الحداثة البديل عند بديع الزمان النورسي
الحداثة البديل عند بديع الزمان ا

الحداثة البديل عند بديع الزمان النورسي

Bediuzzaman's Views on an Alternative Modernity

A B S T R A C T

Hamid Samir

By exploring The Risale-i Nur, it becomes apparent that many topics address issues of the West - such as Western modernity, Western Islamic dialogue, the relation between the Islamic World and Western civility. The issues of the adoption and borrowing from others (i.e. the West) based on their modern approach to civil "progress", in addition to other issues which come up in the context of Islamic civil dialogue and Western modernity, are distributed (in brief segments) extensively throughout the Risale-i Nur. The commentary delves into such issues (previously tackled in a limited and general manner) with a high degree of detail and comprehensibility.

In this paper, the author focuses on Nursi's extensive approach in addressing the Western issues, namely the modern Western model and its relation to the Islamic world in terms of dialogue, exemplariness, and its construction.

As a result, adoption and borrowing from the other (the West) had to be reviewed based on reform, which distinguishes between the benefit of aims and effectiveness of methods. It also scrutinizes the reality of cultural and social identity and the variables pertaining to changes of time and place. Even in the case of borrowing from the West's culture and civilization; only the technologies perceived as useful as well as the modern sciences should be considered. This is because while the West enjoys a civilization, the East still arguably boasts a comprehensive and prospering Islamic civilization, historically surpassing that of the West (since it stems from the Quran and remains directed by it).

Nonetheless, modernity and civility shall not be refused altogether as many historians and scholars might think. On the contrary, it is simply a case of avoiding the importation of modernity with all its philosophical and historical baggage. Such an import of modernity ought to be refuted by sound thinkers, who do not fall for the appealing traits and deceiving looks of modernity without exploring its essence.

Nursi warns of the blind imitation of Western culture without reform or discrimination, indicating that Western culture - which is often described as a culture of mind, modernity and technology - is not absolute good. Nor is it the ideal model for others to follow as an example without thorough examination, for it stands as a deficient and unjust civilization, a model which requires criticism, reform, review and adjustment. This must be done in order to present a model supported by morals and as an example to be followed. Western civilization ignores human beings, without whom no modernity nor civilization can be built. On the other hand, it focuses on the mind, whereas a mind with no ties to religion is the reason behind corruption of civilization, leading humanity to insolence, aberrance and misery.

* * *

ملخص البحث

حميد سمير1

يدرك الناظر في رسائل النور بداهة كثرة الموضوعات والقضايا التي تناولت المسألة الغربية، مثل قضية الحداثة الغربية والحوار الإسلامي الغربي؛ وعلاقة العالم الإسلامي بالمدنية الغربية؛ وقضية الأخذ والاقتباس من الآخر اعتمادا على نموذجه الحداثي لتحقيق النهضة الحضارية؛ وغيرها من القضايا التي ترد ضمن سياق الحوار الحضاري الإسلامي والحداثة الغربية، وتتوزع هذه القضايا عبر عدد من رسائل النور تكثيفا وتفصيلا إيجازا وإطنابا، فما كان مقتضبا ومجملا هناك أجابت عنه رسائل النور بشيء من التفصيل والبيان.

وقد تتبع المؤلف في هذه المقالة طرق التفصيل وكيفية علاج النورسي للمسألة الغربية ولقضية النموذج الحداثي الغربي وعلاقته بالعالم الإسلامي حوارا واقتداء وبناء.

ومن خلال ذلك كان لابد من مراجعة حركة الاتباع والأخذ عن الآخر (الغرب) مراجعة مبنية على التقويم الذي يميز بين النفع في المقاصد والنجاعة في الوسائل، وبين الثابت الملازم للهوية والمتغير التابع لتغيرات الزمان والمكان، وحتى إن كانت هناك استعارة من الغرب حضارته وثقافته؛ فلابد من استعارة ما هو في حاجة إليه وما يهم فقط من التقنيات والعلوم الحديثة لأنه كما للغرب حضارة فإن للشرق أيضا حضارة إسلامية مزدهرة ومتكاملة تفوق حضارة الغرب وتعلو عليها بكثير، لأنها موجهة من طرف القرآن ومبنية عليه.

يفهم من هذا الكلام أنه لا يجب رفض الحداثة والمدنية جملة وتفصيلا كما تسرب إلى أذهان كثير من المؤرخين والدارسين، وإنما يتم ذلك بناء على ماهو نابع من الذات بدل الحداثة المستوردة على شكل تطعيم، وتحمل في بنيتها آثار البيئة والفلسفة التي نشأت فيها، وهذا ما يجب أن يرفضه كل ذي عقل سليم، وكل عاقل لا يستهويه بريق المدنية ولا مظاهرها الخادعة دون النظر إلى بواطن الأشياء.

والنورسي يحذر من التقليد الأعمى للحضارة الغربية دون تقويم أو تمييز، وهو إشارة إلى أن الحضارة الغربية التي توصف بأنها حضارة عقل وحداثة وتقنية ليست خيرا مطلقا وليست نموذجا أمثل للاتباع والاقتداء من غير تمحيص، وإنما هي حضارة متأزمة ناقصة وظالمة يحتاج نموذجها إلى النقد والتصويب والمراجعة والإصلاح؛ وعندها يكون نموذجا مسددا ومؤيدا بالأخلاق قابلا للاقتداء. فمن حيث إنها: تهمل الإنسان؛ حيث لا حداثة بدون إنسان ولا حضارة بدونه، وتركز على العقل؛ بحيث إن العقل المنقطع عن الدين هو الذي كان سببا في فساد الحضارة وساق البشرية إلى السفاهة وأوردها مهالك الضلالة والتعاسة.

* * *

1- القضية والسياق

ليست هناك قضية شغلت العالم الإسلامي منذ القرن السابع عشر إلى اليوم أكثر مما شغلته المسألة الغربية التي تناولها الباحثون بأسماء مختلفة والمسمى واحد، فقد سميت عند البعض بقضية الحداثة أو التحديث أو التنوير، وسميت عند آخرين باسم المدنية أو التغريب أو الحضارة. إن هذه المفاهيم هي من المترادفات التي ينوب بعضها عن بعض عند الكثير للدلالة على الحداثة، بيد أني لا أرتضي مثل هذا التفسير الذي يجمع هذه المفاهيم كلها في حقل دلالي واحد. وعندي أن الفروق بينها دقيقة تحتاج إلى شيء من التوضيح، وكنت قد أشرت في دراسة لي سابقة أن الحداثة غير التحديث أو التنوير، وأنها ليست مرادفا للحضارة أو بديلا عنها، فقد تنشأ الحضارة أو المدنية من غير أن تحذو حذو الحداثة الغربية ذات المنزع الحسي المادي ووفق نموذجها الحضاري. "إن الغرب، كما لاحظ هنتجتون، ينزع إلى الخلط بين التحديث الذي يعني التصنيع والبنية المهنية المعقدة والزيادة في الثروات ومحو الأمية والتوسع في المدن، وبين التغريب أو الحداثة الغربية باعتبارها نموذجا للتحديث الغربي. ولكن التجارب بينت أن التحديث شيء غير الحداثة الغربية على الرغم من التقائهما في جذر لغوي واحد وانتمائهما إلى حقل دلالي مشترك. فكلمة التحديث (Modernisation) تدل على الفعل والحركة والاندفاع نحو تحقيق نموذج ما وصولا إلى حال أو وضع متطور عن نقطة المنطلق، كما تدل الكلمة على ذات فاعلة وعلى واقع يمارس فيه فعل الذات، وعلى حيز زمني يتحرك فيه الإنسان من الأدنى إلى الأعلى ومن القديم إلى الجديد."2

