دور الإيمان في تأهيل الشعور بالمسؤولية وتطوير محاسبة النفس

دور الإيمان في تأهيل الشعور بالمسؤولية وتطوير محاسبة النفس

The Role of Belief in Developing a Sense of Responsibility and Self-Questioning

ABSTRACT

Dr. Jamal al-Sa'idi

If the faith stabilizes in the soul, it transforms the human from "a ruiner" to "a worshipper". That is because faith is not only a feeling of heart or conscience, but it is a heart act that reflects its effects on the human in different aspects of his life including worshipping, dealing with others, ethics and behavior regardless of his color, religion, or social situation and even with other creatures surrounding him. Among other fruits of faith and its positive effects on the life of humanity are: it helps giving up sins motivated by faith and religious awareness; contributes to the realization of the meaning of freedom in the need to obey God, and freedom from slavery to other than God since the worshipper feels his desires and pleasures narrowed in himself and conscience; and it also helps confronting the evil-commanding soul and purifying it with faith.

If the soul is left uncontrolled, unquestioned, and without struggle, it tends to rest and inclines to laziness since the faith necessitates some hardship, cost, and deprivation. However, the reality of faith is the opposite; the soul can't feel comfort or tranquility without remembering Allah. So, healing the soul and refining it from despicable worldly perceptions and purifying it from sins require following some steps like: holding firmly to the rope of Allah, following the straight path, acquiring an understanding of the religion and linking knowledge with action because an action without faith and knowledge is useless. Patience is also an essential element for purification and progression which enables the person to purify his soul and refine it in order to ascend to virtues, and ward off from vices.

* * *

الملخص

د. جمال السعيدي[1]

إن الإيمان إذا خالج النفس واستقر فيها يجعل ذلك الإنسان يتحول ويتغير من "إنسان عابث" إلى "إنسان عابد" إذ الإيمان ليس شعورا قلبيا أو وجدانيا وإنما هو عمل قلبي تنعكس آثاره على ظاهر الإنسان في مختلف جوانب حياته من عبادات ومعاملات وأخلاق وسلوك بغض النظر عن لونه أو دينه أو مركزه الاجتماعي حتى مع سائر المخلوقات المحيطة به، ومن ثمار الإيمان وآثاره الإيجابية في حياة البشرية جمعاء أنها تعين على الإقلاع عن المعاصي بدافع إيماني ووازع ديني، وتساهم في تحقيق معنى الحرية في لزوم طاعة الله، والتحرر من الاستعباد لغير الله؛ حيث إن العابد يحس لشهواته وملذاته بضيق في نفسه ووجدانه، كما أنه يساعد في مخالفة النفس الأمّارة بالسوء وتزكيتها بالإيمان.

إن النفس إذا ما تركت بدون محاسبة ولا مراقبة ولا مجاهدة فإنها عادة ما تميل إلى الراحة، وتركن إلى الكسل لما في الإيمان ومقتضياته من مشقة وتكلّف وحرمان. غير أن الحقيقة الإيمانية عكس ذلك؛ إذ لا راحة للنفس ولا سكينة ولا طمأنينة إلا بذكر الله، ولذلك فإن طريق علاج النفس وتزكيتها وتنقيتها من التصورات الدنيوية الدنيئة، وتطهيرها من المعاصي والذنوب تقتضي تنتبع خطوات منها: الاعتصام الدائم بحبل الله القويم، واتباع الصراط المستقيم، والتفقه في الدين وربط العلم بالعمل؛ إذ لا فائدة في عمل بلا اعتقاد وعلم، كما يعتبر الصبر عنصرا أساسيا في التزكية والترقية لكي يتمكن الإنسان من تزكية نفسه وتهذيبها والسمو بها نحو الفضائل، والترفع عن الرذائل.

* * *

يشكل الإيمان أُسّاً أساسيا من أسس الحياة السعيدة، في الدنيا والآخرة. وقد جاءت جميع الرسالات السماوية بدعوة الناس إلى الانطلاق من الإيمان باعتباره هو الكفيل بجعل الحياة الإنسانية والاجتماعية، بل الحياة كلها تعرج إلى معارج السعادة المعنوية والمادية، في كل زمان ومكان.. في الدنيا والآخرة.

وتتأكد هذه الحاجة الماسة إلى الإيمان في كل وقت وحين، كما قال الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي -رحمه الله-: "الإيمان نور لحياة كل فرد من أفراد ذلك الشخص من جهة كما أنه ضياء للعوالم التي يدخلها. وما 'لا إله إلاّ الله' إلاّ مفتاح يفتح ذلك النور. ثم إن الإنسان تتحكم فيه النفس والهوى والوهم والشيطان وتستغل غفلته وتحتال عليه لتضيق الخناق على إيمانه، حتى تسد عليه منافذ النور الإيماني بنثر الشبهات والأوهام. فضلاً عن أنه لا يخلو عالم الإنسان من كلمات وأعمال منافية لظاهر الشريعة، بل تعد لدى قسم من الأئمة في درجة الكفر. لذا فهناك حاجة إلى تجديد الإيمان في كل وقت، بل في كل ساعة، في كل يوم".[2]

إن تجربة الأستاذ سعيد الذاتية والواقعية أكسبته الوقوف على مكامن الداء، وهو ما جعله - رحمه الله - يوقن بأن لا علاج للمشاكل المختلفة التي يتخبط فيها الناس، إلا بالرجوع إلى القرآن والإيمان، وهما اللذان أوقف حياته -رحمه الله- من أجل خدمتهما ودعوة المسلمين والناس جميعا لخدمتهما لإنقاذ البشرية من الآلام والضلالات والمفاسد المختلفة، وجعلهم يسمون بأنفسهم ويسعدون في الدنيا والآخرة، سعادة تمتزج فيه أفراح الروح والعقل والنفس والبدن، في بوتقة واحدة، تحقق شمولية السعادة.

وسأحاول أن أتناول في هذا الإطارِ الموضوعَ من خلال العناصر الآتية، في ضوء كليات رسائل النور:

1 - مفهوم الإيمان وحقيقته.

2 - أهمية الإيمان ودوره في الحياة.

3 - الحاجة إلى الإيمان لمعالجة المشاكل المختلفة

4 - من ثمار الإيمان وآثاره في تزكية النفس وتأهيل الإنسان للشعور بالمسؤولية.

مفهوم الإيمان وحقيقته:

من المعلوم من الدين بالضرورة في الإسلام والرسالات السماوية كلها أنّ أساسَ الدين كلِّه قائم على الإيمان؛ ذلك أن الإيمان هو الذي يحرك مشاعر المؤمنين للإقدام على فعل الطاعات والخيرات، والإحجام عن ارتكاب المعاصي والمنكرات.

وقد وفق الله تعالى الأستاذ سعيد النورسي -رحمه الله- إلى أن ينتبه إلى أهمية الإيمان وأنه أولى الأولويات في الإصلاح والتغيير، وإخراج الناس من الأزمات والمشكلات.

وهذا التصور الشمولي هو ما جعل الأستاذ -رحمه الله- يُوقِفُ حياته كلَّها لخدمة القرآن والإيمان، ويرى أن على الناس جميعا أن يسلكوا هذا المسلك: مسلك خدمة القرآن والإيمان للقضاء على كل الآلام التي تعاني منها البشرية في كل زمان ومكان.

