الأبعاد الإيجابية لمفهوم الجهاد في ضوء رسائل النور

الأبعاد الإيجابية لمفهوم الجهاد في ضوء رسائل النور

Positive Dimensions of the Concept of Jihad in the Light of the Risale-i Nur

ABSTRACT

Dr. Ziyad Khalil al-Daghamin

Jihad for the sake of Allah is adopted to carry the message of faith, justice and freedom. Its goal is to remove the obstacles that prevent human beings from reaching the faith and to eliminate all the paths that prevent humans from following the concept of faith. It is not a hostile path. It includes the jihad by word, saving the faith of people, and to obey and follow the way of Allah. Preparedness, readiness, spreading science, and the ability to manufacture are considered the greatest jihad. The strengthening of the bonds of love in society is considered jihad, too.

* * *

الملخص

د. زياد خليل الدغامين[1]

أقر الجهاد في سبيل الله ليحمل رسالة الإيمان والعدل والحرية، وأنّ هدفه إزالة العوائق التي تحول بين الإنسان وبين الوصول إلى الإيمان، وتذليل كل الطرق التي توصل إليه، فهو ليس مساراً عدائياً. ويشمل جهاد الكلمة وإنقاذ إيمان العوام وطريق التذلل والخضوع لله تعالى. والاستعداد والجاهزية ونشر العلوم والتمكن من القدرة على التصنيع يعدّ من الجهاد الأكبر. وتوثيق عرى المحبة في المجتمع يعدّ من الجهاد أيضاً.

* * *

مقدمة:

يتراءى لكل من غلب عليه الجهل، وأظلمت نفسه بكره الإسلام، أنّ الجهاد في سبيل الله يحمل معاني القهر والاستبداد وإرغام الآخرين على معتقدات ومبادئ لا يرغبونها، وأنها تقود إلى استرقاق الآخرين وإخضاعهم بالقوة للجزية ومبادئ الإسلام وتعاليمه. وقد أساء هؤلاء إلى الإسلام كثيراً بدافع التشويه والتنفير عن حقائق هذا الدين، وتعاليمه السامية السمحة النبيلة؛ إمعاناً منهم في الصدّ عن سبيل الله تعالى وقد كثرت دراسات المستشرقين التي تؤصل لذلك في أذهان أبناء الغرب. يضاف اليوم وسائل جديدة في الإساءة كالإعلام والفن والرواية والأدب... كلها وسائل أسهمت وتسهم في تشويه الدين عموماً، والجهاد في سبيل الله خصوصاً.

وهنا ينبري بديع الزمان ليؤكد على الأبعاد الإيجابية للجهاد في سبيل الله تعالى. فيبين أنّ الجهاد في سبيل الله يحمل رسالة الإيمان والعدل والحرية، وأنّ هدف الجهاد في سبيل الله إزالة العوائق التي تحول بين الإنسان وبين الوصول إلى الإيمان، وتذليل كل الطرق التي توصل إليه!

غير أنّ الجهاد في سبيل الله -في فكر بديع الزمان- لا يقتصر على المعنى الذي هو قتال أعداء الله والدفاع عن بيضة الإسلام بالسيف والرمح والسنان، بل يشمل كذلك كل ما من شأنه أن ينقذ إيمان العوام من دعوة وبيان ووعظ وتوجيه وإرشاد. والمعنى الأكبر فيه هو سلوك طريقة التذلل والخضوع والخشوع لله ربّ العالمين.

إنّه في الوقت الذي تتوجه فيه جوقة الإعلام للنيل من هذا المبدأ العظيم في الإسلام، ووصف الإسلام بالإرهاب والظلم والعدوان تتبدّى المعاني التي ذكرها النورسي رحمه الله تعالى لتكون نبراسا يردّ كيد الكائدين، وطعن الطاعنين، وإفك المفترين، ولا غرابة في ذلك فقد كان رحمه الله ينظر إلى المستقبل بأفق واسع، ونظر ثاقب، وبصيرة نقادّة يهديه إيمانه بالله ويقينه به إلى أنّ الجهاد سبب عزة ومنعة للأمة في ماضيها وحاضرها ومستقبلها، وما ترك قوم الجهاد في سبيل الله تعالى إلا كتب عليهم الذلة والصغار، والذل والعار.