ولما للحداثة ولفعلها (أعني التحديث) من وظيفة ودور أساس في بناء الحضارات ونشأتها فقد قيست بهما مراتب التقدم والتخلف والاستمرار والسقوط الحضاري، فكلما كانت حركة الحداثة نشيطة إلا نشأت بسببها الحضارة والمدنية واقترنت بهما، وكلما ضعفت هذه الحركة كان ذلك سببا في الانحدار الحضاري وصولا إلى السقوط النهائي، حتى إن كثيرا من المؤرخين الأجانب قد أرجعوا سبب سقوط الخلافة العثمانية إلى تخلفها في مجال المدنية وتخلفها عن موكب الحداثة.3

ويؤرخ المؤرخون لمرحلة ضعف وانحلال العالم الإسلامي باللحظة التي أحس فيها أنه دون الغرب بكثير حداثة وتقنية، فأخذ يتطلع إلى نموذجه الحداثي ويركض وراءه مقتفيا آثاره في كل شئ سلبا وإيجابا. وتبدأ هذه اللحظة بالضبط عامي 1854 و1856 حين أضفى السلطان عبد المجيد من آل عثمان على حركة تغريب الدولة صفة الرسمية. ولما تولى السلطان عبد الحميد الثاني تبين له أن الركض وراء هذه الحداثة دون نقد أو تمييز بين نافع وضار هو نوع من الا تباع السلبي والتقليد الأعمى الذي يحتقر الذات ويطمس هويتها الثقافية والحضارية. وكما هو معلوم فإن التبعية والاستلاب يبدءان "حين تشعر الأنا أنها دون الغير أو الآخر معرفة وعلما وحضارة فتنبهر به وبمنجزاته، فتختار أن تستعير نموذجه للمحاكاة والاقتداء. ولا يعد ذلك كله خطيئة عند عقل او ثقافة تبتغي أن ترتقي صعدا إلى الأعلى وتحقق التفوق والازدهار. ولكنه قد يصبح كذلك عندما تتحول المحاكاة إلى تقليد أعمى، والاتباع إلى تبعية سلبية، والقدوة والاقتداء إلى استنساخ مكرور".4

وهذا بالضبط ما أحس به السلطان عبد الحميد فأخذ يراجع حركة الاتباع والأخذ عن الآخر (الغرب) مراجعة مبنية على التقويم الذي يميز بين النفع في المقاصد والنجاعة في الوسائل، وبين الثابت الملازم للهوية والمتغير التابع لتغيرات الزمان والمكان. ولقد أشار السلطان عبد الحميد في مذكراته أنه لم يكن يريد أن يستعير من الغرب حضارته وثقافته؛ لأنه كان يرى أن للشرق حضارة إسلامية مزدهرة ومتكاملة تفوق حضارة الغرب وتعلو عليها، ولكنه كان يريد استعارة ما هو في حاجة إليه وما يهم فقط من التقنيات والعلوم الحديثة. وفي ذلك يقول: "ليس من الصواب القول بأني ضد كل تجديد يأتي من أوروبا، لكن العجلة من الشيطان ويقابل العجلة الهدوء والاعتدال. يجب أن نضع نصب أعيننا ما تفضل الله به علينا... ليس الإسلام ضد التقدم، لكن الأمور القيمة يجب أن تكون طبيعية وأن تأتي من الداخل وحسب الحاجة إليها، ولا يمكن أن يكتب لها النجاح إذا كانت على شكل تطعيم من الخارج".5

يفهم من هذا الكلام أن مشروع السلطان عبد الحميد لم يكن يقوم على رفض الحداثة والمدنية جملة وتفصيلا كما تسرب إلى أذهان كثير من المؤرخين والدارسين، وإنما كان يقوم على بناء حداثة بديل نابعة من الذات بدل الحداثة المستوردة على شكل تطعيم، وتحمل في بنيتها آثار البيئة والفلسفة التي نشأت فيها، وهذا ما كان يرفضه السلطان عبد الحميد وكل عاقل لا يستهويه بريق المدنية ولا مظاهرها الخادعة دون النظر إلى بواطن الأشياء.

2- الحداثة المستوردة والحداثة البديل عند النورسي

إن الناظر في رسائل النور لبديع الزمان النورسي يدرك بداهة كثرة الموضوعات والقضايا التي تناولت المسألة الغربية، مثل قضية الحداثة الغربية والحوار الإسلامي الغربي؛ وعلاقة العالم الإسلامي بالمدنية الغربية؛ وقضية الأخذ والاقتباس من الآخر اعتمادا على نموذجه الحداثي لتحقيق النهضة الحضارية؛ وغيرها من القضايا التي ترد ضمن سياق الحوار الحضاري الإسلامي والحداثة الغربية، وتتوزع هذه القضايا عبر عدد من رسائل النور تكثيفا وتفصيلا إيجازا وإطنابا، وتندرج كلها في سياق كلام السلطان عبد الحميد آنف الذكر، فما كان مقتضبا ومجملا هناك أجابت عنه رسائل النور بشيء من التفصيل والبيان. فلنمض إذن نتتبع طرق التفصيل وكيفية علاج النورسي للمسألة الغربية أو لقضية النموذج الحداثي الغربي وعلاقته بالعالم الإسلامي حوارا واقتداء وبناء.

في خطاب لبديع الزمان النورسي عبارة عن رسالة أو خطبة موجهة إلى العالم الإسلامي من الجامع الأموي يحذر فيها من التقليد الأعمى للحضارة الغربية دون تقويم أو تمييز، يقول: "فيا أسفى! ويا ويل من ضل بطواغيت الأجانب وعلومهم المادية الطبيعية، ويا خسارة أولئك الذين يقلدونهم تقليدا أعمى، ويتبعونهم شبرا بشبر وذراعا بذراع. فيا أبناء هذا الوطن لا تحاولوا تقليد الإفرنج! وهل بعد كل ما رأيتم من ظلم أوروبا الشنيع وعداوتهم اللدودة، تتبعونهم في سفاهتهم، وتسيرون في ركاب أفكارهم الباطلة؟ فأنتم بهذا تحكمون على أنفسكم وعلى إخوانكم بالإعدام الأبدي... كونوا راشدين فطنين! إنكم كلما اتبعتموهم في سفاهتهم وضلالهم ازددتم كذبا وافتراء في دعوى الحمية والتضحية، لأن هذا الاتباع استخفاف بأمتكم واستهزاء بملتكم".6

يتضمن هذا الكلام إشارة إلى أن الحضارة الغربية التي توصف بأنها حضارة عقل وحداثة وتقنية ليست خيرا مطلقا وليست نموذجا أمثل للاتباع والاقتداء من غير تمحيص، وإنما هي حضارة متأزمة ناقصة وظالمة يحتاج نموذجها إلى النقد والتصويب والمراجعة والإصلاح؛ وعندها يكون نموذجا مسددا ومؤيدا بالأخلاق قابلا للاقتداء.