وقد أوضح رحمه الله بعبارة موجزة هذه الحقيقة القرآنية والإيمانية بقوله: "واعلم أن كل الآلام في الضلالة وكل اللذائذ في الإيمان."[3]

والإيمان في اللغة يطلق على التصديق[4] وقد عرفه العلاّمة الأصفهاني بقوله: "وآمن يقال على وجهين: أحدهما متعدِّيا بنفسه. يقال آمنته أي جعلت له الأمْنَ، ومنه قيل لله مؤمنٌ. والثاني غيرُ متعدٍّ ومعناه صار ذا أمنٍ. والإيمانُ يُستعمل تارة اسماً للشريعة التي جاء بها محمد عليه الصلاةُ والسلامُ. وعلى ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾...المائدة:69 وتارة يستعمل على سبيل المدح ويراد به إذعانُ النّفْس للحق على سبيل التصديق، وذلك باجتماع ثلاثة أشياء: تحقيقٌ بالقلب، وإقرارٌ باللسان، وعمل بحَسَب ذلك بالجوارح، وعلى هذا قولُه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾"الحديد:19 [5]

روى الإمام البخاري ‏عَنْ ‏عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ‏رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ‏‏عَنْ النَّبِيِّ ‏صلى الله عليه وسلم ‏قَالَ: "‏الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ".[6]

أورد البخاري هذا الحديث في "كتاب الإيمان" لبيان حقيقة الإيمان، وهي أن المسلم إذا دخل الإيمان إلى قلبه نهاه عن إذاية المسلمين بلسانه ويده، وأنه يكون دائما -بفضل هذا الإيمان- بعيدا عن مواطن المعصية، بخلاف الكافر الذي لم يدخل الإيمان قلبه فإنه لا يرقب في الإنسان إلاًّ ولا ذمة، فما بالك بالمسلم؛ لأنه لا يستشعر عظمة الله وقدرته عليه، لذلك فلا يعظم حرمات الله ومخلوقاته..

إن حلاوة الإيمان -التي يحتاج إليها العالم اليوم أكثر من أي عصر مضى- تقذف في قلب الإنسان حب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم وحب الناس -خاصة المؤمنين منهم- وكراهية الرجوع إلى الكفر والفسوق والمعاصي.

روى البخاري (‏عَنْ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ اللهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏قَالَ: "‏ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ‏ ‏يُقْذَفَ ‏فِي النَّارِ").[7]

ونجد في كليات رسائل النور تعريفا للإيمان أبدعه الأستاذ النورسي، وهو "الإيمان التحقيقي"، الذي جعله في مقابل "الإيمان التقليدي". قال رحمه الله: "لقد قضى أهل الكشف والتحقيق أن الإيمان التحقيقي كلما ارتقى من علم اليقين غالى حق اليقين يستعصي على السلب، فلا يُسلب. وقالوا: إن الشيطان لا يستطيع أن يورث أحداً في سكرات الموت إلاّ إلقاء الشبهات بوساوسه إلى العقل فحسب".[8]

1. أهمية الإيمان ودوره في الحياة:

لا يمكن للناس الذين تجمعهم على كوكب الأرض مصالح دنيوية أن يحيوا حياتهم بدون الإيمان؛ لأن الله فطرنا على الاستعدادات الإيمانية، التي تحقق الأمن والأمان، ومن أكثر الملاحظات التي يمكن ملاحظتها أن زماننا هذا كادت أن تنتفي فيه مظاهر الاستقرار والأمن والأمان في شتى مجالات الحياة.

ومما تميز به الأستاذ الكبير سعيد النورسي -رحمه الله- التنبيه المتكرّر والمبكّر على أهمية الإيمان وضرورته لإنقاذ البشرية خاصة أصحاب المدنية الغربية، التي هي في أمس الحاجة إلى الحضارة الإسلامية؛ ذلك أن هذا النداء بالرجوع إلى الإيمان لحل الأزمات والمشكلات كان يدعو الأستاذ إليه بإلحاح منذ زمن بعيد، وكأنه يعيش اليوم معنا واقعنا البئيس والمليء بكثرة الهرج والمرج!!!

ومما قاله الأستاذ رحمه الله بهذا الصدد: "إن الذي تنتظره الأمة وسيأتي في آخر الزمان، له مهام ثلاثة، وإن أهم وظيفة من هذه الوظائف الثلاث وأعظمها وأجلها هي نشر الإيمان التحقيقي وإنقاذ الإيمان من الضلالة..."[9]

وقد يتساءل الكثير من المسلمين - على وجه الخصوص - ألسنا مؤمنين؟ وجواب الأستاذ -رحمه الله- على هذا السؤال الافتراضي لا يتعلق بالإيمان وإنما يتعلق بجوهر الإيمان، فهو يبين -رحمه الله- "أن الإيمان التقليدي معرّض لهجمات الشبهات والأوهام. أما الإيمان التحقيقي فهو أوسع منه وأقوى وأمتن وله مراتب كثيرة جدا".[10]

وعلى هذا الأساس فلا يمكن لأية فكرة أن تحل محل الإيمان، فللإيمان عدة محاسن، أهمها ربط الإنسان بخالقه والانسجام مع المخلوقات في عبوديتها لله، وتحقيق السعادة الشاملة في الحياة، والسمو بهذا الكائن الإنساني إلى مدارج الفضائل، والترفع عن الرذائل.

وكلما ظهرت الأزمات الإنسانية إلاّ وبرزت أهمية الإيمان، هذا الإيمان الذي ثبت في الدين والواقع -على مرّ العصور- أنه صمّام الأمان والسلم والسلام والمحبة والوئام، وأنه يدرأ عن الناس كل ما يجعلهم في تنافس شرس وخصام، والتكالب على ما في الدنيا من حطام.

ولأهمية الإيمان وضرورة اعتماده والرجوع إليه لتدبير شؤون الحياة ، نجد الأستاذ النورسي رحمه الله يدعو -باستمرار- إلى تجديد الإيمان.

قال رحمه الله: "الإيمان نور لحياة كل فرد من أفراد ذلك الشخص من جهة كما أنه ضياء للعوالم التي يدخلها. وما "لا إله إلاّ الله" إلا مفتاح يفتح ذلك النور. ثم إن الإنسان تتحكم فيه النفس والهوى والوهم والشيطان وتستغل غفلته وتحتال عليه لتضيق الخناق على إيمانه، حتى تسد عليه منافذ النور الإيماني بنثر الشبهات والأوهام. فضلاً عن أنه لا يخلو عالم الإنسان من كلمات وأعمال منافية لظاهر الشريعة، بل تعد لدى قسم من الأئمة في درجة الكفر. لذا فهناك حاجة إلى تجديد الإيمان في كل وقت، بل في كل ساعة، في كل يوم..."[11]

ومعلوم في الدين أن القول يكون نابعا من القلب، ولا يكون الإنسان صادقا في إيمانه إلا إذا حوّل الاعتقاد بالقلب والنطق باللسان إلى التطبيق بالعمل، وهذا يعني أن الإيمان في الإسلام لا يفهم إلاَّ على أنه علم وقول وعمل.

روى الإمام البخاري (عن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ‏رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ‏عَلَى الْمِنْبَرِ ‏قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ‏يَقُولُ: ‏"إِنَّمَا الْأَعْمَالُ ‏بِالنِّيَّاتِ‏ ‏وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا ‏يُصِيبُهَا ‏أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ).[12]

وهذا يعني -في تقديري المتواضع- أن الإخلاص هو الذي يتميّز به العمل لله عن العمل لغير الله. ولا يتحقق الإخلاص إلا بالإيمان، ومحل الإيمان -كما معلوم- في القلب، والجوارح تصدّق القلب أو تكذّبه. ولا يكون العمل مقبولا إلا إذا كان خالصاً لله تعالى.