وسيقع هذا البحث في مقدمة ومبحثين وخاتمة

المقدمة: فكرة الموضوع وأهميته.

المبحث الأول: في الجهاد المادي.

المبحث الثاني: في الجهاد المعنوي.

الخاتمة وتشمل أهم النتائج.

المبحث الأول: في الجهاد المادي

1. بيان صورة الجهاد المشرقة:

إنّ صورة الجهاد ينبغي أن تكون مشرقة وضاءة، لا ينبغي أن يلوث حقائقه أحد؛ لأنه لا يبتغي منفعة مادية عاجلة، ولا مصلحة دنيوية آجلة، بل يبتغي هداية الإنسان الذي ينبغي أن يخط طريقه في الحياة على هدى ونور.

وقد أرّقت الإساءة إلى هذه الصورة الناصعة للجهاد أستاذنا بديع الزمان رحمه الله، فنعى مفاهيم أهل الزمان الذين قلبوا المعاني، وتلاعبوا في الألفاظ حين أطلقوا على الجهاد اسم: "البغي" وعلى الأسر اسم "الحرية".[2] هذا القلب لحقائق المعاني، إنما يهدف إلى النيل من رسالة الجهاد المشرقة، وما وصل إلى هذا الحدّ إلا بسبب توغل الثقافة الغربية في نفوس أبناء المسلمين وتغلغلها في قلوبهم.

يوضّح النورسي رحمه الله أنّ الجهاد ليس تسلطاً ولا جبروتاً، ولا استبداداً، كما هي معارك الغرب والشرق وحروبهما والآثار المأساوية المترتبة على هذه الحروب، وما تجرّه من ويلات على الخلق والبلاد، إنها حروب تهلك الحرث والنسل، وتفسد الأخضر واليابس، ففي عرض مقارنته بين الدولة الإسلامية -التي تحمل لواء الجهاد بصورته المشرقة- وغيرها أنّ التيار الاستبدادي الاستعماري في الدول الأخرى تيار ظالم ومناف لطبيعة العالم الإسلامي، ومباين لمصالح الأكثرية المطلقة من أهل الإيمان، فضلاّ عن أنّ عمره قصير، ومعرّض للتمزّق والتلاشي، ولو كنا نشبه ذلك التيار لخرجنا عن الطبيعة الفطرية للعالم الإسلامي ولسقناه إلى ما ينافي طبيعته. فالمدنية الحديثة لم نر منها غير الضرر فقد طغت سيئاتها على حسناتها. والإنسان بصحوته ويقظته ومصلحته سيقضي عليها (سيئاتها).[3] هذا الاعتراف من النورسي بحسنات المدنية الغربية الحديثة لا أننا لو سلكنا مسلكهم لتمزقت دولة الإسلام ولم يبق له أثر!

ويرى أن الدولة لا تعني غضّ الطرف وقطع النظر عن رؤية الأخطار الهائلة المحدقة بالأمم والمجتمعات، وهي ما تسبّبت به هذه المدنية!! وهذا من إنصاف النورسي وتفكيره العقلاني في التعامل مع كل ما حوله.

ومعنى هذا الكلام أنّ مسار الجهاد في الإسلام ليس مساراً عدائياً أو استبدادياً ظالماً يهدف إلى جني المصلحة والمنفعة، أو يهدف إلى السيطرة على العالم وإذلال الخلق كما هي طبيعة حروب العصر التي لا ترعى في مؤمن إلاّ ولا ذمّة. وهنا يشير النورسي إلى صفة في الأمة المسلمة تلك الصفة الفطرية التي تحترم إنسانية الإنسان وكرامة الإنسان، وتتقيد بقيود الشريعة الفطرية! فإذلال الخلق وقهرهم مرفوض فطرة، وسفك الدماء مرفوض فطرة... فالجهاد محكوم بأساسيات الفطرة وأنوار الشريعة الغراء.