فما هي إذن مظاهر الأزمة وما هي أوجه النقص والظلم في الحداثة الغربية، وما هي سبل التخلص منها لقلب الحداثة الحاضرة إلى حداثة بديل تصوب النموذج القديم وتعدل منه، وعندها يصبح نموذجا صالحا للاتباع؟

يجمع منظرو الحداثة على مجموعة من الخصائص والصفات التي يجب توفرها في مجتمع ما ليكون حداثيا أعلاها رتبة وقيمة صفتا الأنسنة والعقلنة.

1- الأنسنة: ثمة مقولة ترى أن روح الحداثة هو الإنسان، فلا حداثة بدون إنسان، بل لا يمكننا أن نتصور نشأة ووجود الحضارة في غياب العامل البشري النوعي عقلا وتجربة. فهذا أمر مسلم به، وإليه يشير النورسي في قوله: "فمما ينبغي ألا ننكر أن في المدنية محاسن كثيرة، إلا أنها ليست من صنع هذا العصر، بل هي نتاج العالم وملك الجميع، إذ نشأت بتلاحق الأفكار وتلاقحها، وحث الشرائع السماوية -ولاسيما الشريعة المحمدية- وحاجة الفطرة البشرية. فهي بضاعة نشأت من الانقلاب الذي أحدثه الإسلام، لذا لا يتملكها أحد من الناس".7

إن بناء ونشأة الحضارة الغربية مرده إلى تلاقح أفكار وتجارب الإنسان، وهي إرث كوني لا ينفرد به نوع دون نوع أو جيل عن جيل، فالأمم والحضارات فيه سواء، فلكل منها آثار وبصمات. والحضارة الغربية نفسها ليست شذوذا عن هذا القانون، ولا تشكل طفرة، ولم تنشأ من فراغ وبمعزل عن سلالات الحضارات، كما أنها لا تمثل قطيعة مع الإرث الإنساني. إنها نتاج متتابع ومتلاحق زمنيا ومتفاعل متلاقح فكريا، ساهمت فيه حضارات متنوعة ومن ضمنها الحضارة الإسلامية التي تركت آثارها في مسار هذه الحضارة. كما لا يمكننا أيضا أن نغفل -إلى جانب العامل الإنساني- العامل الديني والإيماني، فهو باعث قوي على ميلاد الحضارات بما فيها الحضارة الغربية نفسها، فقد نشأت في كنف الدين المسيحي بل كانت للقسيسين والرهبان جهود علمية لا يمكن إغفالها، وأن المؤرخين الأوروبيين لأسباب مغرضة يسعون إلى طمس هذه الحقيقة ويتناسونها، ويركزون على أن الحضارة الغربية ثمرة من ثمار العلمانية. والحقيقة ليست كذلك، إذ العلمانية ليست سوى حركة هامشية متأخرة أنفصل فيها الفكر الإنساني عن اللاهوت المسيحي، أما البداية الأولى فقد كان التفكير فيها لاهوتيا خالصا، وكبار الفلاسفة والعلماء -أمثال ديكارت ولايبنتس وباسكال ونيوتن- كانوا مؤمنين بالله، وكانوا من ذوي المشروعات الإصلاحية في المسائل الدينية. والحقيقة نفسها يشدد عليها آرنولد توينبي في إشارة منه إلى أن الحضارة الغربية وإن كانت تتميز بطابعها المادي والعقلاني في مرحلتها المتأخرة، فإن أصولها الأولى ذات نزعة مسيحية مرتبطة بالمسيحية الكاتوليكية ارتباطا محكما.

إن هذه الحقيقة يتغافلها دعاة العلمانية اليوم فيربطون بينها وبين الحداثة، ولكن التاريخ يؤكد غير ذلك. ولقد وردت عند النورسي إشارة تلفت الانتباه إلى هذا الربط الوثيق بين التفكير الإنساني وبين الدين الأمر الذي يؤكد أن الشرارة الأولى للحضارة الغربية قد قدح زندها الإيمان، وحثت عليها الشرائع السماوية بما فيها الشريعة الإسلامية.

ولكن التحول الكبير الذي طرأ على التفكير الإنساني هوالذي جسدته مجموعة من النظريات العلمية الجديدة، التي شكلت قطيعة مع نظريات أخرى قديمة كانت تتبناها الكنيسة المسيحية باعتبارها نظريات دينية غيبية. ففي القرن السابع عشر أحدث كتاب غاليليو "حوار حول النظامين الكبيرين للكون" انقلابا كبيرا غير نظرة الإنسان إلى الكون والعالم، وكذلك كتاب إسحاق نيوتن "الأسس الرياضية " الذي شرح فيه نظريته حول الجاذبية ورسم فيه صورة جديدة للكون، أصبحت تجيب عن أسئلة الناس طيلة قرنين. وبذلك يكون نيوتن هو الآخر قد غير نظرة الإنسان العادي إلى العالم بما أوحت به أقواله إليه، "وبدأ يلوح للناس أخيرا أن العلم قد يكشف جميع أسرار العالم، وبدأت حفنة قليلة من الأفراد الجريئين تقول إنه إذا كان الأمر كذلك فما الحاجة إلى رجال الكنيسة لتفسير الأمور؟ بل ما الحاجة للحديث عن الله كجزء من هذا التفسير، لما كان العلم قادرا على شرحها كلها عن طريق اكتشاف المزيد من القوانين الكبرى الناظمة لها؟ أما نيوتن فهو لم يكن يفكر بهذه الطريقة حتما، إذ إنه كان رجلا شديد التدين".8

وما إن ينتهي القرن السابع عشر حتى تكون مثل هذه النظريات العلمية قد أوحت للإنسان الغربي أن بمقدوره فهم وتفسير العالم دون حاجة إلى الكنيسة ونظرتها الدينية الغيبية، وبذلك أعلن تمرده على آرائها بل على الدين كله وأصبح إنسانا حرا متمردا. "وللمرة الأولى أصبح الإلحاد عقيدة محترمة ولو في نظر عدد قليل جدا من الناس".9

ولكن سرعان ما ستعرف هذه العقيدة انتشارا واسعا وتكتب لها الهيمنة، ثم أصبحت صفة وخاصية ملازمة للحداثة الغربية وهي التي تعرف باسم الأنسنة. "وتعني أن الإنسان لا يمكنه أن يصبح فردا حرا ومستقلا بنفسه على نحو حق، وأن تتحقق له الذاتية المطلقة إلا إذا كف عن تصور عالم الألوهية، أي عندما يصير إنسان نفسه لا إنسان إلهه وفرد ذاته لا فرد ربه. أو نقول بعبارة أخرى لا يمكن للفردية والذاتية أن تتحقق في مفهوم الحداثة، إلا إذا تجاوز الإنسان الفكر الديني المسيحي الذي قيد حريته، محققا بذلك خيلاءه الإنسي".10

لقد أصبحت الحداثة أكثر ميلا إلى تطبيق حداثة الفرد بدل حداثة الإنسان التي هي روح الحداثة وجوهرها، وقد يكون هذا التحول سببا رئيسا فيما آلت إليه الحداثة الغربية من انحراف وانحلال، أصاب الحضارة في صميمها فأصبحت حضارة متأزمة. وتعود أسباب الأزمة في أصلها إلى العنصرالبشري وإلى المجتمع الذي تتكون منه هذه الحضارة. ولما كان الفرد في هذه الحضارة قد فقد العروة الاجتماعية التأنيسية، فإنه يكون قد تحول من وجود طبيعي إلى وجود رافض للوجود الطبيعي. فالوجود الطبيعي يكون فيه الكائن تابعا لطبيعة الشيء وطبعه تفاعلا وانفعالا وتجاوبا، اعتمادا على قدرة الإنسان ومقدرته وملكاته التي زود بها والتي تجعله متدرجا من الأدنى إلى الأعلى طلبا للكمال والرقي، وكل شيء في الطبيعة مسخر للإنسان حتى يتدرج في منازلها ومراتبها صعدا إلى منتهى الكمال. أما الوجود الرافض للوجود الطبيعي فهو الذي يسميه دعاة الحداثة بالوجود الإنسي، ومن صفاته أنه يرفض الوجود الطبيعي ويتمرد عليه وينكره مثل ما يشهد على ذلك وجود الإنسان الغربي ذي الصفة الفردانية، وقد انتهى به المطاف في الأخير إلى اعتناق فلسفة العبث واللامعقول دليلا على أزمته النفسية وما آلت إليه من فراغ وشقاء وخواء، تشهد على ذلك حالات الثرثرة والجنون والانتحار التي يدل عليها واقعه وتؤكدها ثقافته حتى أصبحنا في ما يشبه مملكة الحيوانات المثقفة.