2. الحاجة إلى الإيمان لمعالجة المشاكل المختلفة:

اتضح لنا جليا مما سبق أن الناس في حاجة مؤكدة إلى الإيمان، لأنه يتضمن معنى الأمن والأمان، والسلم والسلام مع النفس ومع الغير ومع الكون كله.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الإيمان ليس مجرد اعتقاد بالقلب، وتهذيب للنفس، بل إن الإيمان قول وعلم وعمل، كما أن الإيمان لا يقتصر على تهذيب النفس، بل الإيمان يدفع الإنسان لكي يكون إنسانا صالحا في المجتمع، ويعد عنصرا أساسيا في تنمية المجتمع وحمايته من الرذائل المتنوعة.

ولذلك كان همّ الأستاذ النورسي وغايته -إلى أن قضى نحبه وانتقل إلى جوار ربه راضيا مرضيا- هو أن يتمتع كل الناس: مُؤْمِنُهُمْ وغيرُ مُؤْمِنِهِمْ بالإيمان التحقيقي، وقد أفرد لهذا الموضوع الأساسي في الوجود الكلمة الثالثة والثلاثين من كليات رسائل النور، رغبة منه في تنوير قلب الإنسان وعقله بنور القرآن والإيمان، وإنقاذ حياته من الشقاء والتعاسة والضلالة.

قال رحمه الله: "هذا المكتوب (الثالث والثلاثون) الذي يضم ثلاثاً وثلاثين نافذة، نسأل الله تعالى أن يكون زاداً لمن لا إيمان له، فيدعوه إلى حظيرة الإيمان... ويشدَّ من إيمان الذي يجد في إيمانه ضعفاً فيقويه... ويجعل الإيمان القوي التقليدي إيماناً تحقيقياً راسخاً... ويوسع من آفاق الإيمان التحقيقي الراسخ... ويهب لمن كان إيمانه واسعاً مدارج الرقي في المعرفة الإلهية التي هي الأساس في الكمال الحقيقي، ويفتح أمامه مشاهد أكثر نورانية وأشدّ سطوعاً".[13]

كما نبه الأستاذ النورسي رحمه الله إلى مسألة مهمة ترتبط بالإيمان وحقيقته، كثيرا ما يغفل عنها المسلمون، وهي عدم ربط العمل بالإيمان، والاكتفاء بالجانب العملي فقط!

قال رحمه الله: "ثم إن الإيمان لا يحصل بالعلم وحده، إذ أن هناك لطائف كثيرة للإنسان لها حظها من الإيمان. فكما أن الأكل إذا ما دخل المعدة ينقسم ويتوزع إلى مختلف العروق حسب كل عضو من الأعضاء، كذلك المسائل الإيمانية الآتية عن طريق العلم إذا ما دخلت معدة العقل والفهم، فان كل لطيفة من لطائف الجسم -كالروح والقلب والسر والنفس وأمثالها- تأخذ منها وتمصها حسب درجاتها. فان فقدت لطيفة من اللطائف غذاءها المناسب، فالمعرفة إذن ناقصة مبتورة، وتظل تلك اللطيفة محرومة منها".[14]

وإذا غاب الإيمان ضاع العمل الصالح، وإذا انعدم العمل الصالح انتفى الإيمان. وبناء على التكامل بين الإيمان والعمل الصالح، يحصل الاطمئنان والسكينة والتوازن. وإذا ما تأملنا في الحضارة الغربية وجدناها تعاني ويعاني معها العالم كلها المفاسد المتنوعة في شتى مجالات الحياة. وقد كان المفكر الكبير الأستاذ سعيد النورسي رحمه الله يقف وقفات مع هذا الموضوع الذي أرّقه، وأخذ من اهتماماته مما جعله يؤكد على ضرورة الرجوع إلى القرآن والإيمان لإنقاذ البشرية من المفاسد والضلالات.

قال -رحمه الله- وهو يصور أهمية الإسلام وحاجة الناس إليه باعتباره يتضمن ركنين أساسين في الحياة وهما: الإيمان والعمل الصالح، اللذان ينتجان الأخلاق الحسنة: "أجل! إنه لا سعادة لأمة الإسلام إلاّ بتحقيق حقائق الإسلام، وإلاّ فلا، ولا يمكن أن تذوق الأمة السعادة في الدنيا أو تعيش حياة اجتماعية فاضلة إلاّ بتطبيق الشريعة الإسلامية، وإلاّ فلا عدالة قطعاً، ولا أمان مطلقاً. إذ تتغلب عندئذٍ الأخلاق الفاسدة والصفات الذميمة، ويبقى الأمر معلقاً بيد الكذابين والمرائين".[15]

ويعتبر رحمه الله أن المدنية المعاصرة سببا أساسيا في حدوث الأزمات لتخليها عن الإيمان والعمل الصالح، المتمثل في الأخلاق الحسنة. وقد صدق حينما وصف المدنية بأنها "الدنية" وهذا كلامه: "إن كانت غايتكم من سَوق المؤمنين قسراً إلى المدنية التي هي الدنيّة (أي بلا ميم) تسهيلاً لإدارة دفة النظام وبسط الأمن في ربوع المملكة، فاعلموا جيداً أنكم على خطأ جسيم، إذ تسوقون الأمة إلى هاوية طريق فاسد. لأن إدارة مائة من الفاسقين الفاسدين أخلاقيا والمرتابين في اعتقادهم وإيمانهم، وجعل الأمن والنظام يسود فيما بينهم لهو أصعبُ بكثير من إدارة ألوف من الصالحين المتقين ونشر الأمن فيما بينهم".[16]

كما يعتبر الأستاذ رحمه الله "ان المدنية الحاضرة الغربية، لسلوكها طريقاً مناقضاً لأسس دساتير السماء وقيامها بمناهضتها، فقد طفح كيلُ سيئاتها على حسناتها وثقلت كفةُ أضرارها على فوائدها. فلقد اضطرب أمنُ الناس واطمئنانهم، واُقلقوا وأَسِنت سعادتُهم الحقيقية فاختل ما هو مطلوب من المدنية ومقصود منها. حيث قد حلّت بسببها نوازع الإسراف والسفاهة محل بوادر الاقتصاد والقناعة، واستُمرئتْ ميولُ الكسل والدعة وهجرت مراعى السعي والعمل. ولقد ألبست -هذه المدنية- البشرية المضطربة لباس الفقر المدقع وكستها أثواب الكسل والتقاعس الرهيب".[17]

إن الإيمان إذا خالج النفس واستقر فيها تحول الإنسان وتغير من "إنسان عابث" إلى "إنسان عابد" إذ الإيمان ليس شعورا قلبيا أو وجدانيا وغنما هو عمل قلبي تنعكس آثاره على ظاهر الإنسان في مختلف جوانب حياته من عبادات ومعاملات وأخلاق وسلوك مع الإنسان بغض النظر عن لونه أو دينه أو مركزه الاجتماعي وهكذا مع سائر المخلوقات المحيطة بالإنسان.

وهذا كله يستلزم وجوباً المسارعة إلى إسداء النصيحة، وتبادل التناصح فيما بيننا، وفي هذا يروي الإمام البخاري (عن ‏جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ‏يَقُولُ ‏يَوْمَ مَاتَ‏ ‏الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ‏قَامَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ عَلَيْكُمْ بِاتِّقَاءِ اللهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ‏ ‏وَالْوَقَارِ‏ ‏وَالسَّكِينَةِ ‏حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ فَإِنَّمَا ‏يَأْتِيكُمْ الْآنَ ثُمَّ قَالَ ‏اسْتَعْفُوا‏ ‏لِأَمِيرِكُمْ فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الْعَفْوَ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ ‏صلى الله عليه وسلم ‏قُلْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَشَرَطَ عَلَيَّ‏ ‏وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ فَبَايَعْتُهُ عَلَى هَذَا وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ إِنِّي لَنَاصِحٌ لَكُمْ ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ).[18]

فما هي آثار الإيمان وثماره التي تنعكس على الإنسان في رسائل النور؟ هذا ما سأحاول بسط الكلام فيه.

