كل اسم من الأسماء فكانت رسائل النور بحق موسوعة في شرح أسماء الله الحسنى بمنهج التجلي وممارسة التفاعل العقلي والروحي مع الكون.

ففي بيان تجلي اسم القدوس يقول رحمه الله "فقصر العالم الباذخ هذا، ومعمل الكون الهائل هذا، قد حَظَيا بتجلٍ من تجليات اسم الله 'القدوس' عليهما، حتى انه عندما تصدر الأوامر الإلهية المقدسة الخاصة بالتطهير والتنظيف لا تصدر للحيوانات البحرية الكبيرة المفترسة، المؤدية وظيفة التنظيف والصقور البرية الجارحة وحدها، بل يستمع لها أيضاً أنواع الديدان والنمل التي تجمع الجنائز وتقوم بمهمة موظفي الصحة العامة الراعين لها في هذا العالم، بل تستمع لهذه الأوامر التنظيفية حتى الكريات الحمراء والبيضاء الجارية في الدم فتقوم بمهمة التنظيف والتنقية في حجيرات البدن كما يقوم التنفس بتصفية الدم، بل حتى الأجفان الرقيقة تستمع لها فتطهر العين باستمرار، بل حتى الذباب يستمع لها فيقوم بتنظيف أجنحته دائماً.. ومثلما يستمع كل ما ذكرناه لتلك الأوامر القدسية بالتنظيف، تستمع لها أيضاً الرياح الهوج والسحاب الثقال، فتلك تطهِّر وجهَ الأرض من النفايات، والأخرى ترشّ روضَتها بالماء الطاهر فتسكّن الغبار والتراب، ثم تنسحب بسرعة ونظام حاملة أدواتها ليعود الجمالُ الساطع إلى وجه السماء صافياً متلألئاً... وهكذا فان فعلَ التطهير هذا الذي هو فعلٌ واحد، ويعبِّر عن حقيقة واحدة هو تجلٍّ أعظم من تجليات اسم 'القدوس' الأعظم."21 فكل مظاهر التطهير في الكون تجليات لاسم الله القدوس. وهذا الاسم "جعل موجودات الكائنات نظيفة طاهرة، صافية زكية، مزينة وجميلة".22

ومن اسم الله تعالى المحيي واسمه المميت يتجلى التجدد والتنوع في الكون، وتقلب أجواء البيئة بين موسمي الخريف والربيع. ففي كل حين تشهد الأرض موكب انتقال ورحيل لمن أنهوا مهامهم من المخلوقات، وفي الحين نفسه موسم كبير لمواليد جديدة تتسلم مهامها.23

ولنظرية التجلي هذه فائدة في التربية على ثقافة البيئة وهي أن من يستحضر هذه المعاني ينظر بعين التحسين والتقدير لكل ما خلق الله، لأنه مرايا جماله، فلا يستجيز لنفسه أبدا أن يدنس ما جمل الله أو يقبح ما حسنه، فيعظم الحرمات، ومنها حرمة الإنسان لأنه يرى فيه تجليات جمال أسماء الله تعالى "الخالق" "البارئ" "الرزاق" "المصور" المحيي" "المميت". ولا يمكن لمن ينظر بمنظار تجليات أسماء الله الحسنى، أن يفسد جمال شجر أو نبات أو ماء لأنه يرى فيه فعل التحسين والتجميل من الخالق العظيم الجميل. ولهذا فإن منهج استحضار تجليات الأسماء الحسنى أصل عظيم لحماية البيئة، فمن يتخذ الكون مذكرا بجمال الله وعاكسا لجلاله وبهائه لا يحتمل أن يرى فيه قبحا. ولهذا الوجه جعل الرسول حماية البيئة وحفظ جمالها من شعب الإيمان في قوله: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان."24

نظرية الجمال عند النورسي وما تقتضيه من ثقافة البيئة:

