النظرة الإيجابية وأهميتها في تحصين الدعوة عند الأستاذ النورسي

النظرة الإيجابية وأهميتها في تحصين الدعوة عند الأستاذ النورسي

Ustad Nursi’s Views on the Importance of the Positive Outlook in Upholding His Cause

ABSTRACT

Dr. ‘Abd al-Hadi Dahani

Nursi's main interest was not to point a finger at people's failures. Rather, he was occupied by helping them to fix their mistakes. He had realized that getting involved in tracking the failures and poor conduct of others would destroy love between people, and waste one's energy and shatter his inner peace; and that is one of the grievous mistakes committed by many people who call others to God. As a spiritual person, Nursi used to diagnose the failures of society and prescribe the remedies calmly. He wanted to preserve Allah's order of satr which indicates keeping people's sins covered, asking God for his certain and comprehensive cure. Thus, the Risale-i Nur has implemented this approach and derived its light from the light of Qur'an and Sunnah; addressing people who work in Da'wa, encouraging them to hold to the Straight Path and gently carrying people to adhere to this path, so that they become guided in their ways of Da'wa.

Circumstances of life might differ, but the path of Da'wa (The Call to God), never changes. It carries its remedies and light of guidance to those who are drowned in the depths of darkness of atheism, ignorance, corruption and instability. This path is one of God's stable signs in His creation. However, people of the path might change and their change affects the way they walk through the path. As God the Almighty says: (Verily, God does not change the condition of a people until they change what is within themselves) Qur'an 13:11.

The Risale-i Nur states that the true Da'i (caller to God) who is sincere in his call, does not limit his call to the boundaries of time and place because he derives his approach from the universality of Islam and the comprehensiveness of the Qur'an. This approach was enacted by Prophet Muhammad, peace be upon him. God says: (But no, by your Lord they will not [truly] believe until they make you [O Muhammad] judge concerning that over which they dispute among themselves and then find within themselves no discomfort from what you have judged and submit in [full willing] and submission) Qur'an 4:65.

The question then arises: who among the callers to God is interested in explaining the positive practical methods in combating corruption? Who offers the correct remedy with mercy and compassion, as exemplified in the Risale-i Nur? It is very easy to curse the darkness, and make a lot of noise about it, neglecting reality and not having patience in dealing with people. However, to light a candle that illuminates, and then dissipates darkness, is always the best solution. That is to be positive, and to offer the appropriate remedy and correct ideas; explaining the methods of their implementation. This is the approach that is followed by Nursi in keeping positive action when calling to God, in order to safeguard Da'wa from falling into deadly errors.

* * *

ملخص البحث

ذ. عبد الهادي دحاني[1]

لم يكن الأستاذ بديع الزمان النورسي رحمه الله تعالى منشغلا في منهج دعوته بالتنبيه على عيوب الناس، بل بإصلاحها، لأنه يدرك بأن انشغال المرء بأخطاء الآخرين وعيوبهم والتشنيع بهم، إنما يفقده الحب الذي بينه وبينهم، ويبدد طاقاته، ويفقد سلامه الداخلي، وتلك من الأخطاء القاتلة التي يقع فيها الكثير من الدعاة. لقد كان الأستاذ النورسي إنساناً روحياً، يشخص نقائص المجتمع، ويصف لها العلاج الذي يزيلها ويستأصلها ليتعافى منها المجتمع، دونما جلبة أو تشهير، ملتزما في ذلك ستر الله عز وجل، ستره الخافي، ودواءه الشافي الذي لا شفاء إلا شفاؤه، والذي لا يغادر سقماً. وعلى هذا المنهج كانت رسائل النور بلسماً شافياً، ونبراساً هادياً يستمد نوره من القرآن العظيم ومن السنة النبوية الشريفة، تتوجه إلى الدعاة بالسير على الصراط، ونهج السبل التي تحمل الناس على الاستقامة على هذا الصراط، حتى يهتدوا به في ميادين دعوتهم.

إن الظروف قد تختلف نسبياً في قساوتها وضراوتها، لكن منهج الدعوة إلى الله الذي يحمل بلسم الشفاء ونور الهداية إلى الناس الغرقى في ظلمات الإلحاد والجهل وبراثن الفساد واضطراب الأحوال لا يتغير ولا يتبدل، لأنه سنة ثابتة عند الله، أما الذي يتغير فهو من يحمل هذا المشعل الدعوي من الدعاة، فيتجلى تغييره إيجاباً أو سلباً، وذلك مصداقاً لقول الله عز وجل: ﴿إنَّ الله لاَ يُغَيِّرُ مَا بقَوْمٍ حَتىَّ يُغَيِّروا مَا بِأَنْفُسِهِم﴾.الرعد:11