3. من ثمار الإيمان وآثاره في تزكية النفس وتأهيل الإنسان للشعور بالمسؤولية:

قال الأستاذ النورسي -رحمه الله-: "فلله الحمد والمنة، إن موازين رسائل النور قد بينت ثمرات الدين الإسلامي وحقائق القرآن ونتائجهما بياناً شافياً وافياً -بفيض الإعجاز المعنوي للقرآن الكريم- بحيث لو فهمها حتى من لا دين له لا يمكن أن يكون غير موالٍ لها. وقد أظهرت هذه الرسائل دلائل الإيمان والإسلام وبراهينهما كذلك قوية راسخة بحيث لو فهمها غير المسلم يصدّق بها لا محالة، ويؤمن بها رغم بقائه على غير الإسلام. نعم، إن 'الكلمات' قد وضّحت ثمار الإيمان والإسلام توضيحاً جميلاً حلواً، كجمال ثمار طوبى الجنة ولذتها، وأوضحت نتائجهما اليانعة الطيبة كأطايب سعادة الدارين، حتى أنها تمنح كل من رآها واطلع عليها وعرفها شعور الولاء والانحياز".[19]

ومن ثمار الإيمان وآثاره الإيجابية في حياة البشرية جمعاء أنها تعين على:

1 / الإقلاع عن المعاصي بدافع إيماني ووازع ديني، وإلا إذا غاب الإيمان فمن يملك منع العاصي من ارتكاب معصيته، خصوصا أن المعاصي -اليوم- أصبحت شائعة أكثر من ذي قبل وبوسائل وأساليب أكثر خبثا وانتشارا وتزيينا لها.

وفي هذا الشأن يقول الأستاذ سعيد النورسي: "إن السارق فينا في اللحظة التي يمد يده للسرقة يتذكر إجراء الحدّ الشرعي عليه، ويخطر بباله انه أمر الهي نازل من العرش الأعظم، فكأنه يسمع بخاصية الإيمان بأذن قلبه ويشعر حقيقةً بالكلام الأزلي الذي يقول: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾.المائدة:38 فيهيج عنده ما يحمله من إيمان وعقيدة، وتثار مشاعره النبيلة، فتحصل له حالة روحية أشبه ما يكون بهجوم يُشن من أطراف الوجدان وأعماقه على ميل السرقة، فيتشتت ذلك الميل الناشئ من النفس الأمارة بالسوء والهوى، وينسحب وينكمش، وهكذا بتوالي التذكير هذا يزول ذلك الميل إلى السرقة، إذ الذي يهاجم ذلك الميل ليس الوهم والفكر وحدهما وإنما قوى معنوية من عقل وقلب ووجدان، كلها تهاجم دفعة واحدة ذلك الميل والهوى فبتذكر الحد الشرعي يقف تجاه ذلك الميل زجرٌ سماوي ورادع وجداني فيسكتانه"[20]

2 / تحقيق معنى الحرية في لزوم طاعة الله، والتحرر من الاستعباد لغير الله. وهذه مسالة جوهرية في حياة الإنسان قليل من ينتبه غليها، بحيث إنه يحس العابد لشهواته وملذاته بضيق في نفسه ووجدانه، ولا يتذوق معنى الإحساس بالحرية، وقد جاءت الشرائع السماوية من أجل تحرير هذا الإنسان الذي بيّن له الله تعالى أن مخلوق لعبادته وحده بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.الذاريات:56

وإذا قلبنا كثيرا من صفحات رسائل النور على مؤلفها الأستاذ سعيد النورسي رحمات الله وجدناه أنه كان يكثر من النداء بالرجوع إلى القرآن والإيمان وإفناء الأعمار في سبيل خدمتهما من جهة وللتحرر من غير الله للحصول على ثمار الحرية في ملكوت الله. ومما قاله في هذا الصدد: "ان الشريعة الغراء باقية إلى الأبد؛ لأنها آتية من الكلام الأزلي وان النجاة والخلاص من تحكم النفس الأمارة بالسوء بنا هي بالاعتماد على الإسلام والاستناد إليه والتمسك بحبل الله المتين. وان جني فوائد الحرية الحقة والاستفادة منها استفادة كاملة منوط بالاستمداد من الإيمان؛ ذلك لأن من أراد العبودية الخالصة لرب العالمين لا ينبغي له أن يذلّ نفسه فيكون عبداً للعبيد.وحيث أن كل إنسان راعٍ في مُلكه وعالَمه فهو مكلّف بالجهاد الأكبر في عالمه الأصغر ومأمور بالتخلق بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وإحياء سنته الشريفة".[21]

3 / تقوية الحرية لدى صاحب الإيمان، لأن الأصل في الإنسان أن يحيا حياة حرة في إطار عبوديته الخالصة لخالقه وهو الله تبارك وتعالى، وإلا انقلبت الحرية إلى فوضى وإفساد في الأرض.

قال الأستاذ -رحمه الله-: "المؤمن حرّ في ذاته. فالذي هو عبد لله رب العالمين لا ينبغي له أن يتذلل للناس، بمعنى: كلما رسخ الإيمان قويت الحرية. أما الحرية المطلقة فما هي إلا الوحشية المطلقة بل بهيمية، وتحديد الحرية ضروري من وجهة نظر الإنسانية".[22]

4 / تحقيق السعادة في الدنيا والآخرة. وقد ورد في القرآن الكريم ما يدل على ذلك، من ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾النحل:97 وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ~ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.﴾يونس:9-10

ومن حرم السعادة غشيته الشقاوة في الدنيا والاخرة وفي هذا يقول تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ~ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ~ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً ~ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى ~ وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى. طه:23-27

ونظرا لأهمية هذه الحقيقة التي ضاعت حتى عند بعض أهل الإيمان الذين كانوا ينفِّرون أهل الكفر من الإيمان بسبب عدم ربط أعمالهم بالإيمان، لأهمية ذلك يقول الأستاذ -رحمه الله-: "ولو أننا أظهرنا بأفعالنا وسلوكنا مكارم أخلاق الإسلام وكمال حقائق الإيمان، لدخل أتباع الأديان الأخرى في الإسلام جماعات وأفواجاً. بل لربما رضخت دول العالم وقاراته للإسلام".[23]

مع العلم أن للإيمان ثماراً وهي أن صاحب الإيمان يكون في سعادة، فلماذا يحرم نفسه من السعادة وتبعا لذلك يكون سببا لحرمان غيره من السعادة أيضاً، وهي ما عبر عنها بـ "الجنة المعنوية" وهذا كلامه:

"إن في الإيمان حقّاً جنة معنوية، وان في الضلال جحيماً معنوياً أيضا في هذه الدنيا ذاتها".[24]

5 / محالفة النفس الأمّارة بالسوء وتزكيتها بالإيمان.

إن النفس إذا ما تركت بدون محاسبة ولا مراقبة ولا مجاهدة فإنها عادة ما تميل إلى الراحة، وتركن إلى الكسل لما في الإيمان ومقتضياته -ظاهريا- من مشقة وتكلّف وحرمان. غير أن الحقيقة الإيمانية عكس ذلك؛ إذ لا راحة للنفس ولا سكينة ولا طمأنينة إلا بذكر الله، ولا سعادة إلاّ في اللجوء إلى ذكر الله باستمرار لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.الرعد:28

وقد حدد الله تعالى في القرآن الكريم أوصافاً ثلاثة للنفس، وبيّن لنا كيف نتغلب على تقلباتها لتطويعها وجعلها نفسا زكية، نسمو بها ونرتقي إلى الأعلى.