خلاصة نظرية الجمال عند النورسي25 أن الإنسان يطلب الجمال. وجمال الدنيا منقوص غير كامل، تلتبس به المشقة. وإنما الجمال الكامل والسعادة الحقة في دار الخلد حيث النظر إلى وجه الله تعالى الجليل الجميل، فلا يحصل للإنسان الارتواء في الدنيا. ولهذا نصب الخالق العظيم في الكون علامات تدل على جماله وتذكر به، وتجعل الإنسان يتشوف إلى نعيم الآخرة ولذة الجنة. ومنح الله تعالى الإنسان الجوارح والحواس ليبقى على تواصل مع العالم من حوله يرى فيه ويلمس ويذوق قبسا يسيرا من اللذة والجمال يدله على غيره ويذكره بجلال الله وجماله، فيبقى مدة حياته متشوفا إلى النعيم الغامر والجمال الكامل بدخول الجنة والنظر إلى وجه الله تعالى الجليل الجميل.

تبدأ رحلة الإنسان في البحث عن كمال الجمال من الحياة الدنيا ثم يرتقي في منازله ويتقلب في ظلاله عبر لمحات سريعة من غير توقف ولا ارتواء، وإنما للتشوف والتذكير، لأن الرحلة منطلقة إلى مشهد خالد دائم. يقول رحمه الله وهو يصف هذه الرحلة في طلب الجمال الخالد: "ونحن نشاهد رحلة كل شخص واختفاءه بسرعة في دار ضيافة الدنيا هذه، دون أن يستمتع بإحسان ذلك السخاء إلا نزراً يسيراً بما يفتح شهيته فقط، ودون أن يرى من نور ذلك الجمال والكمال إلاّ لمحة خاطفة. إذن الرحلة منطلقة نحو متنزهات خالدة ومَشاهدَ أبدية."26

ومعنى هذا أن الكون والطبيعة معرض لقبسات من جمال الله الذي بثه في الكون للتذكير بالجمال الخالد. فجمال الطبيعة إذن وسيلة للتذكير بالجمال الخالد الكامل. ومن اعتقد أن جمال الكون وسيلة للتذكير بالجمال الخالد توجه إليه بالتقدير والاحترام لأنه يرى فيه معرضا وإعلانات عن جمال الله وجلاله تعالى. وبهذا فنظرية الجمال هذه أصل لترسيخ ثقافة البيئة وحفظها وصيانتها.

إن نظرية الجمال كما وضعها النورسي، تؤسس منهجا عقديا وتربويا في النظر إلى البيئة والتعلق بها والتواصل معها على أنها معرض للمخلوقات تشع بأنوار الأسماء الحسنى، وتعرف بأصل الجمال وتدل على كماله، وتذكر بالجمال الخالد عند لقاء الجليل الجميل.

من خلال هذه المعالم يشدك النورسي إلى جمال الكون والطبيعة في تفاعل فكري وروحي، يرسخ به قواعد عقدية وتربوية وسلوكية في التعامل مع البيئة. وهي قواعد يشهد لها القرآن الكريم، ويؤيدها النظر السليم. ومن تشرب هذه العقيدة لم يستجز لنفسه إفساد بيئة أو تدمير نعمة من الكون. وهذا وجه من وجوه الإبداع والتفرد عند النورسي رحمه الله. وعن هذا المعنى في الإبداع ووجهه وسببه يقول الدكتور فاروق حمادة عنه: "إن ظروف وحدته في سجونه وتنقلاته، فتحت على الكون عين بصره وبصيرته، فأصبح يرى ما لا يراه المغمورون في خضم الحياة. وبحكم ما تكنه حناياه ومشاعره من آي القرآن، تولد لديه إحساس مرهف بهذا الكون من حوله ففجر طاقات عظيمة جدا، واقتبس نزرا من النماذج الكثيرة الوفيرة التي تبين لنا مدى تأثيره وتفاعله بهذا من حوله... إن الإمام النورسي قد فتح الله عليه بأفكار جديدة ورؤى سديدة لا يجدها الباحث عند سواه، ولم يسبقه إليها أحد ممن نحا منحاه".27

* * *

المصادر والمراجع:

- "كليات رسائل النور" لبديع الزمان سعيد النورسي. ترجمة احسان قاسم الصالحي. شركة سوزلر للنشر. ط3. 2003 م.