2. الغايات المثالية للجهاد:

من واقع التفكير الهادئ العميق يوجز النورسي رحمه الله غايات الجهاد على صورة لم يسبق إليها توضيحاً وبياناً وتأصيلاً، فيبين أنّ دولة الإسلام أخذت على عاتقها القيام بفريضة الجهاد فرضاً كفائياً، للأسباب الآتية:[4]

- إعلاء كلمة الله تعالى.

- الحفاظ على استمرار حرية العالم الإسلامي الذي يعدّ كالجسد الواحد.

- أنّ الجهاد باعث روح الأخوة الإسلامية بين المسلمين. فحين يتألم المجاهدون في مكان يتألم معه العالم الإسلامي كله.

والإضافة النوعية في هذا البيان ما ورد في الفقرتين الثانية والثالثة من غايات عظيمة، فالحفاظ على حرية العالم الإسلامي مقصد من مقاصد الجهاد في سبيل الله، إنّ مقصد الحرية هو أحد المقاصد القرآنية الأربعة التي تقررت في فكر النورسي رحمه الله. والجهاد يضمن بقاء هذه الحرية واستمراريتها، ويصون قرار الأمة السياسي والاقتصادي والاجتماعي عن التأثر بهوى الأمم الأخرى والتبعية لها، كحال الأمة اليوم حيث لا تملك أياً من قراراتها السيادية أو المصيرية، وإنما هي خاضعة لتأثير قوى الشرق والغرب عليها.

أما الفقرة الثالثة التي يرى فيها أنّ الجهاد في سبيل الله هو باعث روح الأخوة الإسلامية ومحرّكها، فتشعر الأمة كأنّها كالجسد الواحد، وبذلك تزول ما يسمى بالحدود المصطنعة التي صنعها الغرب ومزق بها هذا الجسد الكبير للأمة الإسلامية. لا كما يشهد الواقع المعاصر من مآسي تحدث في بلد لا يحسّ ولا يتألم بسببها المسلم في البلد المجاور! إن هذه الوحدة الشعورية بين أفراد الأمة تجعلها وحدة واحدة بقطع النظر عن ألوانهم وأجناسهم ولغاتهم... فلو عطس ابن المشرق لقال له ابن المغرب: يرحمك الله! فالجهاد في سبيل الله يمثل الصورة العملية الواقع لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾الحجرات:10 ولقوله صلى الله عليه وسلم:" مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى".[5]

فالآثار الإيجابية المترتبة على الجهاد في سبيل الله تعود وتنعكس على حرية الأمة ووحدتها الاستراتيجية، فتحفظ كرامتها وسيادتها وهيبتها بين الأمم.

3. التحذير من مخاطر ترك الجهاد:

تضافرت نصوص الكتاب والسنة في الحث على الجهاد في سبيل الله، والتحذير من التواني والتباطؤ في النهوض به، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.التوبة:24

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لَئِنْ تَرَكْتُمْ الْجِهَادَ وَأَخَذْتُمْ بِأَذْنَابِ الْبَقَرِ وَتَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ لَيُلْزِمَنَّكُمْ اللهُ مَذَلَّةً فِي رِقَابِكُمْ لَا تَنْفَكُّ عَنْكُمْ حَتَّى تَتُوبُوا إِلَى اللهِ وَتَرْجِعُوا عَلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ)[6] والمقصود إن اشتغل المسلم بعرض الدنيا من حرث وزراعة وتجارة وترك الجهاد في سبيل الله فإنّه سيترتب على ذلك ذلّ ومهانة.