فالصفة الأولى: هي النفس المطمئنة، وهي نفس المؤمن الصالح. قال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ~ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ~ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ~ وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾.الفجر:27-30

والصفة الثانية: هي النفس اللّوامة، وهي النفس التي تلوم صاحبها على عدم فعل الطاعة إن كان المقام يقتضي الفعل، كما تلومه على عدم ترك المعصية. قال تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾.القيامة:1-2

أورد الإمام القرطبي في تفسيره كلام الفرّاء في بيان النفس اللوامة بقوله: "ليس من نفس محسنة أو مسيئة إلاّ وهي تلوم نفسها؛ فالمحسن يلوم نفسه أن لو كان ازداد إحساناً، والمسيء يلوم نفسه ألاّ يكون ارعوى عن إساءته"[25]

أما الصفة الثالثة: فهي النفس الأمّارة بالسوء، وهي التي تزيّن لصاحبها المعاصي وتدفعه إلى الانغماس فيها، وتكرّه له الطاعات وتمنعه من القيام بها. قال تعال قال تعالى عن هذه النفس الخبيثة في معرض قصة امرأة العزيز حينما راودت يوسف عليه السلام عن نفسه ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.يوسف:53

وللأستاذ سعيد النورسي -رحمه الله- في بيان سلبيات النفس الأمارة السوء، وكيف ينبغي لنا أن نقوم بإلجامها وقمعها ومنعها من أن تسوقنا نحو الهاوية والشقاء في الدارين: الدنيا والآخرة، للأستاذ كلام معبّر عن هذه الحقيقة التي يجهلها كثير من الناس. قال -رحمه الله-: "أما حكمة القرآن الكريم، فهي تقبل 'الحق' نقطة استناد في الحياة الاجتماعية، بدلاً من 'القوة'... وتجعل 'رضى الله سبحانه' ونيل الفضائل هو الغاية، بدلاً من 'المنفعة'... وتتخذ دستور 'التعاون' أساساً في الحياة، بدلاً من دستور 'الصراع'... وتلتزم برابطة 'الدين' والصنف والوطن لربط فئات الجماعات بدلاً من العنصرية والقومية السلبية... وتجعل غاياتها الحد من تجاوز النفس الأمارة ودفع الروح إلى معالي الأمور، وإشباع مشاعرها السامية لسوق الإنسان نحو الكمال والمثل الإنسانية.

إن شأن 'الحق' هو 'الاتفاق'... وشأن 'الفضيلة' هو 'التساند'... وشأن دستور 'التعاون' هو 'إغاثة كل للآخر'... وشأن 'الدين' هو 'الأخوة والتكاتف'... وشأن 'إلجام النفس' وكبح جماحها وإطلاق الروح وحثها نحو الكمال هو 'سعادة الدارين'..."[26]

ويرى الأستاذ رحمه الله كذلك "أن النفس الأمارة بإمكانها اقتراف جنايةٍ لا نهاية لها في جهة الشر والتخريب، أما في الخير والإيجاد فان طاقتها محدودة وجزئية؛ إذ الإنسان يستطيع هدمَ بيتٍ في يوم واحد إلا أنه لا يستطيع أن يشيّده في مائة يوم. أما إذا تخلى الإنسان عن الأنانية، وطلب الخير والوجود من التوفيق الإلهي وأرجَعَ الامرَ إليه، وابتعد عن الشر والتخريب، وترك اتباعَ هوى النفس. فاكتمل عبداً لله تعالى تائباً مستغفراً، ذاكراً له سبحانه. فسيكون مَظهراً للآية الكريمة: ﴿يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾الفرقان:70 فتنقلب القابلية العظمى عندَه للشر إلى قابلية عظمى للخير. ويكتسب قيمة "أحسن تقويم" فيحلق عالياً إلى أعلى عليين"[27]

ولكي نتلمّس طريق علاج النفس وتزكيتها وتنقيتها من التصورات الدنيوية الدنيئة، وتطهيرها من المعاصي والذنوب أرى أن نتبع الخطوات التالية، وهي:

أوّلاً: الاعتصام الدائم بحبل الله القويم، واتباع الصراط المستقيم، ومصداق ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً ~ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾.النساء:174-175

وقوله سبحانه: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾آل عمران:101

ثانياً: التفقه في الدين، وذلك بالتعرف على المعلوم من الدين بالضرورة، ويشمل ذلك أصول الدين وأركان الإسلام والأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات والأخلاق. ويمكن اعتبار الجهل بهذه الأمور الأساسية -التي يبنى عليها الدين كلّه- مسلكا وعراً يؤدي لا محالة إلى إيقاع النفس في المعاصي والفتن وقد تنهي بالإنسان على الابتعاد عن الله ورحمته، واستحقاق نقمته في الدارين.

ثالثاً: ربط العلم بالعمل، إذ لا فائدة من اعتقاد وعلم دون عمل. وقد أكّد القرآن الكريم والسنة النبوية الجمع بين الإيمان والعمل الصالح، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ ~ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ~ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.العصر:1-3

إن العمل الصالح المقرون بالإيمان يثمر تقوى الله بتجنّب المعاصي والاستغفار منها عند اقترافها وبعدها، لذلك نجد الله تعالى يكثر من الأمر بملازمة التقوى في كل قول أو عمل، من ذلك قوله تعالى: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.الأنفال:29

فالنفس كلما كانت متصلة بالله، وفّقها الله إلى الخير والعمل الصالح، وعصمها من الوقوع في الشر والعمل الطالح.

رابعا: المواظبة على إقامة الصلاة والمحافظة عليها لأنها طريق الفلاح والنجاح والفوز برضا الله وما أعده الله للمحافظين على الصلاة. قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ~ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ~ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ~ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ~ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ~ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ~ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ~ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ~ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ~ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ~ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَالمؤمنون:1-11

وإذا تأمّلنا في مظاهر العبادة نجد أن الله شرع لنا الصلاة خمس مرات في كل يوم وليلة، باعتبارها أعظم مظهر من مظاهر عبادة لله. ومن كان هذا حالُه مع الله، فلا يكون إلاّ إنساناً سعيداً وساعياً إلى حب الخير لنفسه ولغيره، ومحسنا إلى نفسه وغيره.

ذلك "أن الصلاة بذاتها راحة كبرى للروح والقلب والعقل معاً. فضلاً عن أنها ليست عملاً مرهقاً للجسد. وفوق ذلك فإن سائر أعمال المصلّي الدنيوية المباحة ستكون له بمثابة عبادة الله، وذلك بالنّيّة الصالحة..فيستطيع أن يحوّل المصلّي جميع رأس مال عمره إلى الآخرة، فيكسب عمراً خالداً بعمره الفاني"[28]

ويؤكد الأستاذ -رحمه الله- أهمية الصلاة، لأنها أهم عمل يقوم به الإنسان تجاه الخالق الذي خلق الإنسان لعبادته، يؤكد ذلك بقوله: "ثم إن فطرة الإنسان وما أودع الله فيه من أجهزة معنوية تدلاّن على أنه مخلوق للعبادة؛ لأن ما اُودع فيه من قدرات وما يؤديه من عمل لحياته الدنيا لا تبلغه مرتبة أدنى عصفور -الذي يتمتع بالحياة أكثر منه وأفضل- بينما يكون الإنسان سلطان الكائنات وسيد المخلوقات من حيث حياته المعنوية والأخروية بما أودع الله فيه من علم به وافتقار إليه وقيام بعبادته".[29]

خامساً: تعاهد تلاوة القرآن الكريم مع تدبر آياته لأن ذلك مما يعين على تزكية النفس وتقويم اعوجاجها بالتأمل في أوامره لامتثالها، والتفكر في نواهيه لاجتنابها.

