حوار الأستاذ الدكتور العلامة محسن عبد الحميد

 

حوار الأستاذ الدكتور العلامة محسن عبد الحميد حفظه الله ورعاه

عُرف الأستاذ الدكتور محسن عبد الحميد بعنايته الفائقة بالفكر الإسلامي، وقبل الغوص في تفاصيل الفكر وأسسه، يحسن التعرّف على سيادتكم من الناحية الأكاديمية من خلال سيرة موجزة.

س1. ما أهمّ مصنفاتكم، وما مجالاتها البحثية؟

ج1. مصنفاتي والحمد لله كثيرة، وموضوعاتها متنوعة ومهمة – لأنني منذ أن وفقني الله تعالى لهذه المهمة العلمية، كتبت في العقائد ومناهج التفسير والفكر الاسلامي القديم والمعاصر، ودراسات عن بعض الفرق الهدامة، ولم أكتب كتابا إلا استجابة لتحد معين، ذلك أنني لم أكتب لترف علمي وإنما لضرورة قاهرة.

س2. جمعتم في مسيرتكم العلمية بين التعليم الأصيل وفق المسالك القديمة من جهة والتعليم الأكاديمي في مختلف مراحله، فما موقع كلّ واحد منهما في رحلتكم العلمية العامرة؟ وما ميّزات كلّ منهما ونقائصه؟

ج2. المزج بين التعليم الأصيل وفق المناهج القديمة والتعليم المعاصر مهم جداً، ذلك أن التعليم القديم يعلمك الفهم الدقيق للنصوص والتعليم المعاصر يعلمك الفهم الضروري لاستيعاب المشكلات المعاصرة، ثم إن المزج بين الإثنين يوضح أمامك كيفية تطور الأفكار ومعرفة تولد المناهج المعاصرة من القديمة وجذور معرفة أدلتها ومواقفها وهذا يقل عندك التعصب أو يمحيه.

هذه العناية المبكرة جاءت من إيماني بأنّ الانطلاق من القرآن الكريم ضرورة لخوض الصراعات المتنوعة بإخلاص واستقامة من أجل تأكيد النجاحات وتثبيتها، فالقرآن هو أساس انقاذ الإيمان عند حدوث الانحرافات الخطيرة في الحياة. وهذا هو القانون الذي قرره الله تعالى لهداية العباد قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾الإسراء:9 وقال ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾.الشورى:7

س3. كانت لكم عناية مبكّرة بدراسة منهج التفسير، فما سرّ هذه العناية المبكّرة؟ وما نتائجها على تكوينكم؟

ج3. وعنايتي بتفسير القرآن الكريم ومناهجه –لأنني كنت حريصاً وواعياً أنني لابد أن أجد المنهج المستقيم من فهمه- كي أمشي على بصيرة ولا انحراف، وأما نتائجها هي أن القرآن وضعني على الصراط المستقيم والحمد لله.

س4. عرفت حياتكم محطات فارزة في مساركم، فما أهمّها؟ وما الذي كان منعطفا في مسيرتكم المعرفية والتربوية؟

ج4. يجب على الداعية المسلم ألا يقف على محطة واحدة، لأن الوقوف هو بقاء في الماضي، وقتل للحاضر والمستقبل، ومن هنا فلا بد من ملاحقة المعارف الجديدة، كي يستجيب الداعي لكل تحد جديد، في أية ناحية من نواحي الحياة ولا سيما بالنسبة إلى العقل المسلم الذي تقع على عاتقه ضرورة مواجهة الفصام النكد في زماننا هذا، وهو الذي أدركه مجددو الإسلام في عصرنا الحاضر.

س5. لم تكن كتابتكم عن الأستاذ النورسي بداية عنايتكم بالفكر الإسلامي، فما هي بدايات العناية بالفكر الإسلامي عندكم؟ وما مبرراته؟

ج5. الاستاذ النورسي، لأنه كان مجدداً واجه طغيان ذلك الفصام، وكان موضع عنايتي ولذلك كان نموذجاً تطبيقيا لعنايتي المبكرة بقضايا الفكر الاسلامي. لقد كانت بداية اهتماماتي استيعاب أفكار مدرسة (الأفغاني-عبده-رشيد) لأنهم واجهوا مشكلات وتحديات الفصام النكد، فأردت أن أتتلمذ عليهم وعلى غيرهم من أجل أداء مسيرتي الإسلامية في الحياة، ولذلك فضل على جميع ما أنجزت في حياتي.