ولا شك أن كل وجود يتمرد على الطبيعة مآله إلى مثل هذه الحال، وكل شيء مضاد للفطرة يحمل عناصر فنائه في ذاته ولو طال الزمان، والدين من الفطرة ومعاداتها يعني الحكم على الإنسان بالشقاء والمأساة. إن من الوظائف الكبرى للدين أنه يكفل للإنسان الإجابة الواضحة عن الأسئلة المصيرية التي يوحي بها العقل المجرد فتؤرقه وتحيره. ولما كانت الحداثة الغربية قد أغفلت هذا الجانب واستبدلت بالدين صفة الأنسنة القائمة على الفردانية والحرية المطلقة، فقد جعلته عرضة للشقاء والخواء، تتنازعه الأهواء والغرائز والشهوات النابحة حتى حولته إلى حيوان، يلهث وراء الحاجة المادية والشهوات الحسية ظنا منه أن إشباع الحاجات المادية كفيل بتحقيق السعادة، والواقع يؤكد عكس ذلك.

إن من مظاهر أزمة الحداثة في الحضارة الغربية -يقول النورسي- أن صفة الأنسنة قد أنشأت أولا إنسانا مغرورا بذاته معجبا بنفسه إعجابا كبيرا، فانبهاره "بالعلوم وانغماره في تقليد المدنية الحاضرة أعطاه الحرية وروح الانتقاد والتمرد، فظهر الضلال من غروره".11 وثانيا إنسانا متمردا، "ولكنه متمرد مسكين، إذ لأجل لذة تافهة يقبل قدم الشيطان، ولأجل منفعة خسيسة يرضى بمنتهى الذل والهوان... وأن غاية ما يصبو إليه تطمين رغبات النفس وإشباع هواها، حتى إنه دساس يبحث تحت ستار الحمية والتضحية والفداء عن منافعه الذاتية."12

وثالثا إنسانا طاغية جبارا ولكنه طاغية "ذليل، إذ يعبد أخس الأشياء، ويتخذ كل شيء ينتفع منه ربا له... أو جبار عاجز في ذاته لأنه لا يجد مرتكزا في قلبه يأوي إليه".13 ورابعا إنسانا لا أخلاقيا، يظل يجري وراء الأهواء والنوازغ حتى مسخت سيرته الإنسانية مسخا معنويا فأصبح حيوانا مثقفا.

إن المدنية الحاضرة يقول النورسي: "قد أطلقت الأهواء والنوازع من عقالها، فالهوى حر طليق طلاقة البهائم، بل أصبح يستبد، والشهوة تتحكم حتى جعلتا الحاجات غير الضرورية في حكم الضرورية. وهكذا محيت راحة البشرية، إذ كان الإنسان في البداوة محتاجا إلى أشياء أربع، بينما أفقرته المدنية الحاضرة الآن وجعلته في حاجة إلى مائة حاجة وحاجة. حتى لم يعد السعي الحلال كافيا لسد النفقات، فدفعت المدنية البشرية إلى ممارسة الخداع والانغماس في الحرام. ومن هنا فسدت أسس الأخلاق، إذ أحاطت المجتمع والبشرية بهالة من الهيبة ووضعت في يدها ثروة الناس فأصبح الفرد فقيرا وفاقدا للأخلاق".14

ومما يؤكد أزمة الذاتية والأنسنة في الحداثة الغربية ما يشهد به مثقفو هذه الحضارة وأدباءها أنفسهم، فهم شهود عصورها؛ الناطقون باسمها؛ المشخصون لأدوائها وعللها؛ ويرون ما لا يرى غيرهم. ويرى النورسي أن أسباب الأزمة الذاتية شاخصة في الأدب الغربي تجسدها جميع أجناسه الأدبية رواية ومسرحا وشعرا. والمتأمل في موضوع الذاتية كما يجسده الأدب الغربي -بطولة وحماسة وشهامة- يدرك أن من وظائفه الافتتان بالقوة، وأن الغاية منه ليست هي وجدان الحق وإنما تمجيد "جور الظالمين وطغيانهم. وفي ميدان الحس والعشق، لا يعرف العشق الحقيقي؛ بل يعزز ذوقا شهويا عارما في النفوس. وفي ميدان تصوير الحقيقة والواقع، لا ينظر إلى الكائنات على أنها صبغة إلهية، ولا يراها صبغة رحمانية بل يحصر همه في زاوية الطبيعة ويصور الحقيقة في ذوقها، ولا يقدر الفكاك منها، لذا يكون تلقينه عشق الطبيعة وتأليه المادة، حتى يمكن حبها في قرارة القلب، فلا ينجو المرء منه بسهولة".15

إن المشكل الذي يثيره مفهوم الأنسنة عائد في جوهره إلى الالتباس والتداخل الحاصل بين الإنسان والفرد في فكر الحداثة الغربية. والحق أن الإنسان ليس ملازما للفرد ولا للذات، لأنه قد يكون زوجا أو جماعة أو مجتمعا. واعتبار الإنسان ذاتا وفردا هو نفي للفاعلية التي خص بها الإنسان، والحكم عليه بالثبات على ذات وحال لا يتحول عنها، ومن شأن الثبات على الذات والحال أن يعرض المرء للجمود الذي يؤدي بدوره إلى القلق فالعبث، وتلك هي أزمة الذاتية والفردانية في الفكر الغربي.

إن أزمة الحداثة الغربية هي في الحقيقة أزمة فلسفة وجودية، تمس جوهر الإنسان وكينونته، وبدل أن نتحدث عن إنسان حر وطليق يتقلب في أفعاله وحالاته وصفاته الخلقية، أصبحت الحداثة تتحدث عن الذات التي لا تعدو أن تكون حالة فقط من حالات وأفعال الإنسان المتعددة، وبذلك أصيب الإنسان بالجمود والتحجر وتلك هي بداية المشكل في الحداثة الغربية.