ومن الآيات التي ورد فيها الأمر بتعاهد القرآن الكريم، وتدبره قوله سبحانه: "وقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ~ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً ~ نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً ~ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً ~ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ~ إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءاً وَأَقْوَمُ قِيلاً ~ إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً ~ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً.﴾"المزمل:1-8

إن هذه الآيات الكريمة تبين لنا أن أفضل وقت لتلاوة القرآن هو أثناء قراءة الورد اليومي، الذي أقله حزبان (أي ما يعادل جزءاً واحداً) أو أثناء الصلاة، خصوصا صلاة النوافل. وإن أفضل هيئة لقراءة القرآن بصفة منتظمة هو أثناء قيام الليل حيث يكون الإنسان في سكينة وتفرغ من المشاغل والمشاكل التي عادة ما تكون في النهار. كل هذا يعين على حسن التدبر والتأمل الذي ورد الأمر به في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾.محمد:24

قال الإمام البخاري: (حَدَّثَنَا ‏عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ ‏أَخْبَرَنَا ‏مَالِكٌ ‏عَنْ ‏نَافِعٍ ‏عَنْ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ‏أَنَّ رَسُولَ اللهِ ‏صلى الله عليه وسلم ‏قَالَ‏: "إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ ‏إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ").[30]

وقال كذلك: (‏حَدَّثَنَا ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏حَدَّثَنَا ‏أَبُو أُسَامَةَ ‏عَنْ ‏بُرَيْدٍ ‏عَنْ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏عَنْ ‏أَبِي مُوسَى ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏قَالَ: "‏تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ ‏تَفَصِّيًا ‏مِن الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا").[31]

سادساً: التأمّل في المصير بعد الموت، ومفارقة الدنيا. كثيرا ما لا يلقي الإنسان بالاً لما بعد الموت، فيبقى سجينا لتلبية رغبات نفسه قبل الموت، مع العلم أن الإنسان سيحاسب على حياته كلها؛ ذلك أن الإنسان لم يخلق للدنيا وإنما خلق للآخرة، قالدنيا -كما هو مقرر في الدين- دار عمل والآخرة دار جزاء.

قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ﴾.الإنشقاق:6

وقال سبحانه: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾.البقرة:281

قال الإمام البخاري: (حَدَّثَنَا ‏أَبُو النُّعْمَانِ ‏حَدَّثَنَا ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ‏عَنْ ‏أَيُّوبَ ‏عَنْ ‏نَافِعٍ ‏عَنْ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ‏قَالَ ‏‏قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "‏إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ غُدْوَةً وَعَشِيًّا إِمَّا النَّارُ وَإِمَّا الْجَنَّةُ فَيُقَالُ هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى تُبْعَثَ إِلَيْهِ.")[32]

سابعاً: اختيار الرفقة الصالحة، ذلك أن الناس يتأثرون بجلسائهم، بسبب مرافقتهم ومصاحبتهم لمدة طويلة، فالنفس -كما هو معلوم- مطبوعة على التقليد والاتباع، خصوصا عندما لا تكون لديها مناعة أو حصانة لتمييز ما ينبغي قوله وفعله وبين ما لا ينبغي قوله أو فعله.

إن الإنسان يحتاج أن يكون ذا نفس زكية بفعل ما يزكّيها، وترك ما يدسّيها. وكثير من الناس من لا يعتبر أن المسؤولية هنا تقع على الإنسان نفسه قبل غيره؛ لأن الله أعطى لكل إنسان العقل ليميز به، ويفحص الأشياء قبل الإقدام على فعلها أو تركها.

وفي هذا يقول الحق سبحانه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ~ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ~ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ~ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾.الشمس:7-10

نجد أن الإنسان المقلد الذي لم يحسن اختيار الأصحاب في الدنيا يأتي يوم القيامة نادما، وهو يلوم الأخلاء والرفقاء الذين أضلوه وأبعدوه عن طريق القرآن والإيمان.

وقد سجل الله تعالى هذه المشاهد في كثير من المواضع في القرآن، أذكر بعض النماذج منها.

قال سبحانه: ﴿وَبَرَزُواْ لِلهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ ~ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.إبراهيم:21-22

وقال عز وجل: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ~ يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً ~ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولاً﴾.الفرقان:27-29

وإن الندم لا ينفع، لأن الندم يكون في الدنيا قبل الموت، أم الآخرة فقد جعلها الله تعالى دار جزاء، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ~ وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ ~ وَلَن يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.المنافقون:9-11

قال الإمام البخاري: (حَدَّثَنَا ‏مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ‏حَدَّثَنَا ‏أَبُو أُسَامَةَ‏ ‏عَنْ ‏بُرَيْدٍ ‏عَنْ ‏أَبِي بُرْدَةَ ‏عَنْ ‏أَبِي مُوسَى ‏رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ‏عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ‏قَالَ:‏ "‏مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ‏ الْكِيرِ ‏فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ ‏يُحْذِيَكَ‏ ‏وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً")[33]

ثامناً: بقي أن أقرر أمرا آخر ذا أهمية بالغة، وهو لكي يتمكن الإنسان من تزكية نفسه وتهذيبها والسمو بها نحو الفضائل، والترفع عن الرذائل، فلابد من إحاطة كل ذلك بالصبر، فالصبر عنصر أساسي في التزكية والترقية. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَآل عمران:200 والآيات في الصبر كثيرة جدا.

قال الإمام البخاري: (حَدَّثَنَا ‏أَبُو الْيَمَانِ ‏أَخْبَرَنَا ‏شُعَيْبٌ ‏عَنْ ‏الزُّهْرِيِّ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ ‏أَنَّ ‏أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ‏أَخْبَرَهُ ‏‏أَنَّ أُنَاسًا مِنْ ‏الْأَنْصَارِ ‏سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ‏صلى الله عليه وسلم ‏فَلَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا أَعْطَاهُ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُمْ حِينَ نَفِدَ كُلُّ شَيْءٍ أَنْفَقَ بِيَدَيْهِ "‏مَا يَكُنْ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ لَا أَدَّخِرْهُ عَنْكُمْ وَإِنَّهُ مَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفَّهُ اللهُ وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ وَلَنْ تُعْطَوْا عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ").[34]

والأحاديث النبوية في موضوع الصبر وبيان فضله أكثر من أن تحصى.

خاتمة البحث

وأودّ في ختام هذا البحث أن أورد كلام الأستاذ النورسي -رحمه الله- وهو كلام نفيس، يمكن أن نلخص به كل ما سبق أن قلناه وبيناه، يقول: "إن دروس الإيمان التحقيقي، مع توجيهها الأنظار إلى الآخرة، تُعلّم أن الدنيا مزرعةٌ للآخرة وسوقٌ ومعملٌ لها، وتدفع إلى السعي الحثيث في الحياة الدنيا، ثم إنها تُكسب القوة المعنوية المنهارة في غياب الإيمان قوةً، وتسوق اليائسين الساقطين في العطالة واللامبالاة إلى الشوق والهمة وتحثهم إلى السعي والعمل. فهل يرضى الذين يريدون أن يحيوا في هذه الدنيا بوجود قانون يمنع دروس الإيمان التحقيقي الذي يضمن لذة الحياة الدنيوية والشوق للعمل والقوة المعنوية للصمود بوجه مصائب الدنيا الكثيرة، وهل يمكن أن يوجد قانون مثل هذا؟"[35]