س6. يذكر أنّ بداية عنايتكم بالنورسي كانت عرضية ثم ما لبثت أن استقرّت وتمكّنت من الفؤاد، كيف كان ذلك؟

ج6. لم تكن عنايتي بالأستاذ النورسي عرضية –إذ مع ترجمة الأستاذ إحسان الصالحي لرسائل النور من منتصف السبعينيات، استقرت تلك العناية قوية هادفة، وظهر لي تماماً أن هذا الإمام المجدد قاد حركة إحياء الجسد الإسلامي، ابتداء من انقاذ الإنسان إلى مواجهة كل التحديات التي حرفت الأمة الإسلامية، وأدخلتها إلى أتون المنظومة الغربية المادية، وتأكد عندي أنه رحمه الله هو متكلم العصر الإسلامي الجديد، كما سميت كتابي فيما بعد بعنوان (النورسي متكلم العصر الحديث).

س7. ما أهمّ ما استوقفكم في رسائل النور؟

ج7. استوقفني أسلوبه العلمي والعقلي الرائع لتبليغ ما يريد أن يقوله للبشرية جميعاً. واستوقفني أسلوبه التربوي السديد في تهيئة الجيل للتغيير المنشود، بلا صدام ولا إثارة الزوابع والقعقعات الفارغة. كما استوقفني تركيزه على دعوته وعدم إحداث الخصومات مع أصحاب المدارس الأحادية الضيقة في فهم الإسلام، وإثارة الروح الحزبية فيهم. وهكذا الكثير من المواقف.

س8. عرفتم بكتابكم الموسوم بـ "النورسي متكلم العصر"، فهل يمثّل جهده من قبيل استئناف درس علم الكلام أو تجديد علم الكلام، أم بمثابة علم كلام جديد؟

ج8. لم يكن جهده نشر علم الكلام بلغة جديدة، وإنما كان كل ما كتبه تقديم علم كلام قرآني جديد، مبني على تتبع خلايا الكون المتجلية عليها انعكاسات أنوار الأسماء الحسنى دون الخروج على ثوابت مقومات الكون والحياة والمجتمع والإنسان في الإسلام، وهذا الأسلوب كان مناسباً جديداً للأزمة العقدية في حركات إنسان هذا العصر، مسلماً أو غير مسلم.

س9. هل يمكن أن يقال: إنّ رسائل النور مسلك جديد في عرض حقائق الإسلام؟ وما بيّنات ذلك وشواهده؟

ج9. نعم كما قلت كان مسلكاً جديداً في عرض حقائق الإسلام لا ينكص إلى الماضي بل يدخل تلك الحقائق المباركة في عقول وقلوب البشر المعاصرين وأهل المستقبل أيضا، لأنه تفسير مجهود للقرآن الكريم الذي هو ماض الى يوم القيامة.

س10. توخّت رسائل النور العمل على إحداث تغيير جذري في النظر لمسألة التبليغ عن الله، فما عناصر تميّزها عن الحركات التي تشاركها ذات المسلك؟

ج10. عناصر التغيير كثيرة في رسائل النور تميزها جزئياً أو كلياً عن الحركات التي تشاركها في المسلك:

أولاً: اعتمادها الكامل على أنوار تجليات الأسماء الالهية الحسنى في الوجود.

ثانياً: اعتمادها على الجهاد المعنوي الشامل في مواجهات الطواغيت في الداخل والخارج.

ثالثاً: تطبيقها للسياسة الشرعية التي توجه الجماعة والأمة إلى الصلاح المتوازن ويبعدها عن الفساد المعيق المدمر.

رابعاً: وليس آخراً إدراكها لحركة العصر دقها وجلها، لاسيما مؤامرات الشياطين والنفوس البشرية الأمارة بالسوء داخلياً وخارجياً.

س11. من أين يبدأ التغيير بحسب برنامج رسائل النور؟ وما عناصر التميّز فيها؟

ج11. يبدأ التغيير في رسائل النور من النفس الإنسانية إلى إصلاح الأسرة والمجتمع والدولة، أي تريد تغيير الأمة قبل تغيير الدولة بالقوة الفوقية القاهرة التي تتحرك في الفراغ وتحدث كوارث إنسانية لها ولكيانها ولمجتمعها. وتعطي قوة جديدة للدولة الفاسدة لسفك دماء الدعاة والمصلحين وإعاقة تقدم الأمة نحو الإسلام.