لقد أبانت رسائل النور في منهجها بأن الداعية إلى الله، المخلص في دعوته، لا يعرف في دعوته الربانية حدود الزمان والمكان، لأنه يستمد منهجه في ذلك من عالمية الإسلام ومن شمولية القرآن الكريم الصالح لكل زمان ومكان، وهو المنهج القويم الذي سنه رسول الإسلام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك يقول عنه الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُومِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾.النساء:65

فمن من الدعاة اليوم يهتم بشرح الأسلوب العملي الايجابي للقضاء على الفساد الذي يحل بالإنسان؟ من منهم يتقدم في رأفة وشفقة بالعلاج المناسب كما جسدته رسائل النور في أسلوبي الرأفة والشفقة؟ إنه لمن السهل جداً أن نلعن الظلام، وأن نقيم الدنيا حوله ولا نقعدها كما يفعل البعض خارج معاناة الواقع، وخارج الصبر على الناس وتحملهم، ولكن الأصلح من هذا كله أن تشعل شمعة لتنير الحيز والمكان، ثم تبدد الظلام، أن تكون إيجابياً وتقدم العلاج الناجع والحل الذي ينزل برداً وسلاماً، أن تطرح الفكرة الصائبة، وتشرح أسلوب تنفيذها. وهذا هو المنهج الذي يطرحه الأستاذ بديع الزمان النورسي لسلوك العمل الايجابي في الدعوة إلى الله تعالى، وتحصينها من الأخطاء المهلكة.

* * *

مقدمة:

كم من الجهود الجماعية والفردية المبذولة اليوم في إنقاذ إيمان الناس وسط هذه الظروف العصيبة؟ كم من الطاقات المتصرفة في لمِّ شعث الإيمان الذي تفرق بين إرهاب واغتراب، وبين تطرف وغلو، وبين تفريط وإفراط؟ أين هي آثار هذه الجهود والطاقات في واقع الناس اليوم؟ لماذا أخفقت في لملمة شتات الإيمان ورأب الصدع، أو في أن يبدو منها على الأقل بعض الأثر في تضميد الجراح وتجميع الخلاف على كلمة سواء أو ما يقاربها؟..

ألم يكن عصر الأستاذ بديع الزمان النورسي أقوى عتواًّ من هذا العصر إلحاداً وفتنة وطمساً لمعالم الدين، وحربا شرسة على المتدينين عموماً، حرب إبادة لا تبقي ولا تذر؟ فلماذا نجحت جهود رجل واحد في إنقاذ إيمان الناس في هذه الظروف القاهرة وإرجاعهم إلى الله وإلى دين الإسلام مرداًّ جميلاً، في حين لم تفلح كثير من هذه الجهود الفردية والجماعية المبذولة في عصرنا الحاضر؟

كم من الجماعات ومن الأشخاص بدأوا طريق الدعوة إلى الله بسلوك متوازن تطبعه أخلاق الفضيلة والإخلاص في العمل، لكن انشغالهم بالسلبيات التي طغت على المبادرات وعلى اقتناعهم الداخلي بالعمل الإيجابي والاهتمام به، وانشغالهم بعيوب الآخرين وإهمال إصلاح أنفسهم وشؤونهم، غرس في أنفسهم الكراهية ونزع منها حب الناس وتقبلهم، وضيق الصدور بعد انشراحها، حتى انتهي بهم الأمر إلى الضياع، ثم انحرفوا بعد ذلك عن المبادئ التي من أجلها انطلقوا في ميادين العمل الدعوي، وهذا يتنافى مع مفهوم الإيجابية في الدعوة التي تدعو إلى ترك الأنانية ونكران الذات والإخلاص في العمل. فإن كان هدف الشخص وغايته –كما يعتبره الأستاذ بديع الزمان- هو الاتحاد بضياء القلب ونور الفكر، وكان مسلكه المحبة، وشعاره ترك حب الذات والأنانية، وكان مشربه إنكار الذات المحورية، وطريقته الحمية الإسلامية، فقد يكون شيخا مرشدا حقا. ولكن إن كان مسلكه إظهار مزاياه بتنقيص الآخرين، ويلقن محبته إلى مريديه بخصومة الآخرين، وينحاز إلى نفسه ويلتزم جانبها بما يستلزم الاختلاف وشق العصا، وكان يظهر أن محبته متوقفة على خصومة الآخرين، مما ينتج الغيبة والميل إليها، فما هو إلا "متشيّخ" يتطلع إلى الرئاسة، أو ذئب "متغنّم" في زيّ غنم، فلا ينتهي به الأمر إلا إلى جعل الدين وسيلة لجر مغانم الدنيا، أو منخدع بلذة منحوسة مشؤومة، أو باجتهاد خطإ يجعله يحسن الظن بنفسه، ويفتح طريق سوء الظن في المشايخ الكرام والذوات المباركة.[2]