إن الإنسان الحق هو من كان شأنه ألا يثبت على حال ومقام واحد، لأن هويته ذات رتب متعددة، فقد يكون الواحد من الجماعة إنسانا أكثر أو أقل من غيره فيها، كما أن هويته أيضا "ليست ثابتة، وإنما متغيرة، فيجوز أن يكون الفرد الواحد في طور من أطوار حياته إنسانا أكثر أو أقل منه في طور سواه".16 وإذا كان الأمر على هذا النحو فالإنسان من شأنه أن يتقلب في أحواله النفسية وصفاته الخلقية حتى ينال مراده ويصل إلى مبتغاه ويتحرر من حال الثبات والجمود، وعندئذ تكون ذاته بعد هذا المسار ذاتا مختلفة عن ذاته وحاله التي كان عليها قبل التحول. وهكذا فالإنسان الحق هو من كانت له ذوات كثيرة متتالية لا ذاتا واحدة جامدة. فكل ذات خرج منها الإنسان هي بمثابة الآخر الذي كان، وهكذا في حركة دائبة و تجدد دائم لا يقبل الثبات والاستقرار، ومن هنا تكون الغيرية أيضا صفة داخلية لازمة للإنسان وليست صفة خارجية، مما يجعل الذات والغير شيئا واحدا في الإنسان.

ولما كانت الغيرية صفة لازمة للإنسان الواحد بحكم التداخل بين الذات والغير، فإن ذلك من شأنه أن يجعل الإنسان في جوهره وحقيقته قائما على تنوع الذوات والأغيار. فالذات والغير في الإنسان ذات واحدة، فلا نفكر إلا كما نتكلم ولا "نتكلم إلا ونحن اثنان، بل لا نتكلم إلا ونحن زوجان، لأن الزوجين هما بالذات الاثنان المتواجد بعضهما مع بعض".17 والمراد بالكلام هنا هو الكلام النفسي الذي تكون فيه ذات الإنسان واحدة خَلْقاً ولكنها اثنان خُلُقاً، وهذا ما يسمى في اصطلاح النظار التعدد الاعتباري لا الواقعي.18 وبهذا يصير النظر "مناظرة"، مثلما يصير التفكر مفاكرة، إذ الطريق إلى الحق ليس واحدا لا ثاني له، وإنما هو طرق شتى لا حد لها، كما أن من شأن الحق أن لا يأتي به واحد سواء أكان معتقدا أم منتقدا.

إن الأصل في إثبات ونسبة الذات للإنسان هو وجود ذاتين اثنتين متمايزتين خُلُقياً أو اعتباريا. بمعنى أن الذات في حقيقتها مزدوجة أنا وأنت أو الذات والآخر معا في نفس واحدة ازدواجا وانعكاسا واجتماعا.

فهذا المفهوم للذات والإنسان يختلف عن مفهوم الحداثة كما كرسه الكوجيطو الديكارتي عن الإنسان باعتباره فردا وذاتا مفكرة واحدة ثابتة وجامدة. فأيهما إذن أحق بصفة الحداثة والتجديد هل الرؤية التي تنفي عن الإنسان الفاعلية والحركة أم تلك التي تحقق له إنسانيته بواسطة أفعال مجالها متسع ومتنوع، وظروفها الزمانية والمكانية متقلبة، وبواعثها ومقاصدها متفاوتة؟

ولقد وردت عند بديع الزمان إشارة لطيفة مفهومها وفحواها أن الإيمان والدين يمنح للإنسان قدرة هائلة ليس على الحركة والفاعلية فحسب، بل يمنحه أيضا القدرة على تجاوز العوائق والقيود وعلى التحرر والانعتاق من الزمان وقيوده ليسبح في المطلق واللا تناهي. ومن كان ذلك حاله وديدنه فأنى يتسرب إليه القلق الذي يؤدي إليه التحجر والثبات على ذات وحال واحدة كما هو الأمر في الحداثة الغربية. يقول بديع الزمان النورسي: " فكما أن دوائر حركة عقارب الساعة العادة للثواني والدقائق والساعات تختلف في السرعة، رغم تشابهها الظاهري، كذلك الأمر في الإنسان، حيث أن حكم الزمن متفاوت في دائرة جسمه، ودائرة نفسه، ودائرة قلبه، ودائرة روحه، فبينما ترى حياة الجسم وبقاءه ووجوده محصورة في اليوم الذي يعيش فيه أو في ساعته، وينعدم أمامه الماضي والمستقبل، إذا بك ترى دائرة حياة قلبه وميدان وجوده يتسع ويتسع حتى يضم أياما عدة قبل حاضره وأياما بعده، بل إن دائرة حياة الروح وميدانها أعظم وأوسع بكثير حيث تسع سنين قبل يومها الحاضر وسنين بعده.

وهكذا، بناء على هذا الاستعداد، فإن عمر الإنسان الفاني يتضمن عمرا باقيا من حيث حياته القلبية والروحية اللتين تحييان بالمعرفة الإلهية والمحبة الربانية والعبودية السبحانية والمرضيات الرحمانية، بل ينتج هذا العمر الباقي الخالد في دار الخلود والبقاء، فيكون هذا العمر الفاني بمثابة عمر أبدي".19

ألا يوحي مفهوم هذا الكلام أن للإنسان ملكات واستعدادات فطرية داخلية، بإمكانها أن لا تجعله يركن إلى ما هو كائن وما هو واقع، بل تملي عليه ما يجب أن يكون وما يمكن أن يقع، وتزوده بقيم معينة تعلو بهمته وتحرره من أسر اللحظة الحاضرة وانتهاء بأحوال أخرى لا حد لها. "والشاهد على ذلك كونه لا يفتأ يطلب الكمال في كل أفعاله، فلا يصل إلى مرتبة حتى يطلب مرتبة فوقها، ولا يزال آخذا في هذا التدرج من كامل إلى أكمل منه فالأكمل، ولو لا هذا التعلق بما ينبغي أن يكون وما ينبغي أن يقع، لما خرج الإنسان إلى طلب هذا الكمال واستفرغ الجهد في تحصيله".20

2-العقلنة: ما تكاد الحداثة تذكر حتى تذكر معها العقلانية التي غدت لازمة من لوازمها، فالحداثة والعقلانية شيء واحد وأن أحدهما يسد مسد الآخر. وتعد العقلنة أو العقلانية من الصفات الألصق بالحضارة الحديثة وبها عرفت عند الجمهور، بل إن هذا الوجه منها هو الذي شغل الناس والفلاسفة والحداثيين إلى حد الافتتان به، فأصبحت الحضارة الحديثة توصف بأنها حضارة عقل. وتعني هذه الصفة أو الخاصية أن أصبحت للعقل المجرد قيمة كبرى ودرجة أعلى في الحكم والتقويم لا تعلوها أي قيمة ولو كان الأمر يتعلق بنص أو دين. ولقد تجلت هذه الصفة تخصيصا في أهل الغرب وفي مدنيتهم الحديثة "حتى كأن غيرهم إن لم يحرموا منها كليا، فلا أقل من أنهم لم يعرفوها في خلوصها وإطلاقها كما يعرفها هؤلاء".21 ولعل نتائج هذا العقل المحصل عليها في مجال التقنية والعلوم هي التي أغرت المفتونين بالرفع من مكانته وتقديسه إلى درجة التأليه، وألهتهم عن النظر في جوانب النقص والقصور فيه.

