العمل بإيجابية الأسس والعوائق -دراسة في رسائل النور-
العمل بإيجابية الأسس والعوائق -د

العمل بإيجابية الأسس والعوائق -دراسة في رسائل النور-

Action According to Positive Principles and Obstacles to Study in the Risale-i Nur

A B S T R A C T

Prof. Dr. 'Aziz Muhammad 'Idman

This scientific approach aims at providing a comprehensive perception of the concept of positive action in The Risale i-Nur, by researching its terminology, foundations and barriers.. Positive action is spiritual pleasure and eternal happiness resting upon faith, sincerity, conviction, coexistence with others, and humility. The term "positive action", from Nursi's perspective, is based on a number of principles and elements attributed to it such as honesty, the foundation of work and its essence, and the service of Quran as a great honorable duty.

The research also addresses the barriers to positive action such as envy, arrogance, laxity in religion, disagreement and discord, as well as other serious problems resident in human communities.

Nursi, not only reviews the reality he experienced with all its sufferings and aspirations; but he also presents a remedy for some of these chronic problems, guided by his experience in da'wa (preaching) and reform - to offer a bright model fit to resolve dilemmas of the contemporary world.

* * *

ملخص البحث

أ.د. عزيز محمد عدمان1

من مقاصد هذه المقاربة العلمية تقديم تصور شامل لمفهوم العمل الإيجابيّ في كليات رسائل النور من خلال البحث في اصطلاحه، وأسسه، وعوائقه. والمتأمل في رسائل النور يجد أن بديع الزمان سعيد النورسيّ قارب هذا الاصطلاح في تجلياته المختلفة، وتشعباته المعرفية المتشابكة. فالعمل الإيجابيّ لذة روحية، وسعادة أبدية قائمة على الإيمان، والإخلاص والقناعة، والتعايش مع الآخر، والتواضع. وقد استند هذا الاصطلاح إلى مجموعة من الأسس والمقومات التي شُدَّتْ إليه كالإخلاص وهو مِلاك العمل وقِوامه وعمدته، والخدمة القرآنية باعتبارها وظيفة شريفة جليلة.

كما عالج البحث عوائق العمل الإيجابيّ وسلبياته كالإسراف، والحسد، والكِبر، والمتاجرة بالدّين والاختلاف والخلاف وغيرها من الأمراض الفتّاكة بالمجتمعات البشرية.

ولم يكتفِ النورسيّ بمعاينة الواقع الذي عايش آلامه وآماله؛ وإنما قدّم العلاج الشافي لبعض هذه العلل المزمنة؛ مسترشداً بخبرته الدعوية، وتجربته الإصلاحية؛ ليقدّم نموذجاً مشرقاً يصلح لحل معضلات العالم المعاصر.

* * *

مقدمة:

لقد ارتبط مفهوم العمل الإيجابيّ البنّاء عند الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسيّ بالخدمة القرآنية باعتبارها أداةً للسمو الروحيّ في زمن كثر فيه التدمير، والتفجير، والتكفير. فالبناء المعنويّ هو مسلك إيجابيّ؛ لأنه يعصم المؤمن عن الفتك بالآخرين؛ فهو قيد عن الانفلات من الكمالات الروحية.

والمتأمل في رسائل النور يلفي أن بديع الزمان النورسي تحدث عن العمل في رسائله وهي: اللمعات، والمثنوي العربيّ النوريّ، والملاحق، والكلمات في مواضع متفرقة من الكليات.

وهو حديث نابع من تجربة شخصية في مجال الدعوة الإسلامية لمدة تزيد عن ثمانية وعشرين عامًا؛ وهي فترة عمرية كافية لوضع تصور شامل لمشكلات الأمة، وتشخيص أمراضها، واقتراح العلاج المناسب لهذه الآفات. فما هي مسوغات اختيار النورسيّ للعمل مسلكاً لمعاينة واقع الأمة؟ ولمَ قيّد العمل بالإيجابية والبناء؟ وهل هناك عمل غير إيجابيّ في مجال الدعوة الإسلامية؟ وما هي الموانع التي تحول دون بلوغ مرتبة الارتقاء المعنويّ والروحيّ؟ وهل يمكن للعمل الإيجابيّ من منظور النورسيّ أن يكون المخرَج المناسب لمشكلات العالم المعاصر؟

أولاً: العمل متعة، ولذة بيولوجية، وسعادة روحية:

انطلق الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسيّ -رحمه الله- في تقرير مشروعية العمل من رؤية بيولوجية تنمّ عن فلسفة قرآنية عميقة استند فيها إلى نصوص الوحي دون أن يذكر ذلك صراحة؛ ولعل الإشارة أبلغ من الإفصاح، والتعريض أوقع في النفس من التصريح؛ وهو يستلهم النص القرآنيّ في تجسيد فكرته؛ منطلقاً من قوله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾.الذاريات:21

فالعملُ قبل أن يكون قوة إنجازية في مجال من المجالات؛ فهو وقفة مع الذات في لحظة تأمل واعية مبصرة يستبطن العامل ذاته للقيام بهذه العبادة الطوعية التي تمتزج بمحبة قلبية، وشوق يفضي إلى سعادة أبدية.

ولعل من ثمار العمل الإيجابيّ الشعور بالأريحية، والسعادة النفسية؛ ولهذا لفت النورسيّ نظر الخامل السلبيّ إلى هذه النتائج المرتبة عن العمل فقال مخاطباً: "يا من لا يدرك مدى اللذة والسعادة في السعي والعمل.. أيها الكسلان! اعلم أن الحق تبارك وتعالى قد أدرج لكمال كرمه جزاء الخدمة في الخدمة نفسها، وأدمج ثوابَ العمل في العمل نفسه. ولأجل هذا كانت الموجودات قاطبة بما فيها الجمادات -من زاوية نظر معينة- تمتثل الأوامر الربانية بشوق كامل، وبنوع من اللذة، عند أدائها لوظائفها الخاصة بها والتي تطلق عليها " الأوامر التكوينية".2

إن المكافأة على الخدمة نابعة من العمل ذاته؛ ذلك أن المتعة واللذة الحاصلة من المكابدة هي الجزاء الأوفى؛ لأن الباعث على العمل هو الامتثال لأمر المولى تبارك وتعالى؛ ومن ثم فالطاعة طوعية لا إكراه فيها؛ بل إن الإقبال عليها بلذة، ومحبة هو واجب الامتثال لطبيعة الوظيفة ذاتها.

ولا جرم أن أداء المهمة، والوظيفة والانقياد للآمر هو قمة الإحسان الروحيّ والترقي المعنويّ في مراتب العرفان والإقرار بالفضل للمنعِم؛ وأكبر الظن أن التأمل الجاد في الخِلقة البشرية مدعاة لحصول هذه المتعة الروحية؛ وقد أشار سيد قطب -رحمه الله- إلى ثمرة العمل الإيجابيّ في توجيه قوله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾الذاريات:21 قائلا: "إنّ القرآن بمثل هذه اللمسة يخلق الإنسان خلقاً جديداً، بحس جديد؛ ويمتعه بحياة جديدة، ويهبه متاعاً لا نظير له في كل ما يتصوره في الأرض من متاع. (...) والإيمان هو الذي يمنح القلب البشري هذا الزاد، وهو الذي يهيئ له هذا المتاع العلوي. وهو بعد في الأرض في عالم الطين".3

وبتأمل حصيف، وإدراك لطيف لمخلوقات الكون نجد أن العمل البنّاء يتجاوز حدود البشر إلى: "كل شيء ابتداءً من النحل والنمل والطير.. وانتهاء إلى الشمس والقمر، كلٌّ منها يسعى بلذة تامة في أداء مهماتها".4