- ندوة "جهود بديع الزمان النورسي في تجديد الفكر الإسلامي في القرن الرابع عشر للهجرة" بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، مارس 1999م.

- "إشراقات نورية من الديار المغربية" للدكتور عبد الكريم عكيوي.ط1. 1436هـ-2015م. منشورات جمعية المركز المغربي للثقافة والتنمية والتعاون بتنسيق مع مركز استانبول للثقافة والعلوم. مطبعة النجاح الجديدة.

- ندوة "الجمالية في الفكر الإسلامي المعاصر: النورسي نموذجا" جامعة ابن زهر كلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير. أبريل 2005 م.

* * *

الهوامش:

1 كلية الشريعة، جامعة ابن زهر بأكادير/المغرب.

2 الكلمات، ص: 26.

3 الكلمات، ص: 822.

4 الكلمات، ص: 337.

5 "الكون والطبيعة في فكر الإمام النورسي"، الدكتور فاروق حمادة ندوة "جهود بديع الزمان النورسي في تجديد الفكر الإسلامي"، 17-18 مارس 1999م. كلية الآداب بالرباط.

6 اللمعات، ص: 410.

7 اللمعات، ص: 411.

8 نفسه، ص: 412.

9 اللمعات، ص: 413.

10 المثنوي العربي النوري، ص: 168.

11 نفسه، ص: 414.

12 "إشراقات نورية من الديار المغربية" للدكتور عبد الكريم عكيوي ص 115.

13 اللمعات، ص: 518.

14 "الكون والطبيعة في فكر الإمام النورسي" للدكتور فاروق حمادة. ندوة "جهود بديع الزمان النورسي في تجديد الفكر الإسلامي.

15 المكتوبات، ص: 719.

16 ينظر الشعاعات، ص: 150.

17 الشعاعات، ص: 90-91.

18 الكلمات، ص: 249-250.

19 اللمعات، ص: 530.

20 الشعاعات، ص: 36.

21 اللمعات، ص: 518 - 519.

22 اللمعات، ص: 591 - 592.

23 ينظر "نحو نظرية إسلامية للجمال من خلال رسائل النور"، للدكتور عبد الكريم عكيوي. "ندوة الجمالية في الفكر الإسلامي المعاصر: النورسي نموذجا"، ص: 62.

24 ينظر: "إشراقات نورية من الديار المغربية"، للدكتور عبد الكريم عكيوي، ص: 27.

25 ينظر في تفصيل هذه النظرية "إشراقات نورية من الديار المغربية"، ص: 99 127.

26 الكلمات، ص: 72.

27 "الكون والطبيعة في فكر الإمام النورسي". ندوة جهود بديع الزمان النورسي في تجديد الفكر الإسلامي في القرن الرابع عشر للهجرة، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، مارس 1999م.


 