تتعالى الأصوات التي تنتقد الجهاد، وتعتبره عبئاً على الأمة، وتحاول أن تسوّق فكرة أنّ الجهاد في الإسلام دفاعي فقط، وأنه ليس إلا دفاعاً عن النفس. وكأن تركه يورث خيراً كثيراً، وينهض النورسي رحمه الله ليرد على مثل هذا الافتراء، فيرى أن ترك الجهاد يحدث شروراً كبيرة دون الحصول على خير يذكر، بينما الجهاد يورث خيراً كثيراً فالإسلام بالجهاد ينجو من سيطرة الكفار.[7] وهي إشارة ذكية نمّت عن عقلية عبقرية، أجل! إن ترك الجهاد سيعرض الإسلام للخطر، والواقع أكبر برهان، وأوضح شاهد على ذلك!

ويلمح النورسي رحمه الله فهماً متداولاً في أرض الواقع من الشبهات، حيث ينسب بعضهم الأفعال ونتائجها إلى الفعل نفسه، فلا يعني هذا أن يعتقد مسلم أن نتائج الخير مترتبة على الجهاد نفسه، بل إنّه يجب عليه أن يفكر في عمله ويدع التفكير فيما يخص فعل الله تعالى وشؤونه سبحانه. فالله أمر بالجهاد ونحن ننفذ إرادة الله تعالى.[8] فإذا أخذ المسلم بالأسباب، وأعدّ ما تتطلبه ضرورة الإعداد والاستعداد، فإنّ تحقيق النتائج موكول إلى الله تعالى لا يخضع لهوى أو رغبة أحد.

4. الآثار النفسية للجهاد على تركيبة الأفراد

ويبرز النورسي بوصفه عالماً من علماء النفس والاجتماع، فيبين أنّ الجهاد ضرورة لازمة لصقل شخصية المسلم، فلا يمكن أن يكتسب الشجاعة والجسارة فرد ترك الجهاد في سبيل الله، وكما يصدق هذا على الفرد يصدق على الحكومة والدولة، يقول النورسي رحمه الله: إنّ نشوء الحسّيات العالية، ونمو الأخلاق، إنما هو بالمجاهدة، وتكمّل الأشياء إنما هو بمقابلة الأضداد ومزاحمتها، ألا ترى أن حكومة إذا جاهدت ينمو فيها الجسارة وإذا تركت انطفأت.. تأمل.[9] هذه الجسارة هي هيبة الحكومة وقوتها.

ويؤكد هذا المعنى في ضوء قوله تعالى: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾البقرة:27 يقول: "اعلم! أن هذا الأمر عام للأمر التشريعي والأمر التكويني المندمج في القوانين الفطرية والعادات الإلهية، فالقطع لما أمر بوصله شرعاً كقطع صلة الرحم وقطع قلوب المؤمنين بعض عن بعض وعلى هذا القياس.. وتكويناً كقطع العمل عن العلم، وقطع العلم عن الذكاء، وقطع الذكاء عن الاستعداد ، وقطع معرفة الله عن العقل، وقطع السعي عن القوة، وقطع الجهاد عن الجسارة".[10]

هذا كله يصوّر شخصية سعيد القديم في موقفه من الجهاد، ويبقى صالحاً لما بعد شخصية سعيد الجديد من الناحية الفكرية التنظيرية، وهو فكر متوازن رصين تقررت فيه أبعاد الجهاد بعقلانية وحكمة. أما من الناحية العملية الواقعية فإنّ النورسي رحمه الله يرى أنّ هناك جهاداً أهم تتطلبه الحياة الواقعية! وهو ما سيتم تناوله في المبحث الثاني.