ولتعميق أثر العمل الإيجابيّ في حصول الأريحية لدى الإنسان والسعادة الأخروية يرى النورسيّ -رحمه الله- أنّ الإخلال بأداء الوظائف البيولوجية والروحية يفضي إلى ألم وحسرة؛ بيان ذلك أن العضو الذي يتقاعس عن أداء واجب النعمة، وفريضة الإحسان وولاء الطاعة للمنعِم يكون قد حرم اللذة المرجوة من العمل ذاته. وفي هذا السياق يدعو إلى وقفة تأمل وتدبر، وإجالة فكر مع خِلقة الإنسان قائلا: "تأمل في وظائف أعضائك وحواسّك، ترَ أنّ كلاًّ منها يجد لذائذ متنوعة أثناء قيامه بمهامه -في سبيل بقاء الشخص أو النوع- فالخدمة نفسها، والوظيفةُ عينها تكون بمثابة ضربٍ من التلذذ والمتعة بالنسبة لها، بل يكون ترك الوظيفة والعمل عذاباً مؤلماً لذلك العضو".5

لا ريب أن مفهوم العمل الذي يطرحه النورسيّ -رحمه الله- يتجاوز المفهوم النمطيّ السائد في الثقافة الإنسانية إلى رؤية تجعل من اقتران الوظيفة الروحية بالوظيفة الجسمانية بدافع الإيمان مصدر السعادة واللذة؛ لأن أداء الوظائف ضمن الحقيقة النورانية هو تجسيد للفطرة الإنسانية التي جُبلت على حب البقاء، والكمال، والسلامة.

فقد قيّد النورسيّ العمل الإيجابيّ بمتعة أبدية سرمدية؛ وهي لذة نابعة من دستور إلهيّ، وسُنة كونية؛ ولعل في الاقتداء بهذه السنن والامتثال لدساتير الخالق ما يكفي للتدليل على أن المؤمن إيجابيّ بحكم نص الدستور الإلهيّ: "المستريح العاطل شاكٍ من عمره والساعي المجدّ شاكرٌ".6

فالموازنة العادلة تقتضي أن الراحة الجسدية نتاج شخصية سلبية عطّلت مداركها، واستسلمت لشهوة عابرة وافتنان لحظيّ بمباهج الحياة الدنيا؛ في مقابل شخصية إيجابية فاعلة شاكرة حامدة للمنعِم المتفضل عليها بوظائف مفضية إلى راحة كبرى.

ويعلّل النورسيّ لهذه الموازنة بين العاطل، والفاعل في مشارب الحياة من منطلق الوظيفة الإيمانية التي هي مصدر اللذة، ومحرّك الإقبال على أداء رسالة العبادة والتوحيد.

يقول بديع الزمان سعيد النورسيّ: "يكون العاطل الكسلان الطريح على فراش الراحة أشقى حالاً وأضيق صدراً من السّاعي المجدّ؛ ذلك لأن العاطل يكون شاكياً من عمره، يريد أن يمضي بسرعة في اللهو والمرح. بينما الساعي المجدّ شاكرٌ لله وحامدٌ له، لا يريد أن يُمضيَ عمرَه سدًى".7

فالسعي نحو العمل الإيجابيّ؛ رغبة في لذة منتظرة، وسعادة مرتقبة حاصل من وعي تام وإدراك كامل بطبيعة الوظيفة المسندة للإنسان؛ ولهذا تبدو حياة الساعي المثابر طويلة تحرّكها الرغبة في المزيد من اللذائذ الروحية؛ بينما حياة العاطل حياة سلبية قصيرة تفتقر إلى وهج الدافعية، وحرارة الإنجاز.

وإذا كانت المتعة الحسية والمعنوية هي الدافع للارتقاء في مدارج السالكين طريق الحق؛ فإن العمل الإيجابيّ هو امتثال لأمر الله، وخضوع لطاعته. فالإقرار بنعمة البصر، ومتعة الإبصار هو العبادة السامية، والاعتراف بفضل الجليل القدير. فاللذة لا تحصل عفو الخاطر؛ وإنما بالنظر العميق الذي يفضي إلى إدراك وظيفة الإنسان في الكون؛ ومن ثم فَـ: "إنّ الفاطر الحكيم يدرج دساتير الكتاب المبين وأحكامه دَرجاً في غاية الجمال، ويُجمِلُها في غاية الاختصار، ضمن لذةٍ خاصة لذلك الشيء، وفي ثنايا حاجة مخصوصة له. فإذا ما عمل الشيء وفق تلك اللذة الخاصة والحاجة المخصوصة، فإنّه يمتثل -من حيث لا يشعر- أحكام ذلك الكتاب المبين".8

فالقانون الربانيّ هو خلاصة لعمل إيجابيّ بنّاء تحرّكه الحاجة لبلوغ السعادة واللذة المرجوة؛ وبعبارة أكثر بياناً؛ فإن: الصلاة إنجاز روحيّ يستوجبه الحكم الشرعيّ الملزم لأداء هذه الشعيرة على أحسن وجه وأتم صورة لتحصل المتعة.

والمستقرئ لبعض رسائل النور التي تناولت مفهوم العمل الإيجابيّ يجد أن النورسيّ لم يحدّد تحديداً دقيقاً هذا الاصطلاح؛ وهذا ليس قصوراً منهجياً -كما قد يتصور البعض-؛ وإنما لِعظم العمل في بناء الحضارات الإنسانية من جهة، ومركزيته في سعادة البشر من جهة أخرى؛ فقد تداخل هذا المفهوم بجملة من المفاهيم التي تؤلف بنية اصطلاحية متكاملة. فالعمل الإيجابيّ إخلاص، وعدالة، وقناعة، وتقوى، وبناء، ولذة روحية، واحترام الآخر، وغيرها من القيم الإيجابية الفاعلة والمثمرة.

ولئن ارتبط العمل الإيجابيّ بنسيج متداخل من المعاني، والدلالات إلا أنه ينصهر في بوتقة الإيمان الذي يتحلى به المؤمن من خلال الامتثال لأوامر الله تعالى لبلوغ مقام اللذة الروحية، والاستقرار الداخليّ.

ثانياً: أسس العمل الإيجابيّ:

تعددت أسس العمل الإيجابيّ ومقوماته بتعدد مشارب الحياة، والناظر في كليات رسائل النور يقف على جملة من الركائز التي تشدّ عضد العمل المنتِج؛ وإن كانت كثيرة إلا أن النورسيّ -رحمه الله- راعى في ترتيبها سلم الخدمة القرآنية التي توجّه أعمال الإنسان؛ ومن أبرز هذه الأسس:

الإخلاص:

لا يستطيع عارف بصير بمشكلات الأمة العربية والإسلامية في مجال الدعوة أن يقفز على هذه الحقيقة التي لامسها النورسيّ في مراحل حياته المثقلة بالآلام والآمال، وما كان يعتري أصحابه من فتور الهمّة، وحديث النفس، وتلبيس إبليس. فَلمَ قيّد العمل الإيجابيّ بالإخلاص؟ وهل الإخلاص ثمرة أم وسيلة لبلوغ درجة الصفاء الروحي والطهر المعنويّ؟

كثيرة هي الشوائب التي تمتزج بالعمل، وتختلط به اختلاطاً عجيباً لدرجة من التسويغ والتعليل؛ فهل يكفي الإخلاص لتخليص العمل مما يكدر صفوه؟

يعرّف أبو حامد الغزاليّ الإخلاص بقوله: "الإخلاص: ما استتر عن الخلائق وصفا عن العلائق وهذا أجمع المقاصد".9 وقد يكون من المناسب الوقوف عند هذا المفهوم؛ لأنه يعكس حقيقتين:

حديث النفس، وتلبيس إبليس مما يمنع من بلوغ درجة الاستتار؛ ومن ثم يفقد العمل إيجابيته؛ ولهذا يرى الغزاليّ أن الاهتداء إلى صفاء الروح مسلك دونه عقبات؛ وهي حقيقة نفسية لا مناص من الإقرار بسلطتها وهيمنتها على السلوك البشريّ؛ ومن ثم يرى الغزاليّ أن: "الإخلاص قلما يستيقنه العبد من نفسه وإنْ بالغ في الاحتياط".10

كثرة العلائق مفضية إلى العوائق.