ويقر بديع الزمان النورسي أن حسنات العقل ومنافعه ظاهرة لا يمكن نكرانها وذلك وجهه المشرق. ففي كلام لبديع الزمان يميز فيه بين أوروبا النافعة للبشرية وأخرى فاسدة تجسد الوجه السلبي الذي هو من نتاج العقل المجرد الذي أصبحت تدين به أوروبا عندما تحولت من النصرانية إلى العلمانية: "...ولئلا يساء الفهم لا بد أن ننبه: إن أوروبا اثنتان. إحداهما: هي أوروبا النافعة للبشرية بما استفاضت من النصرانية الحق، وأدت خدمات لحياة الإنسان الاجتماعية، بما توصلت إليه من صناعات وعلوم تخدم العدل والإنصاف، فلا أخاطب -في هذه المحاورة- هذا القسم من أوروبا. وإنما أخاطب أوروبا الثانية تلك التي تعفنت بظلمات الفلسفة الطبيعية وفسدت بالمادية الجاسية، وحسبت سيئات الحضارة حسنات لها، وتوهمت مساوئها فضائل، فساقت البشرية إلى السفاهة وأردتها الضلالة والتعاسة".22

صحيح أن فوائد الحداثة العلمية والتقنية مصدرها هو تفعيل العقل حتى أصبح يحقق ذاته بواسطة أفعال مجالها متسع ومتنوع، فنشأت عن ذلك نظريات وصناعات وعلوم نفعها على البشرية ظاهر وجلي، دون أن ننسى أن فعل هذا العقل قد نشأ أولا في كنف النصرانية وعلى يد رجال الكنيسة ورهبانها؛ أو على يد علماء مؤمنين بالله ذوي مشروعات إصلاحية كما أشرنا إلى ذلك من قبل. وبذلك كان هذا العقل في حركته الأولى ذا منزع إيماني، موجها من الدين ومؤيدا بتعاليمه. ولا شك أن عقلا نشأ في ظل هذا الكنف لا يمكنه أن يكون عقلا ضارا مطلقا، ولو كان الدين الذي يؤيده هو النصرانية المحرفة، لأن ما بقي منها من تعاليم تدعو إلى التسامح والتصالح من شأنها أن تحد من غلوه وتجعله يحرص على تحقيق النفع في المقاصد والنجاعة في الوسائل. ولما كان الدين يدعو إلى مسؤولية الإنسان عن أفعاله وإلى الترهيب من سوءاتها فإن الشعور بالخوف من شأنه أن يكون زاجرا ورادعا له حتى لا تنقلب أفعال هذا العقل إلى مضار و مساوئ تعود على الناس بالويل والثبور. وهذا ما حدث فعلا حين اختار العقل أن ينفصل عن الدين وأن يشتغل في منأى عنه وعن مقاصده النافعة ووسائله الناجعة.

إن العقل المنقطع عن الدين يمثل المرحلة الثانية في تاريخ الحضارة والمدنية الغربية، وهو الذي كان سببا في فسادها وساق البشرية -كما يقول النورسي- إلى السفاهة وأوردها مهالك الضلالة والتعاسة. وتتجلى مظاهر العقلانية المنقطعة عن الدين في مجموعة من الصفات السلبية، هي التي يرجع إليها السبب في تقويض نظام الحضارة الغربية كما يقر بذلك فلاسفة ما بعد الحداثة، الذين قاموا بنقد لاذع للعقل الغربي ولنظامه العلمي والتقني. ولقد أرجع النورسي الصفات السلبية للحداثة الغربية إلى عنصرين اثنين هما: عنصر القوة وعنصر المنفعة.

2-1. عنصر القوة: لما كان العقل مصدر العلوم والمعارف التي تحققت بسببها كثير من المنجزات العلمية أسندت إليه القدرة على التحكم في كل شيء، لا يحده عن ذلك عائق ولا يحول دونه مانع، حتى أصبحت الحداثة تتحدث - انبهارا بالعقل ومنجزاته - عن تأليه الإنسان أو تأنيس الإله. ولقد ترتبت عن هذه الرؤية صفات سلبية أخرى مثل الإحساس بتفوق الإنسان الغربي على غيره من الأجناس مما ولد لديه الرغبة في الهيمنة على أمم الأرض وقهرها واستغلالها وإذلالها، والشاهد على ذلك النزعة الاستعمارية التي صاحبت الحداثة الغربية. كل ذلك سببه كما يقول النورسي نمو النزعة العنصرية لدى الإنسان الغربي على حساب غيرها، ومن شأن العنصرية أن ينشأ عنها "التصادم المريع، وهو المشاهد، ومن هنا ينشأ الدمار والهلاك".23 ولقد كانت الحرب العالمية الأولى في مطلع القرن العشرين إحدى النتائج السلبية لهذا العقل الغربي الذي تضخم وانتفش - عنادا وغرورا - "حتى بلغ السماء ومس حكمة الخلق، وأنزل من السماوات العلا ما يشبه الطوفان والطاعون والمصائب والبلايا".24

2-2. عنصر المنفعة: لما كان العقل الحداثي عقلا منقطعا عن الله والدين؛ منفصلا عن الأخلاق، فإنه ينسب إلى ما يسمى العقلانية المجردة، ومن صفاتها أنها لا تربط بين الأشياء وخالقها، وإنما تربط الأسباب والعلل بمسبباتها، لا تتعداهما إلى تدبر آيات الله خارج العلل المادية والربط بينها وبين خالقها الأصلي. وإلى ذلك يشير النورسي في كلام موجه إلى أوروبا قائلا: "فيا أوروبا! ما ورطك في هذا الخطأ المشين إلا دهاؤك الأعور، أي ذكاؤك المنحوس الخارق، فلقد نسيت بذكائك هذا رب كل شيء وخالقه، إذ أسندت آثاره البديعة إلى الأسباب والطبيعة الموهومة! وقسمت ملك ذلك الخالق الكريم على الطواغيت التي تعبد من دون الله".25

إن الوقوف عند العلل والأسباب المادية في تفسير الظواهر والأشياء لمن شأنه أن يشيئ العقل. أي أن يجعله ذاتا مستقلة ينسب إليها تفسير الظواهر والموجودات كلها تفسيرا ماديا محضا، بدعوى أنه التفسير العلمي الذي يفسر الأشياء اعتمادا على بنيتها الظاهرة، وهذا نوع من الوثنية أصبحت تدين به العقلانية والحداثة، وإن كانت تدعي أنها حداثة لا دين لها ولا تؤمن بالغيب. والحق أنها عقلانية مجردة عن الأخلاق، منفصلة عن النصرانية، متصلة بالوثنية عندما تقف عند العلل المادية لا تتجاوزها. أليس في ذلك ظلم واعتداء على ملك الخالق تعالى، حين تنسب صنعته المحكمة ونظامه البديع وناموسه الكوني العام الذي يحكم الموجودات كلها ويسري على المخلوقات جميعها إلى آلهة أخرى لا تعقل شيئا خارج ذاتها كالعقل والعلم والطبيعة؟

ولما كانت العقلانية مادية التفسير وثنية المعتقد والدين وإن كانت تدعي عكس ذلك، فإن جانب النفع فيها يكتسي صبغة مادية خالصة، بل إنه ينتزع انتزاعا ويؤخذ عنوة واغتصابا، بل إن هذه الحياة كلها في مفهوم هذا العقل تقوم كما يقول النورسي على "منفعة خسيسة بدل الفضيلة، وشأن المنفعة: التزاحم والتخاصم، ومن هذا تنشأ الجناية".26

ويرد النورسي نزعة الاستعلاء واغتصاب النعم عند الإنسان الغربي إلى جينات وراثية انحدرت إليه من أصول رومانية تمتد جذورها عميقا في التاريخ. فالرومان كان لديهم العقل مرادفا للمكر والدهاء والبطش والرغبة في الاستغلال والاستيلاء على الأرض وخيراتها قهرا واغتصابا. يقول بديع الزمان: "كانت روما القديمة واليونان يملكان دهاء، وهما دهاءان توأمان، ناشئان من أصل واحد. أحدهما غلب الخيال عليه، والآخر عبد المادة. ولكنهما لم يمتزجا، كما لا يمتزج الدهن بالماء. فحافظ كل منهما على استقلالها، رغم مرور الزمان، ورغم سعي المدنية لمزجهما، ومحاولة النصرانية لذلك. إلا أن جميع المحاولات باءت بالإخفاق."27