أرشيف ملف العدد

16 - العمل الإيجابي 2
. دور الفعل الايجابي في توجيه قانون التضاد لبناء عالم أفضل
. الجهاد الفكري وعلاقته بالعمل الإيجابي في رسائل النور
. الأبعاد الإيجابية لمفهوم الجهاد في ضوء رسائل النور
. غياب العمل الإيجابي أو تغييبه في حياة المسلمين المعاصرة
15 - الإيجابية والعمل الإيجابي في رسائل النور
. الأسس الشرعية لمنهج العمل الإيجابي البناء
. مصطلح الإيجابية في رسائل النور
. الإيجابية في مقاصد العبادات ودورها في بناء عالم أفضل...
. التوجيه الإيجابي للأحاديث النبوية في رسائل النور
. النظرة الإيجابية وأهميتها في تحصين الدعوة عند الأستاذ النورسي
14 - بعض قضايا الفكر الإسلامي في رسائل النور
. العمل بإيجابية الأسس والعوائق -دراسة في رسائل النور-
. الحداثة البديل عند بديع الزمان النورسي
. ثقافة البيئة في الفكر الإسلامي من خلال مدرسة بديع الزمان النورسي
. موقـف رسائل النـور من منهـج الفلاسـفة واللاهـوتيين والمتصـوفة في بحـث مسألة النبـوة
. العدالة بين حكمة القرآن وفلسفة الإنسان قراءة في التجربة الذوقية للحكيم النورسي
13 - الإنسان في رسائل النور وجودا، ومهمة، وغاية
. دور رسائل النور في استعادة صياغة القرآن للإنسان
. الإنسان في رسائل النور وجودا، ومهمة، وغاية
. مؤلّفات بديع الزمان أنموذجاً لتقديم الإسلام إلى الغرب
. نظام التربية في رسائل النور
. منهج وطريقة رسائل النور وغايتها
12 - مفاهيم وردت العناية بها في رسائل النور
. تحرير الحرية في رسائل النور
. مصطلح الإيمان في رسائل النور - دراسة مفاهيمية
. مفهوم البلاغة عند بديع الزمان سعيد النورسيّ
. الوحدة وتدبير الخلاف عند بديع الزمان سعيد النورسي
11 - وقفات مع بعض عناصر القوة المعنوية
. التزكية وتدبير الخلاف وأثرهما في وحدة الأمة عند سعيد النورسي
. العناصر الفكرية والفنية والنفسية في منهج الأستاذ النورسي في التفسير
. العمل الإيجابي ومنزلته في دعوة النور
. مقومات المجتمع الإنساني الآمن من منظور رسائل النور
. إحياء الأخلاق في الممارسة السلوكية عند النورسي
. مناهج التبليغ عند ورثة النبوة من منظور رسائل النور
10 - عنوان الملف: الأخلاق والوراثة
. المجاهدة والتوريث عند النورسي
. أواصر العناصر الكونية من منظور الأستاذ النورسي
. قاعـدة "الفنـاء في الإخـوان" في فكر بديـع الزمـان
9 - المقاصد في رسائل النور
. أساسيات منهج الفكر المقاصدي عند النورسي
. المقاصد القرآنية في فكر النورسي
. مقاصد القرآن من خلال رسائل النور
8 - أسرار العبرة والتعبير في رسائل النور
. منهج النورسى في شرح أسماء الله الحسنى
. نحو رؤية جديدة للدلالة النفسية لأسلوب التكرار في القرآن الكريم
. التاريخ عند بديع الزمان سعيد النورسي دراسة في التمثل والتفسير
. قواعد في تفسير القرآن عند النورسي من خلال إشارات الإعجاز
7 - النورسي والتصوف
. النورسى ورؤيته للتصوف المعاصر
. نظرات في الأدب الصوفي عند النورسي
. بديع الزمان سعيد النورسي والتصوف
. أهمية روحانية النورسي المتبصرة في عالم مادي متأزم
6 - دعوة رسائل النور
. دعوة رسائل النور: هل هي حركة؟ أم جمعية؟ أو جماعة؟
. المنهج العوفي وإعلاء كلمة الله عند بديع الزمان
. التبليغ والارشاد في رسائل النور
. العمل الإيجابي القاعدة الثابتة لعمر مديد
. المرأة الإصلاحية في فكر الشيخ النورسي
5 - الرؤية الحضارية في رسائل النور
. من الأسس الفكرية والحضارية في رسائل النور
. البعد العقدي لبنية الإنسان في فكر النورسي

النور للدراسات الحضارية والفكرية
 المركز الرئيسي:  

Kalendarhane Mah. Delikanli Sk. No: 6
Vefa 34134 Fatih - Istanbul / TURKIYE
 Phone: +90 212 527 81 81 - Fax: +90 212 527 80 80