فقيمة العمل في صفائه وخلوصه من الشوائب، والأكدار؛ ولا عبرة بكثرة الأعمال ما لم تكن خالصة لوجه الكريم؛ كما يرى النورسيّ؛ لأن: "ذرة من عمل خالص أفضل عند الله من أطنان من الأعمال المشوبة. فالذي يجعل الإنسان يحرز الإخلاص هو تفكّره في أن الدافع إلى العمل هو الأمر الإلهي لا غير، ونتيجته كسب رضاه وحده، ثم عدم تدخله في الشؤون الإلهية".11

إن الاحتياط من الوقوع في مصيدة الافتنان بالنفس هو التأمل الجاد في البواعث التي تحرك الرغبة في القيام بعمل من الأعمال؛ وبالحرص والمراقبة يرقى الإنسان إلى ذرة من الإخلاص. وأغلب الظن أنّ في انتقاء النورسيّ لهذه الفلسفة الكميّة (ذرة-أطنان) ما يعزز وعورة مسلك الإخلاص، ويجسد دقة مأخذه، وصعوبة ملتمسه. فما هي مؤشرات معرفة الإخلاص، وعلاماته وتجلياته؟

لقد لامس النورسيّ -رحمه الله- حقيقة الباعث على العمل الإيجابيّ؛ آية ذلك الفائدة المرجوة من العمل، والثمرة المنتظرة هي مؤشر الإخلاص، والاستحواذ بالفضل والانفراد بالعمل هو تحجيم للعمل ذاته، وتقليص لمساحات الاستفادة؛ فالمشاركة الجماعية في إسعاد البشرية هي ترجمة عمليةٌ للإخلاص. يقول النورسي: "إنّ الإخلاص في العمل ونشدان الحق فيه إنّما يُعرف بصدق الرغبة في إفادة المسلمين عامةً أيّا كان مصدر الاستفادة ومن أي شخص صدر. وإلاّ فحصر النظر بأن يؤخذ الدرس والإرشاد مني فقط لأفوز بالثواب الأخروي هو حيلة النفس وخديعة الأنانية".12

وظاهر من هذا النص الواقعيّ أن الخدمة الإنسانية ليست موقوفة على فرد بعينه؛ وإنما هي مبادرة جماعية بغض النظر عن مصدرها، وموقع صاحبها الدينيّ والاجتماعيّ ما دامت الفائدة حاصلة.

والناظر في مجال الدعوة الإسلامية المعاصرة يجد ما يزكي رأي النورسيّ في كثرة ظهور الزعامات، وعشق الاستحواذ على أعمال مشوبة بالرياء؛ رغبة في كثرة المريدين والأنصار والأتباع. وفي لجة هذه الأمراض النفسية، والحيل الشيطانية يتوارى الباعث الجوهريّ على العمل، وتختفي الرغبة الصادقة في خدمة المسلمين. فهل من مقتضيات العمل الإيجابيّ متعة الظهور ولذة الاستيلاء على رضا الناس؟ وهل العمل الخالص موقوف على فرد بعينه دون الآخرين؟

إن الافتقار إلى الله تعالى موجب لدرجة عالية من الاحتياط في الوقوع في مكر الأنانية، وحبال النفس ومصائدها؛ ولأن النورسيّ كان عاشقاً لله تعالى، حيث ذاق حلاوة القرب والأنس، وشاهد لأنه جاهد؛ فقد سَلكَ مسلك العارفين في التثبت من سُبل الصفاء؛ وتحري الحقيقة العرفانية؛ وهو المسلك ذاته الذي عبّر عنه الغزاليّ بقوله: "فإن الباعث للأكثر على نشر العلم لذة الاستيلاء والفرح بالاستتباع والاستبشار بالحمد والثناء والشيطان يلبس عليهم ذلك ويقول غرضكم نشر دين الله والنضال على الشرع الذي شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم".13

لا مناص لنا من الإقرار بهذه الحقيقة الناصعة في مجال العمل الإسلاميّ؛ ولعل كثر الجذل والحبور والأريحية بأعمال مشوبة برغبات دنيوية فانية هو الذي كدّر العمل، وأفقده إيجابيته وفعاليته في العالم الإسلاميّ.

فكلما نأى المرء بنفسه عما جبُل عليه من حب الظهور والاستحواذ والاستيلاء كان إلى العمل الإيجابيّ أقرب وبه ألصق؛ ولا يستطيع الإنسان أن يتخلص مما جُبل عليه من حب الرياسة إلا بنقاء السريرة؛ برهان هذا التعلق الدنيويّ بحظوظ النفس ومكاسبها العاجلة ما عبّر عنه الإمام الشاطبيّ -رحمه الله- (790هــــ): "فإن في العلم بالأشياء لذة لا توازيها لذة؛ إذ هو نوع من الاستيلاء على المعلوم، والحوز له، ومحبةُ الاستيلاء قد جُبلت عليها النفوس ومُيِّلت إليها القلوب".14

فاللذة المعنوية نتيجة طبيعية للتعبير عن هذا التعلق النفسيّ باكتشاف المجهول؛ إلا أن توجيه هذه اللذات لخدمة المسلمين دون رياء أو مقابل ماديّ هو العمل الإيجابيّ؛ ولهذا ورد في الحديث الشريف: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من تعلم علماً ممّا يُبتغى به وجه الله لا يتعلّمه إلاّ ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عَرَف الجنّة يوم القيامة".15

وقد عبّر النورسي عن هذه الفطرة المشروعة لدى الإنسان، والميل الطبيعيّ إلى دفع ألم القهر والسعي إلى إنجاز عمل إيجابيّ يتغلب به المؤمن على هذه الهواجس الشيطانية، والأطماع الدنيوية، وتحويلها إلى طاقة روحية منتجة فقال: "أحاسيس الإنسان المادية وهي أحاسيس مطموسة تعجبها اللذة العاجلة، فتفضّل ثمرة حاضرة على روضة آجلة من رياض الجنة الباقية، لهذا لا يسأل طلاب النور الأذواق الروحانية والكشفيات المعنوية في الدنيا. فلا تستغل النفس الأمّارة هذه الحالة الفطرية في الإنسان".16

وبمنطق الشرع والعقل فإن لذة روحية باقية أشهى من لذة عابرة لحظية تنقضي بانقضاء أسبابها ومقدماتها؛ إلا أن الشهوة الخفية، والهواجس المستترة في لاوعي الإنسان هي التي ترجّح المتعة الزائلة على حياة باقية سرمدية؛ وبين العاجل والآجل صراع أبديّ.

المشاركة في الأعمال الأخروية:

ينقل النورسيّ مفهوم العمل الإيجابيّ نقلة نوعية بعد أساس الإخلاص؛ ويَعدّه من الإمداد المعنويّ القائم على الإيمان والوفاء؛ فيرى أن الدعاء هو مشاركة روحية ومعنوية بعد أن كان امتثالاً لأوامر تكوينية أضحى مدداً روحياً وسنداً معنوياً. يقول النورسيّ -رحمه الله-: "فإن أعظم قوة لدينا -بعد قوة الإخلاص- هي قوة "الاشتراك في الأعمال الأخروية" إذ يكتب كل منكم في دفتر أعمال آخرته حسنات كثيرة مثلما يرسل بلسانه الإمداد والعون إلى قلعة التقوى وخنادقها".17

فالعمل الإيجابيّ يتجاوز إطار جهد الفرد إلى مشاركة في عمل أخرويّ قوامه الدعاء للآخرين؛ وقد أيقن النورسيّ بأن هذا السلاح هو سلاح بناء الأرواح، وحمايتها من التدمير والانهزامية.