المبحث الثاني: في الجهاد المعنوي

إنّ شخصية سعيد الجديد تمثل الجهاد من النوع الثاني، إنّه الجهاد الذي يحفظ حقائق الإيمان، عملاً بقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾الفرقان:52 فحين رأى نتائج الحرب العالمية الثانية قال: بحلول الحرب العالمية الثانية وخضّها لهم أفرز الذهن المبارك من اللين فتحوّل إلى مخيض لا قيمة له، فعاد سعيد الجديد إلى الاستمرار في جهاده وخالف سعيد القديم.[11] وقد تقررت أبعاد أخرى في فكر النورسي لموضوع الجهاد المعنوي، نوردها في النقاط الآتية:

1. أعلى وسيلة لإعلاء كلمة الله تعالى في زماننا هذا هو الرقي المادي.[12]

يقول رحمه الله: "إنّ الأجانب يسحقوننا تحت تحكمهم المعنوي بسلاح العلوم والصنائع، ونحن سنجاهد بسلاح العلم والتقنية الجهل والفقر والخلاف الذي هو ألدّ أعداء إعلاء كلمة الله تعالى، أما الجهاد الخارجي فنحيله إلى السيوف الألماسية للبراهين القاطعة للشريعة الغراء؛ لأنّ الغلبة على المدنيين إنّما هي بالإقناع، وليس بالإكراه كما هو شأن الجهلاء الذين لا يفقهون شيئا".[13]

وهذا الكلام ينطبق على واقع العالم الإسلامي ليس منذ عهد النورسي فحسب، بل ينطبق على واقعنا الحالي، حيث تفشى الجهل والأمية، والتخلّف في العالم الإسلامي، ولهذا السبب هيمن الغرب والشرق على هذا العالم الممتدّ من طنجة في الغرب إلى الخليج العربي في الشرق، وتفوّق على مليار من المسلمين بفضل العلم، بل وصل الأمر إلى أن يكون لباسهم منه، وطعامهم منه، وسلاحهم منه، ودواؤهم منه... ولا حول لهم ولا قوّة! لقد استطاع النورسي رحمه الله أن يشخص الواقع أبلغ تشخيص، بل شخص العلاج لهذا الداء أبلغ تشخيص أيضاً.

2. مجاهدة النفس ومغالبتها من الجهاد الأكبر

يؤكد النورسي أنّ أنجع وسائل الجهاد هي الجهاد الأكبر في العالم الأصغر لكل إنسان، يقول: "إنّ جني فوائد الحرية الحقة، والاستفادة منها استفادة كاملة منوط بالاستمداد من الإيمان؛ ذلك لأنّ من أراد العبودية الخالصة لرب العالمين لا ينبغي له أن يذل نفسه فيكون عبداً للعبيد، وحيث إنّ كل إنسان راع في ملكه وعالمه فهو مكلف بالجهاد الأكبر في عالمه الأصغر ومأمور بالتخلّق بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وإحياء سنته الشريفة.[14] وهو من أعظم الجهاد كذلك. ولعلي بالنورسي رحمه الله يؤكد أن الغرب ما غزانا في عقر دارنا، وما فرض هيمنته علينا إلا بضعف إيماننا، وإهمالنا كتاب ربنا وسنة نبيّنا المصطفى صلى الله عليه وسلم. والقلوب الخاوية من الإيمان يسهل استعبادها للهوى، ويسهل امتطاؤها للشهوة. بل سيكون هؤلاء الجسر الذي يعبر عليه أعداء الأمة إلى قلبها، فيعيثون فيه الفساد! وما من صخرة كأداء تحطمت عليه أحلام أعداء الأمة وآمالهم إلا الإيمان واليقين الراسخ بالله تعالى.

3. أثر رسائل النور في عالم الجهاد الأكبر

لا شك أنّ النورسي رحمه الله قضى دهراً من عمره يبين الإيمان الحق، ويذبّ عن هذا الدين الافتراءات الشبهات التي علقت به من واقع الجهل والتخلف، أو تلك التي قذف بها الشرق والغرب في أذهان المسلمين، فشوشت أفكارهم، بل أخرجت بعضهم إلى عالم الإلحاد والضلال، وإذا انساق خلف هذه الشبهات المثقفون فما بالك بالعوام من الناس!! هذا فضلاً عن انهيار القيم والأخلاق. إنّ دينهم في خطر عظيم! هذا الواقع المرير المؤلم ألهم النورسي بأنّ المعركة الحقيقية هي لا تتمثل في القتال بالسلاح، بل هي في ترسيخ حقائق الإيمان وقواعد الإسلام في نفوس الناس، ولذلك بدأ يكتب رسائله يحاجج بها في كل صعيد، ويبثها في كل ميدان!