إن مما يؤكد صفة الدهاء التي تستحوذ على العقل الغربي هو النظر إلى النعم المبسوطة والمنتشرة في مناكب الأرض بأن لا مالك لها، ولا مولى يرعاها، وإنما يغتصبها الإنسان دون شكران ويقتنصها من الطبيعة، وبذلك تولد لديه شعور حيواني. أليست هذه النظرة هي نفسها التي كانت سائدة عند الرومان مما جعل حضارتهم قائمة على سلطان القهر واستغلال خيرات الأمم والشعوب؟ إنه الشعور نفسه والرؤية ذاتها التي انتقلت وراثيا إلى جينات الحضارة الغربية فجعل منها حضارة بطش وظلم واستعمار، خلافا لما عليه الأمر بالنسبة للحضارة الإسلامية التي كانت ترى في النعم المبسوطة على الأرض "ثمرات الرحمة الإلهية، وتحت كل منها يد المحسن الكريم، مما يحض الإنسان على تقبيل تلك اليد بالشكر والتعظيم".28

والآن وبعد أن مضى على الحداثة حين من الدهر، لم يعد ينظر إليها باعتبارها خيرا مطلقا أو نموذجا أعلى وأمثل، وإنما هي نموذج فيه من المحاسن والمنافع -كما يقول النورسي- مما لا ينبغي ألا ينكر، ولكن هذا الجانب ليس من صنع هذا العصر، بل هو نتاج العالم وملك الجميع.29 كما أن فيه من المضار والمساوئ مما لا ينبغي قبوله والسكوت عنه. ومن أجل ذلك ارتفعت أصوات من داخل المنظومة الغربية ومن خارجها انتقدت عيوب هذا المنهج نقدا لاذعا وبينت سوءاته ومخاطره ثم قدمت حلولا وتصويبات بديلة من شأنها الاستدراك على الحداثة وتعديلها حتى تتحول إلى حداثة بديل، تستوعب النموذج القديم ثم تغير قيمه وروحه حتى لا يتعارض مع طبيعة الإنسان وطبعه وفطرته.

وتتلخص هذه الحلول والاقتراحات في أربع نظريات هي:

- نظرية المسؤولية: وهي تدعو إلى إقامة تصالح مع الطبيعة، يصير الإنسان بمقتضاه مسؤولا عن أفعاله، ويصير الشعور بالخوف من عواقب الأفعال زاجرا له عن نقض الميثاق الطبيعي.30

- نظرية التواصل: من بين دعاتها هابرماس الذي يدعو إلى تأسيس أخلاق شاملة عن طريق التناظر بين الجماعات والثقافات المختلفة، وتقييد المعرفة العلمية بمعايير كلية.31

- نظرية الضعف: لقد كشفت هذه النظرية أن العقلانية كلما طلبت الإحاطة بكل شيء انقلبت إلى ضدها، ولذلك دعت إلى ضرورة "ترك الإكثار من التقنية ووجوب الزهد في طلب المزيد من القوة".32

- نظرية التعبد: تنتمي هذه النظرية إلى منظومة الحضارة الإسلامية ويعتبر النورسي من بين الداعين إليها. ويشير في أماكن متفرقة من رسائله إلى أن بمقدور التعبد والإيمان أن يدفع عن الحضارة الغربية كل الآفات التي أصابتها جراء اعتمادها على العقل المجرد المؤدي إلى سلطان القهر والبطش. وإن استبدال نظرية التعبد القائمة على التوحيد والفضيلة والهدى بالعقلانية المجردة القائمة على التحكم المؤدي إلى الحسد والصراع من شأنها أن تقلب حال الحضارة ووضعها من سيء إلى حسن فالأحسن. يقول النورسي: "لما كانت مدنية أوروبا لم تتأسس على الفضيلة والهدى بل على الهوس والهوى، وعلى الحسد والتحكم، تغلبت سيئات هذه المدنية على حسناتها إلى الآن. وأصبحت كشجرة منخورة بديدان المنظمات الثورية والإرهابية، وهذا دليل قوي ومؤشر على قرب انهيارها وسبب مهم لحاجة العالم إلى مدنية آسيا الإسلامية التي ستكون لها الغلبة عن قريب".33

ويلخص النورسي أسس الحداثة والمدنية البديل القائمة على التعبد والفضيلة في خمسة مبادئ تناقض المبادئ التي تقوم عليها الحداثة الغربية وهي:

- "... الحق بدل القوة، ومن شأن الحق دائما العدالة والتوازن، ومن هذا ينشأ السلام ويزول الشقاء.

- والفضيلة بدل المنفعة، وشأن الفضيلة المحبة والتقارب ومن هذا تنشأ السعادة وتزول العداوة...

- والتعاون بدل الخصام والقتال (ومنه ينشأ) الاتحاد والتساند اللذان تحيا بهما الجماعات...

- والهدى بدل الأهواء والنوازع، وشأن الهدى: الارتقاء بالإنسان ورفاهه إلى ما يليق به مع تنوير الروح ومدها بما يلزم".

- ورابطة الدين وأخوة الإيمان بدل العنصرية والقومية السلبية، ومن شأن هذه الرابطة أخوة خالصة.34

فالحق والفضيلة والتعاون والهدى والدين أو الإيمان هي المبادئ التي تقوم عليها نظرية التعبد عند النورسي، ومن شأنها أن تخرج الإنسان من طلب حظوظ السيادة على الكون القائمة على القوة والمنفعة والصراع والأهواء والعنصرية إلى أداء حقوق العبودية لسيد الكون. أليس هو الذي سخر له هذا الكون تسخيرا ليعيش وإياه في توافق وانسجام بناء على قانون التعاون؟

إن هذا القانون يقول بديع الزمان جار بين المخلوقات "امتثالا لأمر الخالق الكريم الذي هو واضح جلي في أرجاء الكون كله كإمداد النباتات للحيوانات والحيوانات للإنسان... فيا سبحان الله! كيف يكون إمداد ذرات الطعام إمدادا بكمال الشوق لتغذية خلايا الجسم جدالا وخصاما؟ بل ما هو إلا سنة التعاون، ولا يتم إلا بأمر رب حكيم كريم!"35

* * *

قائمة المصادر والمراجع

- حميد سمير. خطاب الحداثة: قراءة نقدية. سلسلة روافد. رقم 15. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. الكويت. مارس 2009/ربيع الأول 1430هـ.

- روبيرتس. ج. م. موجز تاريخ العالم. ترجمة فارس قطان. منشورات وزارة الثقافة السورية. دمشق. 2004.

- السلطان عبد الحميد. مذكرات السلطان عبد الحميد. ترجمة محمد حرب. دار القلم. دمشق. ط3. 1412هـ/1991م

طه عبد الرحمن:

1- الحق العربي في الاختلاف الفلسفي. المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء - المغرب. ط2. 2006.

2- سؤال الأخلاق. المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء - المغرب. ط1. 2000.

النورسي، بديع الزمان سعيد:

1- صيقل الإسلام. ترجمة: إحسان قاسم الصالحي. دار سوزلر. إسطنبول. ط1. 1416هـ/1995م.