العمل الإيجابيّ خدمة قرآنية مقدّسة:

من أبرز الأسس التي يستند إليها العمل البنّاء في كليات رسائل النور هو الخدمة القرآنية باعتبارها معراجاً لبلوغ المراتب السامية؛ فما هي مراتب هذه الخدمة وأنواعها؟

وصف النورسيّ العمل الإيجابيّ بخدمة قرآنية مقدسة؛ باعتباره رجلاً قرآنياً نشأ في محراب التقوى، وناضل من أجل تجسيد قيم العدالة الإنسانية؛ فهو يرى أن هذه الخدمة شريفة جليلة؛ وأنْ تكونَ خادماً للقرآن يعني من وجوه كثيرة الالتزام بقيم البناء، والتحلي بروح المبادرة في إسعاد الآخرين؛ ولا ينبغي أن تُفهم الخدمة القرآنية بمعزل عن السنة النبوية الشريفة التي هي امتداد وترجمان لهذه الخدمة. وقد قسّمها النورسي إلى ثلاثة أنواع: "النوع الأول: تهيئة وسائل العمل والخدمة، وسَوق العاملين فيها إلى الخدمة. النوع الثاني: ردّ الموانع من حولها، ودفع الأضرار عنها، وتأديب من يعيق سيرها، بإنزال عقوبات بهم (...) النوع الثالث: هو أنّ العاملين المخلصين في هذه الخدمة القرآنية لما يعتريهم الفتور والإهمال في العمل يأتيهم التحذير والتنبيه فيتلقون لطمة ذات رأفة وعطف، وينتبهون من غفلتهم، ويسرعون بجد للخدمة مرّة أخرى".18

فخدمة القرآن فضاء من الطهر والسموّ الروحيّ، والأخلاقيّ؛ وفي تأكيد النورسيّ هذه الأنواع ما يقوم دليلاً ساطعاً على أن القداسة في العمل لا تنطلق من فراغ أو عدم؛ وإنما هي بيئة صافية فيها من وسائل العمل المشروعة، والنقية ما يفضي إلى الإخلاص. ولصيانتها من شوائب النفس، وهواجس الهوى لا بد من تخليصها من أكدار الإهمال والتقاعس؛ فهي خدمة شرعية روحية يترتب عن الترهل في القيام بها عقوبات ربانية تأديبية فيها من اللطف الإلهيّ، والإحسان الربانيّ ما يرشد إلى مكمن الإهمال؛ فيسرع العامل المخلص إلى تصحيح مسلكه، والالتزام بمنهج الاستقامة؛ لأن خدمة القرآن سامية كالجواهر تسمو عن السياسات الدنيوية؛ بل إن الخوض في السياسة يفقد الخدمة قداستها وألقها ونفاستها.19

التقوى والعمل الصالح:

لعل من مقتضيات العمل الإيجابيّ أن يكون عملاً منتجاً روحياً؛ فلا تكفي الخدمة القرآنية بأنواعها الثلاثة ما لم تكن التقوى رافداً لها؛ وقد مزج النورسيّ بين التقوى والعمل الصالح؛ لتحقيق مقصد الخيرية والطاعة. "فالتقوى: هي ترك المحظور والاجتناب عن الذنوب والسيئات. والعمل الصالح: هو فعل المأمور لكسب الخيرات. ففي هذا الوقت الذي يتسم بالدمار -الأخلاقيّ والروحي- وبإثارة هوى النفس الأمّارة، وبإطلاق الشهوات من عقالها.. تصبح التقوى أساسًا عظيماً جداً بل ركيزة الأسس، وتكسب أفضلية عظيمة حيث إنها دفع للمفاسد وترك للكبائر".20

إن القراءة المتأنية الهادئة لهذا الأساس تقودنا إلى الاعتراف بأن هذين التعريفين للتقوى والعمل الصالح في غاية التحقيق. بيان ذلك أن التقوى والعمل الصالح في غياب القيم الأخلاقية والروحية، وكثرة الانحرافات والضلالات تغدو أكثر من ضرورة؛ باعتبارها أداة للتقويم والإصلاح والإرشاد. فالمفسدة والكبائر قوتان تدميريتان لقيم الفضيلة، والتقوى طاقة التشييد والبناء التي تحصّن الأمة من الزوال، وتحميها من الاندثار.

فالتقوى فعل إيجابيّ لها قوة الحضور ودفع مخاطر التدمير التي تحدق بالأمم في زمن الفتن والأوهام والمصائب؛ ولعل التقوى هي الطاقة المحرّكة للعمل الصالح التي تشحنه بقيم الاستقامة والانضباط. ولِعِظم التقوى والعمل الصالح يرى الإمام الماورديّ -رحمه الله- (450هـ) أنّ: "أعظم الأمور خطراً وقدْراً، وأعمها نفعًا ورِفدًا، ما استقام به الدين والدنيا، وانتظم به صلاح الآخرة والأولى، لأنّ باستقامة الدين تصح العبادة، وبصلاح الدنيا تتمّ السعادة".21

ثالثاً: عوائق العمل الإيجابيّ:

شخصية بديع الزمان النورسيّ شخصية واقعية تستمد واقعيتها من معاينة دقيقة لتقلبات الأمة العربية والإسلامية؛ فقد كانت حياته بمراحلها القاسية والقاهرة مدعاة للتأمل في مسار العمل الإسلاميّ في مجال الدعوة.

ومن منطلق خبرته الدعوية والفكرية والإصلاحية والجهادية اهتدى إلى جملة من العوائق التي كانت تعترض مسيرة النضال؛ وهي عوائق لا تخلو منها حركة إصلاحية؛ إلا أن النورسي لم يكتف بالمعاينة؛ بل عايش هذه الهموم معايشة فكرية، وخالطها مخالطة وجدانية صادقة من منطلق المعاينة للغاية؛ ليقدم الحلول المناسبة بعد تشخيص حاذق ماهر، ومن أبرز هذه العوائق ما يأتي:

الإسراف:

قد لا نبالغ إذا جنحنا إلى القول بأن: في كليات رسائل النور لبديع الزمان سعيد النورسيّ إشارات وافية لفلسفة اقتصادية متكاملة؛22 يجد المتأمل فيها رؤية قرآنية عميقة لفلسفة ترشيد الإنفاق الماليّ والاقتصادي. وليس هذا موضع بسط القول فيها، وحسبنا أن نشير إلى علاقة العمل الإيجابيّ بالإسراف الذي يُعدُّ عملاً سلبياً.

ولا مرية في أنّ الحرص يورث أهله الفقر، ويحرم الحريص من نعمة السعادة، ولذة الشكر والقناعة؛ وقد قدّم النورسيّ معالجة اقتصادية تشريحية للإسراف باعتباره آلة تدميرية تغرس في نفس العاطل روح الانهزامية والترهل؛ فقال: "إنّ الإسراف ينتج الحرص، والحرص يؤكّد ثلاث نتائج: أولاها: عدم القناعة. وعدم القناعة هذا يُثني عن السعي وعن العمل، بما يبثّ في نفس الحريص من الشكوى بدلاً من الشكر، قاذفاً به إلى أحضان الكسل (...) النتيجة الثانية للحرص: الخيبة والخسران. إذ يفوّت مقصود الحريص ويتعرض للاستثقال ويُحرم من التيسير والمعاونة. (...) النتيجة الثالثة: إنّ الحرص يتلف الإخلاص ويفسد العمل الأخروي".23

إن القراءة الواعية للوضع الاقتصاديّ العالميّ تؤكد أن الإسراف هو منبع الأزمة العالمية التي مست الدول العربية والإسلامية أكثر من غيرها؛ إذ أصبحت نموذجاً للعطالة والبطالة؛ فأفرزت جيلاً من الشباب استكان للكسب غير المشروع، وآنس إلى الكسل الذي قاده إلى التطرف والإرهاب.