كما يقول كذلك: "إن حقائق الشريعة التي هي قوانين دقيقة عميقة جارية في فطرة العالم، كم حافظت على موازنة قوانين الفطرة وروابط الاجتماعيات التي بدقتها لا تتراءى لعقول أولئك القوم!! نعم! إن المحافظة على حقائق الشريعة، في هذه الأعصار المديدة، مع تلك المصادمات العظيمة بل انكشافها أكثر، يدل على أن مسلك الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مؤسس على الحق الذي لا يزول... فاستمع بذهن متفتح واسع يملك قوة في المحاكمة العقلية ودقة في الملاحظة، إلى ما يأتي:إن محمداً الهاشمي صلى الله عليه وسلم مع أنه أمي لم يقرأ ولم يكتب، ومع عدم قوته الظاهرية وعدم ميله إلى تحكم وسلطنة... قد تشبث بقلبه -بوثوق واطمئنان، في موقع في غاية الخطر وفي مقام مهم- بأمر عظيم، فغلب على الأفكار، وتحبب إلى الأرواح، وتسلط على الطبائع وقلع من أعماق قلوبهم العادات والأخلاق الوحشية المألوفة الراسخة المستمرة الكثيرة. ثم غرس في موضعها في غاية الإحكام والقوة -كأنها اختلطت بلحمهم ودمهم- أخلاقا عالية وعادات حسنة... وقد بدّل قساوة قلوب قوم خامدين في زوايا الوحشة بحسيات رقيقة واظهر جوهر إنسانيتهم، ثم أخرجهم من زوايا النسيان ورقى بهم إلى أوج المدنية وصيّرهم معلمي عالمهم، وأسس لهم دولة عظيمة في زمن قليل. فأصبحت كالشعلة الجوالة والنور النوار بل كعصا موسى تبتلع سائر الدول وتمحوها. فأظهر صدقه ونبوته وتمسكه بالحق إلى كل مَن لم تعم بصيرته".[36]

وهذا لا يعني التخلي عن كل ما هو إنساني، والاكتفاء بكل ما هو ربّاني، بل الحكمة تقتضي الاستناد إلى كل ما هو رباني ثبتت ربانيته من القرآن الكريم، ومما صحت نسبته إلى الرسول الرحيم صلى الله عليه وسلم، وكل ما أجمعت عليه الأمة الإسلامية، ثم الاستفادة من كل ما هو إنساني شريطة ألا يتعارض مع الوحي الإلهي والفطرة السليمة والعقول المستقيمة، خصوصا ما يرد علينا من المدنية الغربية، التي نحتاج إلى الاستفادة مما عندها من محاسن.

وقد قال الأستاذ النورسي رحمه الله معلّقاً على من يذمّ المدنية الغربية دون تمحيص ولا تمييز بين ما فيها من منافع ومحاسن من جهة، وما فيها من مضار ومساوئ من جهة ثانية. قال رحمه الله: "إن قصدنا من المدنية هو محاسنها وجوانبها النافعة للبشرية، وليس ذنوبها".[37]

* * *

المصادر والمراجع

(مرتبة حسب حروف المعجم. اعتمدت في الترتيب على لقب المؤلف مع إسقاط "ال" و "ابن")

1- العلامة الراغب الأصفهاني، معجم مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق نديم مرعشلي، دار الفكر، بيروت لبنان، بدون تاريخ.

2- الإمام أبو عبد الله بن إسماعيل البخاري، الجامع الصحيح، دار الفكر، بدون تاريخ، بيروت - لبنان

3- الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، دار ابن حزم، ط1، 1425هـ - 2004م، بيروت - لبنان.

4- العلامة ابن منظور، لسان العرب (مستخرج من الشبكة العنكبوتية)

5- الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي: (تم اعتماد جمع المادة العلمية من قرص مدمج يتضمن كليات رسائل النور الآتية):

1. كليات رسائل النور (1) الكلمات، ترجمة إحسان قاسم الصّالحي،

2. كليات رسائل النور (2) المكتوبات، ترجمة إحسان قاسم الصّالحي،

3. كليات رسائل النور (5) إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز، تحقيق إحسان قاسم الصالحي،

4. كليات رسائل النور(7) الملاحق - ملحق أميرداغ/1، ترجمة إحسان قاسم الصالحي،

5. كليات رسائل النور(7) ملحق أميرداغ/ 2، ترجمة إحسان قاسم الصالحي،

6. كليات رسائل النور(7) الملاحق في فقه دعوة النور، ملحق قسطموني، ترجمة إحسان قاسم الصالحي،

7. كليات رسائل النور (8) صيقل الإسلام/الخطبة الشامية، ترجمة إحسان قاسم الصالحي،

8. كليات رسائل النور (9) سيرة ذاتية، إعداد وترجمة إحسان قاسم الصالحي.

* * *

الهوامش:

[1] أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، شعبة الدراسات الإسلامية - جامعة محمد الخامس، أكدال - الرباط / المملكة المغربية.

[2] الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي، كليات رسائل النور (2) ترجمة إحسان قاسم الصّالحي، المكتوبات، المكتوب26، ص: 428.

[3] الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي كليات رسائل النور (5) إشارات الإعجاز، تحقيق إحسان قاسم الصالحي، ص: 37.

[4] انظر ابن منظور لسان العرب، مادة "أمن".

[5] الراغب الأصفهاني، معجم مفردات ألفاظ القرآن، مادة "أمن" ص: 22 و23 - بتصرف طفيف - تحقيق نديم مرعشلي، دار الفكر، بيروت لبنان، بدون تاريخ.

[6] الإمام البخاري، الجامع الصحيح، 1/11- كتاب الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، دار الفكر، بدون تاريخ، بيروت – لبنان.

[7] الإمام البخاري، الجامع الصحيح، 1/12 - كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، دار الفكر، بدون تاريخ، بيروت – لبنان.

[8] الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي،كليات رسائل النور(7) الملاحق في فقه دعوة النور، ملحق قسطموني، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، ص: 110.

[9] الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي، كليات رسائل النور(7) الملاحق في فقه دعوة النور، ملحق قسطموني، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، ص: 195.

[10] كليات رسائل النور(7) الملاحق - ملحق أميرداغ/1، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، ص: 278.

[11] الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي،كليات رسائل النور(2) المكتوبات، المكتوب 26، ترجمة إحسان قاسم الصّالحي، 428.

[12] الإمام البخاري، الجامع الصحيح، 1/ 6 - باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ، دار الفكر، بدون تاريخ، بيروت – لبنان.

[13] الأستاذ سعيد النّورسي،كليات رسائل النور (1) الكلمات، الكلمة الثالثة والثلاثون، ترجمة إحسان قاسم الصّالحي، ص: 833.

[14] كليات رسائل النور2 المكتوبات، المكتوب 26 - ترجمة إحسان قاسم الصّالحي، ص: 426.

[15] بديع الزمان سعيد النّورسي،كليات رسائل النور (8) صيقل الإسلام/الخطبة الشامية، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، ص: 521.

[16] نفس المرجع والصفحة.

[17] بديع الزمان سعيد النّورسي، كليات رسائل النور(7) ملحق أميرداغ 2 ، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، ص: 377.

[18] الإمام البخاري، الجامع الصحيح، 1/ 20 - كتاب الإيمان، باب قول النبي  الدين النصيحة...، دار الفكر، بدون تاريخ، بيروت – لبنان.

قال رحمه الله: "هذه الكلمة هي " الكلمة الثالثة والثلاثون "من جهة، وهي" المكتوب الثالث والثلاثون" من جهة أخرى".

[19] كليات رسائل النور2 المكتوبات، المكتوب التاسع - ترجمة إحسان قاسم الصّالحي، ص: 42.

[20] بديع الزمان سعيد النّورسي،كليات رسائل النور (8)، صيقل الإسلام/الخطبة الشامية - ص: 522.

[21] بديع الزمان سعيد النّورسي،كليات رسائل النور (8)، صيقل الإسلام/الخطبة الشامية - ص: 531.

[22] الأستاذ بديع الزمان سعيد النّورسي،كليات رسائل النور (8)، صيقل الإسلام/الخطبة الشامية - ص: 535.