يقول مشخصاً واقع العالم الإسلامي: "إنّ أعظم خطر على المسلمين في هذا الزمان هو فساد القلوب، وتزعزع الإيمان بضلال قادم من الفلسفة والعلوم، وإن العلاج الوحيد لإصلاح القلب وإنقاذ الإيمان إنّما هو النور، وإراءة النور وليس الجهاد المادي".[15] أي: من خلال رسائل النور التي هي تفسير للقرآن الكريم.

يقول رحمه الله: "إن الذي يقابل الدمار الأخلاقي والانحطاط القيمي وتصدّع ركائز الإيمان هو تلك الرسائل النورانية التي أينما حلّت قاومت الدمار، وحالت دون تهدم الأسس الاجتماعية القرآنية... إن الفساد الذي دبّ في العالم اليوم وأحاطه بظلمات الإرهاب والفوضى، وعمت الحياة والأخلاق مظالم شنيعة وإلحاد شنيع، فظهر الفساد في البر والبحر نتيجة زلزال السد القرآني العظيم وهو الشريعة المحمدية الغراء. وإن الجهاد المعنوي لطلاب النور ضد هذا التيار الجارف يعدّ –بإذن الله– جهاداً عظيم الثواب".[16]

إنّ نشر رسائل النور يعدّ من أنواع العبادات... بل إنه جهاد معنوي تجاه أهل الضلالة ذلك الجهاد الأهم.[17] وكثيراً ما يطلق النورسي على خدمة رسائل النور بالجهاد المعنوي. أو جهادنا المقدس.[18]

ويقول مخاطبا تلاميذه: "انّ دوام عملكم في سبيل الايمان بوساطة رسائل النور يعني أنّ كل واحد منكم يؤدي عملاً كبيراً في وقت قليل، نظير ما ينجزه البعض في عشر سنوات من أعمال تنجز في مائة سنة... إنها مجاهدة مرهقة".[19]

إنّه لا ينبغي الاستخفاف بالأخلاق والقيم، ولا ينبغي الاستهتار بالعلاقات الاجتماعية والروابط الأخوية بين المسلمين، فإصلاح هذه الروابط والعلاقات، وإدامة المحبة بين أفراد المجتمع... لمن أهم الواجبات!

يقول: مخاطباً أهل الحق وأهل الشريعة وأهل الحقيقة والطريقة بضرورة العفو والصفح عملا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾الفرقان:72 فاعفوا عن هفوات إخوانكم، واصفحوا عن تقصيراتهم، وغضّوا أبصاركم عن عيوب بعضكم، واجعلوا انقاذ أهل الحق من السقوط والذلة من أهم واجباتكم الأخروية وأولاها بالاهتمام وامتثلوا بما تأمركم به مئات الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة من التحابب والتعاون، واستمسكوا بكل مشاعركم بعرى الاتفاق والوفاق مع إخوانكم في الدين، ونهج الحق المبين...[20]

ويحذّر -كل التحذير- من الاستهانة بهذا الجهاد المعنوي فيقول: "واحذروا دائما من الوقوع في شباك الاختلاف، ولا يقولن أحدكم: سأصرف وقتي الثمين في قراءة الأوراد والأذكار والتأمل، بدلاً من أن أصرفه في مثل هذه الأمور الجزئية" فينسحب من الميدان ويصبح وسيلة في توهين الاتفاق والاتحاد، وسبباً في إضعاف الجماعة المسلمة؛ ذلك لأن المسائل التي تظنونها جزئية وبسيطة ربما هي على جانب عظيم من الأهمية من هذا الجهاد المعنوي.[21]

وهكذا... يختار النورسي لكل معركة السلاح الذي يناسبها، فالبندقية والمدفع لا يصلحان حين يتفشى الجهل وتسود الأمية والتخلّف، وتنحدر الأخلاق، وتختلّ القيم والأعراف والموازين الحق.