فالحرص هو إفراز طبيعيّ لشخصية مريضة لا تقنع بالقليل، وتطمع في المزيد؛ وتستعذب الشكوى، وتتلذذ بألم عدم القناعة؛ وهو المسلك الذي يفضي إلى الكسل والملل والكآبة؛ فيتوقف العاطل عن السعي إلى الرزق الحلال؛ ومن ثم يفتر وهج العقيدة، والإيمان، والاطمئنان إلى القضاء والقدر.

فالعمل الأخرويّ موقوف على القناعة باليسير؛ لأن الإسراف هو تنفيس عن الرغبة الجامحة للاستحواذ والاستيلاء غير المشروع؛ والنفس البشرية مجبولة على حب العاجل. ولقد صدق الشاعر أبو ذؤيب الهذليّ:

"والنفس راغبةٌ إذا رغبتَها وإذا تُردُّ إلى قليل تقنعُ."24

وفي مقابل الإسراف باعتباره عملاً سلبياً يقترح النورسيّ الاقتصاد -ليس بوصفه تخصصاً معرفياً-؛ وإنما هو وسيلة للكسب المشروع، ومناف للحرص على متاع الدنيا؛ بل إنه يرى في الاقتصاد استقلالية القرار الشخصيّ، وسيادة الإنسان. فكيف يكون الاقتصادُ منتجاً للعزة الإنسانية؟

يقول النورسيّ: "أمّا الاقتصاد فإنه يثمر القناعة، والقناعة تنتج العزة، (...) كما أنه يشحذ الشوق والعمل ويحث عليهما ويسوق سوقاً إلى الكدّ وبذل الجهد فيهما".25

ولا نجانب الصواب إذا قلنا: إن ربط الاقتصاد بالعزة البشرية هو منتهى الأنفة السياسية والفكرية والاقتصادية؛ ذلك أن استعذاب الشكوى بدافع الحرص هو قمة الذلّة، وهوان السؤال، والتبعية؛ فالقناعة بلغة اقتصادية هي مظهر من مظاهر تحرر البشر من عبودية الاستكانة، وسلطة القهر والغلبة.

الحسد والغرور والأنانية (قراءة نفسية تحليلية علاجية):

تناول النورسيّ باستفاضة -بحكم خبرته الدعوية الطويلة- أمراض الحسد والغرور والأنانية؛ وهي من العلل المفسدة لفطرة الإنسان، ونقاء معدنه. فما حقيقة الحسد؟ يعرّف الماورديّ الحسد بقوله: "شدة الأسى على الخيرات تكون للناس الأفاضل، وهو غير المنافسة، (...) لأن المنافسة طلب الشبه بالأفاضل من غير إدخال ضرر عليهم، والحسد مصروف إلى الضرر، لأن غايته أن يعدَم الأفاضل فضلهم".26

يفرّق الماورديّ بين الحسد الذي قِوامه تمني زوال نعمة أصحابها، والمنافسة التي هي مقصد نبيل؛ لأن محرّكها الغبطة في بلوغ مرتبة الأشراف من الناس؛ إلا أن النورسيّ يذكر المنافسة باعتبارها نتيجة من نتائج الحسد؛ بيد أنّ المتأمل في علاجه لهذه الظاهرة يلفي أنه يقصد المنافسة غير الشريفة. يقول النورسيّ: "وإذا ما كان ثمة غرور وأنانية في النفس يتوهم المرء نفسه محقاً ومخالفيه على باطل فيقع الاختلاف والمنافسة بدل الاتفاق والمحبة، وعندها يفوته الإخلاص ويحبط عمله ويكون أثراً بعد عين".27

فسلامة العمل من هوى النفس، وسلطان الكبرياء، عماده الإخلاص، والتواضع مع الآخرين، وقبول الرأي الآخر في رحاب المحبة، والأنس، والألفة. وبالحد الأدنى من الانسجام والتوافق تذوب أوهام النفس، وتتوارى الأنانية المقيتة، وحب الظهور، وغلبة الشعور بالتفوق، والاستبشار بالتألق الموهوم.

ولا جرم أن حلبة المنافسة الشريفة النبيلة التي تحرّكها هِمم جليلة، ومكارم جزيلة لا تسمح بطغيان السلطة الفردية والتسلط النفسيّ البغيض. ولعلاج هذه الآفة المزمنة، يقترح النورسيّ تسعة أمور؛ نوجزها فيما يأتي:

"1- العمل الإيجابيّ البنّاء، وهو عمل المرء بمقتضى محبته لمسلكه فحسب (...)

2- أن يتحرى روابط الوحدة الكثيرة التي تربط المشارب المعروضة في ساحة الإسلام -مهما كان نوعها-(...)

3- اتخاذ دستور الإنصاف دليلاً ومرشداً، وهو أنّ صاحب كل مسلك حق يستطيع القول: "إن مسلكي حق وهو أفضل وأجمل" من دون أن يتدخل في أمر مسالك الآخرين (...)

4- العلم بأن الاتفاق مع أهل الحق هو أحد وسائل التوفيق الإلهي وأحد منابع العزة الإسلامية (...)

5- الحفاظ على الحق والعدل بإيجاد شخص معنويّ (...)

6- ولأجل إنقاذ الحق من صولة الباطل:

7- ترك غرور النفس وحظوظها.

8- وترك ما يُتصور خطأً أنّه من العزة والكرامة.

9- وترك دواعي الحسد والمنافسة والأحاسيس النفسانية التافهة."28

دستور كامل جامع لعلاج آفة الحسد والغرور والأنانية؛ ومنطلق هذا العلاج الشافي هو العمل الإيجابيّ البنّاء؛ لأن الإيجابية بمفهومها الأخلاقيّ والنورانيّ تمنع من بروز هذه الأمراض الفتّاكة؛ وهي في مجملها من أوهام النفس، وتلبيس إبليس. ولعل من الصعوبة بمكان أن تتجسّد معالم هذه النظرية الروحانية في واقع المسلمين اليوم لغياب الشخصية الاعتبارية والمعنوية والروحية التي تقوم مقام النورسيّ. فحبُّ الزعامة، وغياب الأخوة الإسلامية، وعشق التفرد بالرأي الشخصيّ، وجنون لذة الظهور، والتعصّب، والأنانية، وإقصاء الآخر، والخوض في أعراض المؤمنين واحتقارهم، وغيرها من رذائل الصفات تحول دون تحقيق هذا المشروع الإصلاحيّ الجاد.

يقدّم النورسيّ -رحمه الله- تفسيراً مشرقاً لبواعث الحسد ودواعيه، من خلال ملابسات العمل المنجَز في مجال الدعوة الإسلامية؛ فيرى أن حظوظ النفس، وشهواتها في الحسد والغبطة إنما تتجلى عند نهاية الخدمة القرآنية. يقول النورسيّ: "اعلم! أنّ عِرق الرقابة والغبطة والحسد إنّما يتحرك عند أخذ الأجرة وتوزيع المكافأة وملاحظتُها. وأما عند الخدمة وفي وقت العمل فلا، بل الأضعف يحب الأقوى، والأدنى يميل إلى الأعلى، ويستحسن تفوقه عليه، ويحب زيادته في الخدمة عليه؛ لأنه يتخفف عنه ثقلُ الخدمة وكُلفة العمل".29

فلِمَ تختفي هواجس النفس الأمّارة بالسوء أثناء العمل؟ وتظهر عند المكافأة؟

إن المشاركة الروحية والأخوية والوجدانية أثناء العمل الصادق تقمع النفس من الحركة؛ بل تحاصرها؛ لأن الجميع انصهر في بوتقة الإيمان، وتحوّل فريق العمل إلى رجل واحد يحمل أعباء العمل؛ فذابت وساوس النفس، واحترقت حبال الغرور بنار المحبة والتقوى. فتغدو نفوس العاملين بريئة من المنافسة غير الشريفة، لأن الخدمة القرآنية جامعة للنفوس؛ إلا أن حركة النفس تظهر عند نهاية العمل، وقد تبدد جو المشاركة الجماعية؛ فعاد كل عامل إلى حظوظه النفسية لينال أُجرة ما قدّم.