2- الكلمات. ترجمة: إحسان قاسم الصالحي. دار سوزلر. إسطنبول. ط3. 1419هـ/1998م.

3- اللمعات. ترجمة: إحسان قاسم الصالحي. دار سوزلر. إسطنبول. ط1. 1413هـ/1992م

* * *

الهوامش:

1 جامعة الحسن الثاني الدار البيضاء -كلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق- المغرب.

2 حميد سمير، خطاب الحداثة: قراءة نقدية، سلسلة روافد، الكويت، 2009 ص: 36.

3 ج.م. روبرتس، موجز تاريخ العالم، ترجمة فارس قطان، دمشق 2004، 2/628.

4 خطاب الحداثة، ص: 48.

5 مذكرات السلطان عبد الحميد، ترجمة محمد حرب، دار القلم دمشق 1412هـ/1991 م، ص: 26/27.

6 بديع الزمان النورسي، اللمعات، ترجمة إحسان قاسم، دار سوزلر للنشر، ص: 184.

7 بديع الزمان النورسي، الكلمات، ترجمة إحسان قاسم، دار سوزلر للنشر، ص: 860.

8 موجز تاريخ العالم، 2/609.

9 نفسه، 2/610.

10 خطاب الحداثة، ص: 42.

11 الكلمات، ص: 877.

12 نفسه، ص: 859.

13 الكلمات، ص: 860.

14 نفسه، ص: 856.

15 نفسه، ص: 484.

16 طه عبد الرحمان، سؤال الأخلاق، المركز الثقافي العربي ط1 س: 2000 ص: 147.

17 طه عبد الرحمن، الحق العربي في الاختلاف الفلسفي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء ط2 س: 2006 ص: 27.

18 نفسه، ص: 28.

19 بديع الزمان النورسي، اللمعات، ترجمة إحسان قاسم، دار سوزلر للنشر، ص: 24.

20 سؤال الأخلاق، طه عبد الرحمن ص: 62.

21 سؤال الأخلاق، ص: 59.

22 اللمعات، ص: 177.

23 الكلمات، ص: 855.

24 نفسه، ص: 860.

25 الكلمات، ص: 859.

26 نفسه، ص: 855.

27 الكلمات، ص: 857.

28 الكلمات، ص: 860.

29 نفسه، ص: 859.

30 سؤال الأخلاق، ص: 142.

31 نفسه، ص: 142.

32 نفسه، ص: 142.

33 بديع الزمان النورسي، صيقل الإسلام، ترجمة إحسان قاسم، دار سوزلر للنشر، ص: 501.

34 الكلمات، ص: 855/856.

35 نفسه، ص: 856.


 

أرشيف ملف العدد

16 - العمل الإيجابي 2
. دور الفعل الايجابي في توجيه قانون التضاد لبناء عالم أفضل
. الجهاد الفكري وعلاقته بالعمل الإيجابي في رسائل النور
. الأبعاد الإيجابية لمفهوم الجهاد في ضوء رسائل النور
. غياب العمل الإيجابي أو تغييبه في حياة المسلمين المعاصرة
15 - الإيجابية والعمل الإيجابي في رسائل النور
. الأسس الشرعية لمنهج العمل الإيجابي البناء
. مصطلح الإيجابية في رسائل النور
. الإيجابية في مقاصد العبادات ودورها في بناء عالم أفضل...
. التوجيه الإيجابي للأحاديث النبوية في رسائل النور
. النظرة الإيجابية وأهميتها في تحصين الدعوة عند الأستاذ النورسي
14 - بعض قضايا الفكر الإسلامي في رسائل النور
. العمل بإيجابية الأسس والعوائق -دراسة في رسائل النور-
. الحداثة البديل عند بديع الزمان النورسي
. ثقافة البيئة في الفكر الإسلامي من خلال مدرسة بديع الزمان النورسي
. موقـف رسائل النـور من منهـج الفلاسـفة واللاهـوتيين والمتصـوفة في بحـث مسألة النبـوة
. العدالة بين حكمة القرآن وفلسفة الإنسان قراءة في التجربة الذوقية للحكيم النورسي
13 - الإنسان في رسائل النور وجودا، ومهمة، وغاية
. دور رسائل النور في استعادة صياغة القرآن للإنسان
. الإنسان في رسائل النور وجودا، ومهمة، وغاية
. مؤلّفات بديع الزمان أنموذجاً لتقديم الإسلام إلى الغرب
. نظام التربية في رسائل النور
. منهج وطريقة رسائل النور وغايتها
12 - مفاهيم وردت العناية بها في رسائل النور
. تحرير الحرية في رسائل النور
. مصطلح الإيمان في رسائل النور - دراسة مفاهيمية
. مفهوم البلاغة عند بديع الزمان سعيد النورسيّ
. الوحدة وتدبير الخلاف عند بديع الزمان سعيد النورسي
11 - وقفات مع بعض عناصر القوة المعنوية
. التزكية وتدبير الخلاف وأثرهما في وحدة الأمة عند سعيد النورسي
. العناصر الفكرية والفنية والنفسية في منهج الأستاذ النورسي في التفسير
. العمل الإيجابي ومنزلته في دعوة النور
. مقومات المجتمع الإنساني الآمن من منظور رسائل النور
. إحياء الأخلاق في الممارسة السلوكية عند النورسي
. مناهج التبليغ عند ورثة النبوة من منظور رسائل النور
10 - عنوان الملف: الأخلاق والوراثة
. المجاهدة والتوريث عند النورسي
. أواصر العناصر الكونية من منظور الأستاذ النورسي
. قاعـدة "الفنـاء في الإخـوان" في فكر بديـع الزمـان
9 - المقاصد في رسائل النور
. أساسيات منهج الفكر المقاصدي عند النورسي
. المقاصد القرآنية في فكر النورسي
. مقاصد القرآن من خلال رسائل النور
8 - أسرار العبرة والتعبير في رسائل النور
. منهج النورسى في شرح أسماء الله الحسنى
. نحو رؤية جديدة للدلالة النفسية لأسلوب التكرار في القرآن الكريم
. التاريخ عند بديع الزمان سعيد النورسي دراسة في التمثل والتفسير
. قواعد في تفسير القرآن عند النورسي من خلال إشارات الإعجاز
7 - النورسي والتصوف
. النورسى ورؤيته للتصوف المعاصر
. نظرات في الأدب الصوفي عند النورسي
. بديع الزمان سعيد النورسي والتصوف
. أهمية روحانية النورسي المتبصرة في عالم مادي متأزم
6 - دعوة رسائل النور
. دعوة رسائل النور: هل هي حركة؟ أم جمعية؟ أو جماعة؟
. المنهج العوفي وإعلاء كلمة الله عند بديع الزمان
. التبليغ والارشاد في رسائل النور
. العمل الإيجابي القاعدة الثابتة لعمر مديد
. المرأة الإصلاحية في فكر الشيخ النورسي
5 - الرؤية الحضارية في رسائل النور
. من الأسس الفكرية والحضارية في رسائل النور
. البعد العقدي لبنية الإنسان في فكر النورسي

النور للدراسات الحضارية والفكرية
 المركز الرئيسي:  

Kalendarhane Mah. Delikanli Sk. No: 6
Vefa 34134 Fatih - Istanbul / TURKIYE
 Phone: +90 212 527 81 81 - Fax: +90 212 527 80 80