الخاتمة

نخلص من هذا البحث إلى نتائج عديدة أجملها في النقاط الآتية:

- الجهاد في سبيل نشر حقائق الإيمان وترسيخ قواعد الإسلام لا يقل أهمية عن جهاد أعداء الله بالسلاح، فلكل معركة سلاحها.

- إن نشر العلوم والتمكن منها، وامتلاك القدرة على التصنيع لهو من الجهاد الأعظم الذي نتمكن به من مقارعة أعداء هذا الدين الذين هيمنوا على الأمة المسلمة بالعلم والصناعة. بل إنّها أنجع وسيلة لإعلاء كلمة الله لتكون هي العليا.

- إنّ الجاهزية والاستعداد لمواجهة أعداء الله ضرورة لازمة لنمو الأخلاق الفاضلة من شجاعة وجسارة إن على مستوى الفرد، أو على مستوى الدولة والحكومة.

- إنّ مسار الجهاد في سبيل الله ليس مساراً عدائياً أو استبدادياً ظالماً، بل مسار يعلي كلمة الله، ويحفظ حرية العالم الإسلامي، ويعمق روابط الأخوة الإيمانية بين المسلمين.

- إن توثيق عرى المودة والمحبة، وحفظ روابط الأخوة بين أفراد المجتمع هو من الجهاد الأكبر الذي تدعو إليه رسائل النور بوصفها تبيانا لمعاني القرآن الكريم.

* * *

الهوامش:

[1] كلية الشريعة/ جامعة آل البيت/ الأردن.

[2] انظر: المكتوبات، ص : 604.

[3] انظر: صيقل الإسلام، ص :356-357.

[4] النورسي: المكتوبات، ص 606. وصيقل الإسلام، ص 356-357.

[5] رواه الإمام مسلم في الجامع الصحيح، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفه وتعاضدهم، حديث رقم: 4658.

[6] رواه الإمام أحمد في المسند، ح رقم 4765.

[7] انظر: المكتوبات، ص 52. إشارات الإعجاز ص 35.

[8] انظر: اللمعات، ص 198-199.

[9] إشارات الإعجاز، ص 207.

[10] المصدر السابق نفسه، ص 212

[11] صيقل الإسلام، ص 383.

[12] المصدر السابق نفسه، ص 527.

[13] صيقل الإسلام، ص 527.

[14] المصدر السابق نفسه، ص 531.

[15] اللمعات، ص 158.

[16] الملاحق، ص 170.

[17] اللمعات، 252، والملاحق، 288. وانظر: الشعاعات، ص 365-366.

[18] انظر: الشعاعات، ص 367، 526.

[19] الشعاعات، ص 528.

[20] اللمعات، ص 235

[21] المصدر السابق نفسه، ص 236.


 