غياب الإيمان مانع من بلوغ مرتبة الإحسان الإلهيّ:

يركّز النورسيّ على الإيمان بوصفه وظيفة جليلة شريفة تقوم على الاستمداد والإمداد؛ فيستمد الإنسان إيمانه من الحقيقة النورانية، ويمدّ إيمان إخوانه بعناصر المتانة والفاعلية. وبين هذين القطبين يبلغ المؤمن درجة الإحسان المنشودة؛ وهي التخلق بالكمالات الإلهية، والتحلي بالنور.

فغياب الإيمان مصدر كل العوائق التي تحول دون قيام العمل الإيجابيّ البنّاء؛ والإيمان بالله هو مرتبة عالية من الصفاء الروحيّ؛ لا مجال فيها للحسد والاستعلاء والحقد؛ فمن استمسك بالعبودية الحقة صفتْ نفسه، وسمتْ مشاعره وتألم لآلام الآخرين. فلِمَ عُدّ الإيمان أشرف إحسان؟

لا جدال في أن بلوغ مرتبة الإحسان الإلهيّ تعصم المؤمن الحق من أذى إخوانه؛ بل تمنعه من الاستبداد بهم مادياً ومعنوياً؛ لأن مقام العبودية لله من المقامات الموجبة للتواضع، والانكسار، والإخلاص في خدمة الآخرين؛ فالذي يمنح لبعض المسلمين سلطة القهر، والإكراه والتسلط على إخوانه؛ إنما هو الخواء الروحيّ، ومن ثم تبرز نوازع الشر والانتقام؛ لأنه انفلت من عقال الفضيلة الخلقية والإيمانية. يقول النورسيّ: "إنّ أعظم إحسان أعدّه في هذا الزمان وأجلّ وظيفة، هو إنقاذ الإنسان لإيمانه والسعي لإمداد الآخرين بالقوة. (...) ينبغي لأهل الحقيقة في هذا الزمان نكران الذات، ونبذ الغرور والأنانية، وهذا هو الإلزام لهم، لأن أعظم خطر يتأتى في هذا العصر، إنّما يتأتى من الأنانية والسمعة، فعلى كل فرد من أفراد أهل الحق والحقيقة أن ينظر إلى تقصيرات نفسه ويتهمها دائمًا ويتحلى بالتواضع التام".30

فَشرفُ الانتساب لأهل الفضيلة والحق، والحقيقة النورانية، يوجب التخلق بكمالات أهل الإحسان الروحيّ؛ ومن ذاق حلاوة الإيمان، واغترف من معين الصفاء تحلى بالتواضع، وأرغم نزواته وشهواته أن تنقاد مطيعة للحق مستجيبة لنداء الفضيلة.

ولا ينبغي أن يعزب عن بالنا أن العمل الإيجابيّ المنضبط على الفضيلة الإيمانية هو مظهر من مظاهر العدل والإنصاف والافتقار إلى الله تعالى. ومن الطريف أن يربط النورسيّ إنقاذ الإيمان بمقام الإحسان؛ لأن في الإحسان ما يكفي لتجسيد قيم السلم والأمن والاستقرار بين البشر؛ ومن ثم قمع شهوات التدمير والتفجير؛ وبهذا المعنى يتحول المؤمن إلى طاقة بنّاءة منتِجة تعشق أسباب السعادة الدنيوية والأخروية، وتسعى إلى إسعاد البشرية جمعاء.

فقد كشف النورسيّ -رحمه الله- عن أثر الإيمان في نشر السّلم قائلاً: "إنّ الفضيلة المتسمة بالإيمان، كما لا تكون سببًا للإكراه، لا تكون سببًا للاستبداد قطعًا. إذ الإكراه والقسر والتسلط على الآخرين، رذيلة ليس إلاّ، بل إنّ أهم مشرب لدى أهل الفضيلة هو الاندماج في المجتمع بالعجز والفقر والتواضع".31

وكأن النورسيّ يشير من طرف خفيّ إلى الإيمان بوصفه وسيلة للتعايش بين المجتمعات البشرية؛ فالفضيلة مانعة من طغيان شهوات الاستحواذ والاستيلاء والتجبّر؛ بل إن القيم الإيمانية هي وسيلة المشاركة والتفاعل الإيجابيّ والاندماج في الوسط الاجتماعيّ؛ ذلك أن الإكراه والقهر تعبير عن عزلة المرء، وعجزه عن الذوبان في الحياة بكل تواضع وانكسار.

جعل الدين وسيلة لمكاسب مادية:

لا يستطيع ناظر أمين، وباحث مكين في شؤون الدعوة الإسلامية المعاصرة أن ينكر هذا الداء المزمن عند كثير من الدعاة؛ وهو داء التكسّب من الدين، واتخاذه مورد رزق غير مشروع.

وقد اهتدى النورسيّ إلى هذه المعاينة الجليلة من خلال مسار دعويّ شاق تخللته انكسارات وانتصارات؛ فوقف على هذه الآفة المنتشرة في بلاد المسلمين؛ حيث كثر الفقهاء والدعاة والمفكّرون والمصلحون كثرة مذهلة تبعث على إلطاف النظر في هذا المسلك الطارئ.

ثم إنّ التعفّف والاستغناء عمّا في أيدي الناس هو ذروة المروءة، وقمّة الافتقار إلى الله تعالى. فَلِمَ أضحى الدّين في العالم الإسلاميّ سجّلاً تجارياً، ومغنماً، وربحاً طائلاً؟

يرى النورسيّ أن الخدمة القرآنية لا تسمح بهذه المتاجرة؛ لأنها خدمة مقدسة، تروم ثمرة آجلة لا عاجلة؛ فكل من تخلّق بأخلاق العلماء العارفين والعاشقين لله تعالى أبى أن يستثمر في الدين؛ لأنه استثمار غير مشروع؛ ذلك أن طبيعة الخدمة ذاتها تأبى الانقياد لحظوظ النفس، وترقّب المكافأة الفانية الآفلة.

ولا يحتاج الأمر إلى أكثر من مراجعة سجل بعض الدعاة في زمن الاتصالات الرقمية والانفجار المعرفيّ الهائل في مجال المعرفة؛ ليقف بنفسه على غياب الإخلاص، وطغيان حب الظهور، وشهوة الفرح بالاستتباع. وفي هذا السياق يقول النورسيّ: "الحقائق الإيمانية والخدمة النورانية المقدسة تأبى أن تكون وسيلة لأي شيء كان في الكون، ولا يمكن أن تكون لها غاية إلاّ رضى الله سبحانه. وفي الحقيقة، إنه من الصعوبة بمكان، الحفاظ على سرّ الإخلاص في خضم الصراعات المتنافرة للتيارات الحالية، ومن العسير الحيلولة دون جعل الدين وسيلة لمكاسب دنيوية، لذا فإنّ أفضل علاج لهذا هو الاستناد إلى العناية الإلهية وتفويض الأمر إلى توفيق رب العالمين بدلاً من الاستناد إلى قوة التيارات الحالية".32

وظاهر من كلام النورسيّ أنّ التوفيق في العمل الإيجابيّ مرده إلى الله تعالى؛ وهو أعلم بصفاء قلوب عباده؛ ولعل تضارب التيارات وكثرة الملل المتناحرة من أجل الظهور قد تحجب إيجابية العمل، وتضعف من درجة إخلاصه.