س12. كان الاتصال برسائل النور في البيئات العربية متأخّرا؛ فكان من النادر جداً أن يكون الاتصال بها أولياً، فكان قارئ الرسائل يتّصل بها من خلال نماذج ذهنية سابقة، يتواصل معها بناء على ما استقر في نفسه من تكوينه السابق، لهذا كثيراً ما تُكَيَّف قراءتها بل وتلوّن بمعارف سابقة أو مسالك آنفة، كيف السبيل إلى جعل رسائل النور بالنسبة لهذا الصنف من القرّاء استئنافا لسير عملية البلاغ عن الله وليست بديلا؟

ج12. كان ما تقول قبل ترجمة الرسائل كاملة إلى اللغة العربية واللغات الأخرى فلما اطلع المثقفون الإسلاميون عليها اطلاعا مباشراً، استوعبوها تماماً ووجدوا أنفسهم أمام نمط جديد من التفكير المعرفي والمنهج المسدد في فهم القرآن الكريم -فمع زيادة اطلاعهم المعرفي على موضوعات الرسائل كتبوا مئات الأبحاث وعشرات المؤلفات في تحليل رسائل النور واستخراج الكنوز المعرفية منها في اتجاهات الحياة كلها- ولاشك أن المؤتمرات العالمية التي أقامها طلاب النور في داخل تركيا وخارجها كان له تأثير كبير على دخول تلك الرسائل المباركة إلى العالمية بعد أن كانت موضعية ضيقة، وهذا الذي كان يريده الإمام النورسي ويشجع طلابه إلى إيصال أفكاره إلى العالم.

س13. كانت ثقافة العمل الإيجابي آخر ما توجّه به الأستاذ بديع الزمان لتلاميذه، ما المراد بثقافة العمل الإيجابي في رسائل النور؟ وما مكاسبه المعاصرة؟

ج13. وكل ما كتبه الاستاذ النورسي كان إيجابياً في خدمة انقاذ الإيمان والإسلام وكلما ذكرته في أجوبتي السابقة كان معبراً عن تلك الإيجابية

س14. ما أهمّ الشخصيات التي استوقفتكم في مساركم الفكري والحركي والأكاديمي، وما موقع النورسي منها؟

ج14. الشخصيات التي استوقفتني كثيرة جداً في حياتي الدراسية ابتداء من دراستي الجامعية إلى التتلمذ على بعض علماء المساجد، إلى تأثري بالعقلانيين الإسلاميين قديما وحديثاً، وإلى الفقهاء المقاصديين منهم، ولاشك أن النورسي كان تأثيره عليّ واضحاً، بحيث أعده من أساتذتي الأئمة الكبار الذين تأثرت بهم، كالإمام الغزالي والرازي والآلوسي ومدرسة (الأفغاني عبده رشيد) وكالفقهاء الكبار من أمثال الشاطبي والعز بن عبد السلام ومصطفى الزرقا والإمام حسن البنا ومدرسته الفكرية الدعوية. ومن أشهرهم الشيخ محمد الغزالي والشيخ القرضاوي.

س15. لعلّ من أهم القضايا الفكرية المعاصرة مسائل: الحريات، وحقوق الإنسان، والوسطية، و... وخاصة في ظل تناول مغالط لها، فيجعل -على سبيل المثال لا الحصر- من الوسطية التسامح في حقوقنا (القدس الشريف مثلا) أو قبول أنصاف الحلول في شأنها وفيما شابهها من قضايا المصير، فهل في رسائل النور ما ينفع في هذا المجال؟

ج15. الأئمة والعلماء الوسطيون لا يتسامحون في حقوق المسلمين، لأن هؤلاء أدركوا حقائق الإسلام من خلال دراساتهم للقرآن الكريم والسنة النبوية وحياة الصحابة الكرام وما قدمه للأمة أئمة المذاهب الفقهية والفكرية والدعوية والعقلية عبر التاريخ، وأما مَن يدّعون الوسطية بلا علم ولا برهان، فهؤلاء لا قيمة لأقوالهم ولأفكارهم المنحرفة.