أرشيف ملف العدد

16 - العمل الإيجابي 2
. دور الفعل الايجابي في توجيه قانون التضاد لبناء عالم أفضل
. الجهاد الفكري وعلاقته بالعمل الإيجابي في رسائل النور
. الأبعاد الإيجابية لمفهوم الجهاد في ضوء رسائل النور
. غياب العمل الإيجابي أو تغييبه في حياة المسلمين المعاصرة
15 - الإيجابية والعمل الإيجابي في رسائل النور
. الأسس الشرعية لمنهج العمل الإيجابي البناء
. مصطلح الإيجابية في رسائل النور
. الإيجابية في مقاصد العبادات ودورها في بناء عالم أفضل...
. التوجيه الإيجابي للأحاديث النبوية في رسائل النور
. النظرة الإيجابية وأهميتها في تحصين الدعوة عند الأستاذ النورسي
14 - بعض قضايا الفكر الإسلامي في رسائل النور
. العمل بإيجابية الأسس والعوائق -دراسة في رسائل النور-
. الحداثة البديل عند بديع الزمان النورسي
. ثقافة البيئة في الفكر الإسلامي من خلال مدرسة بديع الزمان النورسي
. موقـف رسائل النـور من منهـج الفلاسـفة واللاهـوتيين والمتصـوفة في بحـث مسألة النبـوة
. العدالة بين حكمة القرآن وفلسفة الإنسان قراءة في التجربة الذوقية للحكيم النورسي
13 - الإنسان في رسائل النور وجودا، ومهمة، وغاية
. دور رسائل النور في استعادة صياغة القرآن للإنسان
. الإنسان في رسائل النور وجودا، ومهمة، وغاية
. مؤلّفات بديع الزمان أنموذجاً لتقديم الإسلام إلى الغرب
. نظام التربية في رسائل النور
. منهج وطريقة رسائل النور وغايتها
12 - مفاهيم وردت العناية بها في رسائل النور
. تحرير الحرية في رسائل النور
. مصطلح الإيمان في رسائل النور - دراسة مفاهيمية
. مفهوم البلاغة عند بديع الزمان سعيد النورسيّ
. الوحدة وتدبير الخلاف عند بديع الزمان سعيد النورسي
11 - وقفات مع بعض عناصر القوة المعنوية
. التزكية وتدبير الخلاف وأثرهما في وحدة الأمة عند سعيد النورسي
. العناصر الفكرية والفنية والنفسية في منهج الأستاذ النورسي في التفسير
. العمل الإيجابي ومنزلته في دعوة النور
. مقومات المجتمع الإنساني الآمن من منظور رسائل النور
. إحياء الأخلاق في الممارسة السلوكية عند النورسي
. مناهج التبليغ عند ورثة النبوة من منظور رسائل النور
10 - عنوان الملف: الأخلاق والوراثة
. المجاهدة والتوريث عند النورسي
. أواصر العناصر الكونية من منظور الأستاذ النورسي
. قاعـدة "الفنـاء في الإخـوان" في فكر بديـع الزمـان
9 - المقاصد في رسائل النور
. أساسيات منهج الفكر المقاصدي عند النورسي
. المقاصد القرآنية في فكر النورسي
. مقاصد القرآن من خلال رسائل النور
8 - أسرار العبرة والتعبير في رسائل النور
. منهج النورسى في شرح أسماء الله الحسنى
. نحو رؤية جديدة للدلالة النفسية لأسلوب التكرار في القرآن الكريم
. التاريخ عند بديع الزمان سعيد النورسي دراسة في التمثل والتفسير
. قواعد في تفسير القرآن عند النورسي من خلال إشارات الإعجاز
7 - النورسي والتصوف
. النورسى ورؤيته للتصوف المعاصر
. نظرات في الأدب الصوفي عند النورسي
. بديع الزمان سعيد النورسي والتصوف
. أهمية روحانية النورسي المتبصرة في عالم مادي متأزم
6 - دعوة رسائل النور
. دعوة رسائل النور: هل هي حركة؟ أم جمعية؟ أو جماعة؟
. المنهج العوفي وإعلاء كلمة الله عند بديع الزمان
. التبليغ والارشاد في رسائل النور
. العمل الإيجابي القاعدة الثابتة لعمر مديد
. المرأة الإصلاحية في فكر الشيخ النورسي
5 - الرؤية الحضارية في رسائل النور
. من الأسس الفكرية والحضارية في رسائل النور
. البعد العقدي لبنية الإنسان في فكر النورسي

النور للدراسات الحضارية والفكرية
 المركز الرئيسي:  

Kalendarhane Mah. Delikanli Sk. No: 6
Vefa 34134 Fatih - Istanbul / TURKIYE
 Phone: +90 212 527 81 81 - Fax: +90 212 527 80 80