[23] الأستاذ بديع الزمان سعيد النّورسي،كليات رسائل النور (8)، صيقل الإسلام/الخطبة الشامية - ص: 494.

[24] نفس المرجع، ص: 486.

[25] الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 2/ 3201، دار ابن حزم، ط1، 1425هـ - 2004م، بيروت - لبنان. (نظرا لتعدد الطبعات واختلافها، يرجى الرجوع إلى تفسير سورة القيامة مباشرة).

[26] الأستاذ بديع الزمان سعيد النّورسي، كليات رسائل النور (1) الكلمات/الكلمة 12، ص: 145-146، ترجمة إحسان قاسم الصّالحي.

[27] الأستاذ بديع الزمان سعيد النّورسي، كليات رسائل النور (1) الكلمات/الكلمة 23ص: 361 ترجمة إحسان قاسم الصالحي.

[28] الأستاذ بديع الزمان سعيد النّورسي، كليات رسائل النور (1) الكلمات، الكلمة الرابعة، ص: 17.

[29] الأستاذ بديع الزمان سعيد النّورسي،كليات رسائل النور (1) الكلمات، الكلمة الخامسة، ص: 20 إعداد وترجمة إحسان قاسم الصالحي.

[30] الإمام البخاري، الجامع الصحيح، 3/233 - كتاب فضائل القرآن، باب استذكار القرآن وتعاهده، دار الفكر، بدون تاريخ، بيروت – لبنان.

[31] الإمام البخاري، الجامع الصحيح، 3/233 - كتاب فضائل القرآن، باب استذكار القرآن وتعاهده، دار الفكر، بدون تاريخ، بيروت – لبنان.

[32] الإمام البخاري، الجامع الصحيح، 4/131 - باب ما جاء في الرقاق وأن لا عيش إلا عيش الآخرة، باب سكرات الموت، دار الفكر، بدون تاريخ، بيروت-لبنان.

[33] الإمام البخاري، الجامع الصحيح، 3/314 - كتاب الذبائح والصيد، باب المسك، دار الفكر، بدون تاريخ، بيروت – لبنان.

[34] الإمام البخاري، الجامع الصحيح، 4/124-125، باب ما جاء في الرقاق وأن لا عيش إلا عيش الآخرة، باب الصبر عن المحارم، دار الفكر، بدون تاريخ، بيروت – لبنان.

[35] الأستاذ سعيد النّورسي،كليات رسائل النور (9) سيرة ذاتية، إعداد وترجمة إحسان قاسم الصالحي ص: 266-267.

[36] الأستاذ بديع الزمان سعيد النّورسي،كليات رسائل النور (8)، صيقل الإسلام/ محاكمات - ص: 148 (بتصرف طفيف).

[37] الأستاذ بديع الزمان سعيد النّورسي،كليات رسائل النور (8)، صيقل الإسلام / الخطبة الشامية، ص: 500


 

أرشيف الدراسات

16 - العمل الإيجابي 2
. الفقه المصلحي عند الإمام النورسي وأثره في صناعة الإيجابية
. دور الإيمان في تأهيل الشعور بالمسؤولية وتطوير محاسبة النفس
. مقولة الإنسان عند العرفاء، جلال الدين الرومي أنموذجا
15 - الإيجابية والعمل الإيجابي في رسائل النور
. محطات بارزة من التاريخ المعاصر وأثرها في حياة النورسي ومدرسته
. التّكامل الأخلاقي وأثره الإيجابي في إنشاء الشخصية الارتقائية
. بديع الزمان سعيد النورسي ومفهوم الجهاد في العصر الحديث
. العدالة والسعادة مقاربة لمفهوم المجتمع الفاضل بين النورسي والفارابي والترمذي
14 - بعض قضايا الفكر الإسلامي في رسائل النور
. قراءة الأنبياء كتاب الكون من خلال رسائل النور
. مبادئ الإصلاح التربوي عند الإمام بديع الزمان سعيد النورسي
13 - الإنسان في رسائل النور وجودا، ومهمة، وغاية
. النورسي والبعد الجمالي في أسلوبيات القرآن الكريم
. دور الشريعة الإسلامية السمحاء في تثبيت الأمن العالمي
12 - مفاهيم وردت العناية بها في رسائل النور
. الترادف في القرآن الكريم
. الإنسان والقيم عند ابن خلدون
11 - وقفات مع بعض عناصر القوة المعنوية
. جمالية المضمون العلمي في رسائل النور أصولها وملامحها
. درس الإلهيات عند النورسي معالم المنهج ومؤشرات التجديد
. نقد الْحَضَارَةِ الغربية وتقويمها فِكْرِ الإِمَامِ سَعِيدِ النُّورْسِي
10 - عنوان الملف: الأخلاق والوراثة
. البناء النصيّ للقرآن الكريم بين الوفاء للحقيقة واتّساع المعنى
. النورسي رجل الحوار والإقناع
. توحيد القلوب في رسائل النور
9 - المقاصد في رسائل النور
. العقل المؤيد بالإيمان عند الإمام النورسي أو اتصال الآيات والقيم
. مسألة الشر والسيئات وعلاقتها بالعدالة الإلهية في الخلق...
. الثنائي البلبل والوردة تعبيرا عن الحب القائم بين الخالق والمخلوقات...
. النورسي والتصوف أو من توحيد الولي، إلى توحيد الصفي
. النورسي من برزخ التصوف إلى معراج القرآن
. الرؤية الكونية للأخلاق عند النورسي وأثرها في بناء الإنسان
8 - أسرار العبرة والتعبير في رسائل النور
. اعتبار المآل واستشراف المستقبل عند بديع الزمان النورسي
. مشكلة الثقافة والحضارة في العالم الإسلامي من منظور مالك بن نبي
. مظاهر الجمالية في المحن والابتلاءات من خلال سيرة النورسي
7 - النورسي والتصوف
. منهجية النورسي في الاستدلال على الحياة الآخرة
. وقفات مع رسالة الإجتهاد للأستاذ النورسي
. المنظومة الأخلاقية عند النورسي
. النظرة الشمولية إلى العدالة عند النورسي
6 - دعوة رسائل النور
. أصلح نظام لتسيير العالم الإنساني اليوم هو الإسلام
. منهج البحث الدلالي في دراسات أوزيستو القرآنية والصوفية
. أصول التفكر في رسائل النور
. رؤية الامام النورسي للربا
5 - الرؤية الحضارية في رسائل النور
. الرؤية النُورسية لبعض القضايا الحضارية الشائكة
. من معالم التجديد عند النورسي
. العدالة الإلهية وإشكالية الشر في فكر الأستاذ النورسي
4 - أسس التربية في رسائل النور
. سعيد النورسي خزانة تنتظر الاكتشاف
. ملامح تجدد خطاب النورسي في مواجهة تحديات العصر
. دراسة عن أسلوب الحوار في القرآن الكريم
. مبادئ الإنسانية وتحديات العصر في نظرية سعيد النورسي
3 - أسس التربية في رسائل النور
. النورسي ودعوته
. سياسة العالم الإسلامي في القرن العشرين في نظر النورسي
. تربية الطفل وأساليبها في التشريع الإسلامي
2 - التعليم في رسائل النور
. حركة التجديد والإصلاح في أواسط القرن العشرين
. القضايا الأساسية للعالم الإسلامي وطرق حلها في نظر بديع الزمان
. مناجاة فكرية بين الإمام الغزالي والشيخ النورسي
1 - المنهجية في رسائل النور
. ثورة الإيمان

النور للدراسات الحضارية والفكرية
 المركز الرئيسي:  

Kalendarhane Mah. Delikanli Sk. No: 6
Vefa 34134 Fatih - Istanbul / TURKIYE
 Phone: +90 212 527 81 81 - Fax: +90 212 527 80 80