ونرى أن التمسك بمفهوم الخدمة القرآنية، والتخلّق بآدابها هو المنهج الأسلم من الرياء ولذة البقاء؛ لأن خادم القرآن إذا أيقن أنه يقوم بوظيفة مقدّسة شريفة؛ وهي الامتثال لأمر الله تعالى، ونيل رضاه ذاق طعم الصفاء، واختفت شهوة المكافأة المادية المتنظرة. فهو خادم لرب العزة الجليل القدير، وليس خادماً لغيره من العباد؛ ومن هنا تكمن أهمية إدراك طبيعة الخدمة الإيمانية، ومآلاتها.

الخلاف والاختلاف:

من أبرز عوائق العمل الإيجابيّ من منظور النورسيّ المنافسة غير الشريفة بين أفراد أهل الحقيقة. وأمر طبيعيّ في كل دعوة إسلامية أن تجمع بين دفتيها بعض العناصر التي هي من الدهماء تتسبب في تعطيل مسار الدعوة لقصور في أفهامهم، وعجز عن إدراك حقيقة الخدمة القرآنية. وهؤلاء هم مصدر الخلاف والاختلاف؛ لأن أهل الفضل والحق على قلب رجل واحد من العمل البنّاء؛ إلا أن تسرّب البعض إلى فضاء الدعوة بدوافع ذاتية وشهوات شيطانية قد يفقد مشروعية الخدمة؛ ولعله ينتقص من إنجازاتها. وفي هذا المضمار يقول النورسيّ: "إنّ أهل الحقيقة لم يتمكنوا من الحفاظ على الفضائل والمكارم التي يحصلون عليها من تمسكهم بالحقيقة ولم يستطيعوا البقاء والثبات ضمن منافسة شريفة في سبيل الحق بتسلل القاصرين في هذا الميدان؛ لذا فقد أساءوا -بعض الإساءة- إلى تلك الصفات المحمودة، وسقطوا في الاختلاف والخلاف نتيجة التحاسد فأضروا أنفسهم وجماعة المسلمين أيّما ضرر".33

فالدهماء وحشو الناس إذا تسللوا إلى ميدان الدعوة عطّلوا فعاليتها، واعترضوا سريان مفعولها؛ وهذا مشاهُد في كثير من الدول العربية عندما يتصدر المفتي للإفتاء قبل أوانه؛ فيتصدى لهوانه؛ ومن ثم ينبغي تصفية جماعة المسلمين مما يكدّر من مشاربهم، ويلهيهم عن القضايا الجوهرية الكبرى. فعشق الإفتاء، وشهوة الاستبشار بثناء الناس على هؤلاء القاصرين هو مصدر تشويه للحقيقة النورانية المقدسة.

الخاتمة:

التحقيق أن هذه المقاربة المتواضعة قد لا تفي بالغرض المقصود من الاستفاضة المعرفية، والإشباع العلميّ في استجلاء حقيقة العمل الإيجابيّ البنّاء، واستكشاف أسسه وعوائقه؛ ذلك أن كليات رسائل النور بحر من الدرر، والجواهر التي يعجز باحث غمر ناشئ عن الغوص في محيطاتها. وحاصل الكلام جملة من النتائج الآتية:

العمل قدرة تفضي إلى لذة روحية، والعطالة عجز عن إدراك الحقائق النورانية.

العمل الإيجابيّ البنّاء قوامه الإخلاص، والامتثال لأوامر الله تعالى.

الخدمة القرآنية المقدّسة عمادها العمل الإيجابيّ.

الإسراف رذيلة، والقناعة فضيلة العمل الإيجابيّ.

الحسد والغرور والعُجب والتفاخر قيم مدمّرة للعمل الإيجابيّ.

الفضيلة المتّسمة بالإيمان وسيلة لبلوغ مرتبة الإحسان.

المتاجرة بالدِّين لمكاسب دنيوية منافٍ لقيم أهل الحق والفضيلة.

قِصر النّظر يفضي إلى فساد المعتبر كما هو شائع عند أهل الخلاف والاختلاف.

* * *

المصادر والمراجع:

1 القرآن الكريم، مصحف المدينة النبوية للنشر الحاسوبيّ.

2 أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، بدوي طبانة، مكتبة ومطبعة كرياطه فوترا، إندونيسيا (د.ت).

3 ديوان الهذليين، مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، 1995م، الطبعة الثانية.

4 بديع الزمان سعيد النورسي، كليات رسائل النور، المثنوي العربي النوري، تحقيق إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر، مصر، 1415هـــ-1995م، الطبعة الأولى.

5 بديع الزمان سعيد النورسي، كليات رسائل النور، المكتوبات، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر، مصر، 2001م، الطبعة الثالثة.

6 بديع الزمان سعيد النورسي، كليات رسائل النور، الملاحق في فقه دعوة النور، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر، مصر، 1999م، الطبعة الثالثة.

7 بديع الزمان سعيد النورسي، كليات رسائل النور، اللمعات، تحقيق إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر، (د.ت).

8 سليمان بن الأشعث السجستاني، سنن أبي داود، تحقيق شعيب الأرنؤوط ومحمد كامل قرة بللي، دار الرسالة العالمية، السعودية، 1430هـــ-2009 م، الطبعة الأولى، أو ل كتاب العلم باب في طلب العلم لغير الله عز وجل.

9 سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، 1423هـــ- 2003م، الطبعة الشرعية الثانية والثلاثون، المجلد السادس، الجزء السادس والعشرون.

10 الشاطبيّ، الموافقات، ضبط نصّه وقدّم له وعلّق عليه وخرّج أحاديثه أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار عفان للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، 1417هـــ /1997م، الطبعة الأولى، المجلد الأول.

11 الماوردي، أدب الدين والدنيا، شرح وتعليق محمد كريم راجح، دار اقرأ، بيروت، 1405هـ/ 1985م، الطبعة الرابعة.

* * *

الهوامش:

1 باحث أكاديميّ جزائريّ، وأستاذ بجامعة نجران بالمملكة العربية السعودية.

2 بديع الزمان سعيد النورسي، كليات رسائل النور، اللمعات، تحقيق إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر،[د.ت]،ص: 188. والعبارة ذاتها وردت بألفاظ متقاربة في المثنوي العربي النوري، ص: 274.

3 سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، 1423هـــ- 2003م، الطبعة الشرعية الثانية والثلاثون، المجلد السادس، الجزء السادس والعشرون، ص: 3380-3381.

4 بديع الزمان سعيد النورسي، اللمعات، ص: 188.

5 المصدر نفسه، ص: 189.

6 المصدر نفسه، ص: 191.

7 المصدر نفسه، ص: 191.

8 المصدر نفسه، ص: 192.

9 أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، بدوي طبانة، مكتبة ومطبعة كرياطه فوترا، إندونيسيا، الجزء الرابع، ص: 370.

10 المصدر نفسه، ص: 374.

11 بديع الزمان سعيد النورسي، اللمعات، ص: 201. يقول النورسي عن عواقب الرياء: "وإذا ما ارتاح المرء لتوجه الناس إليه فقد ضيّع الإخلاص ووقع في الرياء". اللمعات، اللمعة العشرون، هامش ص: 226.

12 المصدر نفسه، ص: 230-231.

13 أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، ص: 369.