ولا شك أن رسائل النور تمثل الوسطية المنضبطة إيمانياً وعلمياً ودعوياً في أجل صورها. لأن صاحبها النورسي إمام جليل من أئمة الصف الأول في غزارة علمه واستقامة حياته ووعيه العميق لحركة العصر ومواجهة الحياة ومعالجته لمناهج إصلاحها ونقلها من الفساد إلى الصلاح.

س16. استوقفتنا بعض مواقفكم الجريئة من مسألة علاقة الدين الإسلامي بالسياسة، فما سبل ضبط العلاقة، وما مكان الجدّة في هذا الموقف؟

ج16. إن مواقفي ليست في موضوع علاقة الدين بالسياسة، فالإسلام كله سياسة بمعنى أنه يقود الإنسان إلى الصلاح الشامل ويخلصه ويبعده من الفساد الشامل، والأنبياء كلهم ساسوا أممهم وبيّنوا لهم التوحيد وقادوهم إلى حياة العدل والصلاح وطلبوا ترك الفساد وحياة التمرد على الله تعالى.

ولكني ذكرت في بياني من خلال واقع كوني رئيسا للحزب الإسلامي العراقي سابقاً أن الحزب السياسي في عصرنا، لا يجوز أن يتسمى باسم الإسلام الذي هو دين جميع المجتمع، لأن وظيفة الحزب السياسي هو تقديم البرامج التنموية وفي قضايا الحركة جميعها -وأيدت ذلك بأدلة كثيرة- يمكن لمن يريد مراجعتها في صفحتي على (الفيس بوك).

س17. البلاد الإسلامية حبلى بالمفاجآت غير المحسوبة، فما أثرها على ما تفكرون في التصنيف فيه؟ وبما تشيرون على الباحثين في القابل؟

ج17. لابد للمفكر المسلم أن يتوقع تلك المفاجئات وأن يضع الحلول اللازمة لاستجابة تحدياتها، فما يكتب من الأبحاث والمصنفات لابد أن تتحدث عن الحاضر والمستقبل، حتى لا يبتعد عن مسيرتها الحيوية، والإمام النورسي مثال واضح -للعالم المفكر العصري الذي يتابع يوماً فيوماً الأحداث- والذي يقرأ حياة الأستاذ يجد أن رسائله النورية هي متابعة دقيقة لعصره ورفد المسلمين بما يجب أن يفعلوه للمحافظة على دينهم وشريعة حياتهم وأمتهم.

* * *


 

أرشيف الحوار

16 - العمل الإيجابي 2
. حوار الأستاذ الدكتور العلامة محسن عبد الحميد
14 - بعض قضايا الفكر الإسلامي في رسائل النور
. حوار مع الأستاذ عبد الحكيم بن محمد الأنيس
13 - الإنسان في رسائل النور وجودا، ومهمة، وغاية
. حوار مع الأستاذ فاروق رسول يحيى
12 - مفاهيم وردت العناية بها في رسائل النور
. حوار مع الأستاذ الدكتور عبد الكريم عكيوي
11 - وقفات مع بعض عناصر القوة المعنوية
. حوار مع الأستاذ الدكتور فارس قايا
10 - عنوان الملف: الأخلاق والوراثة
. حوار مع الأستاذ أديب إبراهيم الدبّاغ
9 - المقاصد في رسائل النور
. حوار مع أ.د. ثروت أرمغان
8 - أسرار العبرة والتعبير في رسائل النور
. حوار مع د. مأمون فريز جرار
7 - النورسي والتصوف
. حوار مع أ.د. محسن عبد الحميد
5 - الرؤية الحضارية في رسائل النور
. حوار مع الأستاذ بديع الزمان النورسي
4 - أسس التربية في رسائل النور
. حوار مع الأستاذ عبد الله يكن
3 - أسس التربية في رسائل النور
. حوار مع الأستاذ محمد فرنجي
2 - التعليم في رسائل النور
. حوار مع الأستاذ الدكتور كولن تورنر
1 - المنهجية في رسائل النور
. حوار مع الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم

النور للدراسات الحضارية والفكرية
 المركز الرئيسي:  

Kalendarhane Mah. Delikanli Sk. No: 6
Vefa 34134 Fatih - Istanbul / TURKIYE
 Phone: +90 212 527 81 81 - Fax: +90 212 527 80 80