14 الشاطبيّ، الموافقات، ضبط نصّه وقدّم له وعلّق عليه وخرّج أحاديثه أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار عفان للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، 1417هـــ /1997م، الطبعة الأولى، المجلد الأول، ص: 86.

15 سليمان بن الأشعث السجستاني، سنن أبي داود، تحقيق شعيب الأرنؤوط ومحمد كامل قرة بللي، دار الرسالة العالمية، السعودية، 1430هـــ-2009 م، الطبعة الأولى، أو ل كتاب العلم باب في طلب العلم لغير اللّٰه عز وجل، الجزء الخامس، ص: 550، رقم الحديث: 3664.

16 بديع الزمان سعيد النورسي، كليات رسائل النور، الملاحق في فقه دعوة النور، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر، مصر، 1999م، الطبعة الثالثة، ص: 273.

17 المصدر نفسه، ص: 170-171.

18 النورسي، اللمعات، ص: 67.

19 ينظر بديع الزمان سعيد النورسي، المكتوبات، المكتوب الثالث عشر، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر، مصر، 2001م، الطبعة الثالثة، ص: 59. وينظر المصدر نفسه، ص: 61-78-88.

20 النورسي، الملاحق في فقه دعوة النور، ص: 169.

21 الماوردي، أدب الدين والدنيا، شرح وتعليق محمد كريم راجح، دار اقرأ، بيروت،1405 هـ/1985م، الطبعة الرابعة، ص: 5.

22 يجد المتأمل في كليات رسائل النور تركيز النورسي على الاقتصاد والقناعة وتجنب الإسراف؛ فقد أفرد رسالة كاملة تعد دستوراً شاملاً في الاقتصاد، وترشيد الإنفاق؛ إذ خص اللمعة التاسعة عشرة لـ: "رسالة الاقتصاد " لخّصها في سبع نكات من ص: 211 إلى ص: 224.من رسالة اللمعات؛ وهي رسالة تعكس رؤية اقتصادية معاصرة.

23 النورسي، اللمعات، ص: 220-222.

24 ديوان الهذليين، مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، 1995م، الطبعة الثانية، القسم الأول، ص: 3.

25 بديع الزمان سعيد النورسيّ، اللمعات، ص: 222.

26 الماوردي، أدب الدين والدنيا، ص: 278-279.

27 النورسي، اللمعات، ص: 228. لمزيد من التفصيل في خمس مسائل صارت مدار الالتباس. ينظر اللمعات، ص: 198- 200، 202-204.

28 المصدر نفسه، ص: 228-229.

29 النورسي، كليات رسائل النور، المثنوي العربي النوري، تحقيق إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر، مصر، 1415هـــ-1995م، الطبعة الأولى، ص: 376.

30 بديع الزمان سعيد النورسيّ، الملاحق، ص: 259-260.

31 بديع الزمان سعيد النورسيّ، اللمعات، ص: 259.

32 بديع الزمان سعيد النورسيّ، الملاحق، ص: 243-244.

33 بديع الزمان سعيد النورسيّ، اللمعات، ص: 239.


 

أرشيف ملف العدد

16 - العمل الإيجابي 2
. دور الفعل الايجابي في توجيه قانون التضاد لبناء عالم أفضل
. الجهاد الفكري وعلاقته بالعمل الإيجابي في رسائل النور
. الأبعاد الإيجابية لمفهوم الجهاد في ضوء رسائل النور
. غياب العمل الإيجابي أو تغييبه في حياة المسلمين المعاصرة
15 - الإيجابية والعمل الإيجابي في رسائل النور
. الأسس الشرعية لمنهج العمل الإيجابي البناء
. مصطلح الإيجابية في رسائل النور
. الإيجابية في مقاصد العبادات ودورها في بناء عالم أفضل...
. التوجيه الإيجابي للأحاديث النبوية في رسائل النور
. النظرة الإيجابية وأهميتها في تحصين الدعوة عند الأستاذ النورسي
14 - بعض قضايا الفكر الإسلامي في رسائل النور
. العمل بإيجابية الأسس والعوائق -دراسة في رسائل النور-
. الحداثة البديل عند بديع الزمان النورسي
. ثقافة البيئة في الفكر الإسلامي من خلال مدرسة بديع الزمان النورسي
. موقـف رسائل النـور من منهـج الفلاسـفة واللاهـوتيين والمتصـوفة في بحـث مسألة النبـوة
. العدالة بين حكمة القرآن وفلسفة الإنسان قراءة في التجربة الذوقية للحكيم النورسي
13 - الإنسان في رسائل النور وجودا، ومهمة، وغاية
. دور رسائل النور في استعادة صياغة القرآن للإنسان
. الإنسان في رسائل النور وجودا، ومهمة، وغاية
. مؤلّفات بديع الزمان أنموذجاً لتقديم الإسلام إلى الغرب
. نظام التربية في رسائل النور
. منهج وطريقة رسائل النور وغايتها
12 - مفاهيم وردت العناية بها في رسائل النور
. تحرير الحرية في رسائل النور
. مصطلح الإيمان في رسائل النور - دراسة مفاهيمية
. مفهوم البلاغة عند بديع الزمان سعيد النورسيّ
. الوحدة وتدبير الخلاف عند بديع الزمان سعيد النورسي
11 - وقفات مع بعض عناصر القوة المعنوية
. التزكية وتدبير الخلاف وأثرهما في وحدة الأمة عند سعيد النورسي
. العناصر الفكرية والفنية والنفسية في منهج الأستاذ النورسي في التفسير
. العمل الإيجابي ومنزلته في دعوة النور
. مقومات المجتمع الإنساني الآمن من منظور رسائل النور
. إحياء الأخلاق في الممارسة السلوكية عند النورسي
. مناهج التبليغ عند ورثة النبوة من منظور رسائل النور
10 - عنوان الملف: الأخلاق والوراثة
. المجاهدة والتوريث عند النورسي
. أواصر العناصر الكونية من منظور الأستاذ النورسي
. قاعـدة "الفنـاء في الإخـوان" في فكر بديـع الزمـان
9 - المقاصد في رسائل النور
. أساسيات منهج الفكر المقاصدي عند النورسي
. المقاصد القرآنية في فكر النورسي
. مقاصد القرآن من خلال رسائل النور
8 - أسرار العبرة والتعبير في رسائل النور
. منهج النورسى في شرح أسماء الله الحسنى
. نحو رؤية جديدة للدلالة النفسية لأسلوب التكرار في القرآن الكريم
. التاريخ عند بديع الزمان سعيد النورسي دراسة في التمثل والتفسير
. قواعد في تفسير القرآن عند النورسي من خلال إشارات الإعجاز
7 - النورسي والتصوف
. النورسى ورؤيته للتصوف المعاصر
. نظرات في الأدب الصوفي عند النورسي
. بديع الزمان سعيد النورسي والتصوف
. أهمية روحانية النورسي المتبصرة في عالم مادي متأزم
6 - دعوة رسائل النور
. دعوة رسائل النور: هل هي حركة؟ أم جمعية؟ أو جماعة؟
. المنهج العوفي وإعلاء كلمة الله عند بديع الزمان
. التبليغ والارشاد في رسائل النور
. العمل الإيجابي القاعدة الثابتة لعمر مديد
. المرأة الإصلاحية في فكر الشيخ النورسي
5 - الرؤية الحضارية في رسائل النور
. من الأسس الفكرية والحضارية في رسائل النور
. البعد العقدي لبنية الإنسان في فكر النورسي

النور للدراسات الحضارية والفكرية
 المركز الرئيسي:  

Kalendarhane Mah. Delikanli Sk. No: 6
Vefa 34134 Fatih - Istanbul / TURKIYE
 Phone: +90 212 527 81 81 - Fax: +90 212 527 80 80