وبهذا تظهر أهمية دراسة رسائل النور من الزاوية المشار إليها في المستهل، ذلك أنّ الأستاذ بديع الزمان النورسي لم يكن منشغلا بالتنبيه على عيوب الناس بل بإصلاحها، لأنه يدرك بأن انشغال المرء بأخطاء الآخرين وعيوبهم والتشنيع بهم، يفقده الحب الذي بينه وبينهم، بينما يستطيع بالحب والعمل الهادئ أن يكسبهم، ويعلم أيضا أن انشغال المرء بالسلبيات يبدد طاقاته، ويفقد سلامه الداخلي، ويصبح إنسانًا متضايقا مضطربا ثائرا عالي الصوت لا احترام وتقدير للآخرين من حوله. وإن كان السلبيون يبحثون عن النقائص لكي ينتقدوها، فإن الإنسان الروحي، إذا وقف على نقيصة من نقائص المجتمع، حاول سترها وعمل على إصلاحها أو معالجتها حتى تزول ويتعافى منها المجتمع، دونما تشنيع أو حرص على النقد من أجل النقد.

إن أصحاب النظرة المتفائلة يشكرون الله علي النصف الممتلئ من الكأس، أما أصحاب النظرة السوداء، فإنهم يتذمرون بسبب النصف الفارغ، ولا يدركون بأن إضاءة شمعة أفضل وأولى من لعن الظلام، وهذا هو العمل الإيجابي المطلوب من الدعاة فرادى وجماعات، لأن بهذه الإضاءة ينقشع الظلام تلقائيا دون أن نلعنه، أما لعن الظلام، فهو عمل الذين ينشغلون بالسلبيات، ويظنون أنهم بذلك يقضون علي الظلام ويتخلصون منه.

إن مجرد لعن الظلام لا ينقذ أحدا من ظلمته، ولكن الظلام ينقشع من تلقاء ذاته، بعمل ايجابي هو نشر النور وتنوير العقول. إن من يضج ويصيح لكي يفضح الأخطاء ويكشف العيوب والنقائص، أو يبكي بسببها وينوح، وينعى الخير الذي ضاع، لا يقدم أية خدمة أو علاج، أما الذي يكتب صفحة جديدة ناصعة في تاريخ المجتمع، في هدوء وفي قوة، فهو الذي يقدم الشفاء لأمراض المجتمع، وينشر الخير والصلاح، ويحارب الفساد والظلم، ويغير المنكر، وهذا هو الأكثر ثباتا وتفهماً.

إن أغلب الدعاة المعاصرين اليوم يركزون جهدهم الإصلاحي في أن يلعنوا الفساد، وهذا أمر سهل يقدر عليه كل فرد من أفراد المجتمع، عالمهم وجاهلهم على السواء، ولكن من بين كل هؤلاء من يهتم بشرح الأسلوب العملي الايجابي للقضاء على الفساد، ثم يتقدم في رأفة وشفقة بالعلاج المناسب، متوكلا على الله، ومن يتوكل على الله فهو حسبه. إنه لمن السهل جدًا أن توبخ فكرة خاطئة، وأن تقيم الدنيا حولها وتقعدها كما يفعل البعض خارج معاناة الواقع، وخارج الصبر على الناس وتحملهم، ولكن الأصلح من هذا كله أن تكون إيجابيا وتقدم الفكرة الصائبة، وتشرح أسلوب تنفيذها. وكما أن نقد الأخطاء لا يصححها ولا يعالجها، ولا التشهير بها يصلحها كذلك، أو يأتي ببديل صالح عنها، كذلك الحزن على المشاكل لا يحلها، بل يحلها العمل الايجابي. إن الحزن على المريض لا يشفيه من مرضه، إنما الذي يشفيه بإذن الله تعالى هو ما توفر له من وصف العلاج وتقديم الدواء. وكذلك الحزن بسبب انتشار الجهل أو الأمية لا يفيد شيئًا، بل النافع هو نشر التعليم ومحاربة الجهل.

فلسفة العمل الإيجابي في دعوة النور:

إن الظروف قد تختلف نسبيا في قساوتها وضراوتها، لكن منهج الدعوة إلى الله الذي يحمل بلسم الشفاء ونور الهداية إلى الناس الغرقى في ظلمات الإلحاد والجهل وبراثن الفساد واضطراب الأحوال لا يتغير ولا يتبدل، لأنه سنة ثابتة عند الله، أما الذي يتغير فهو من يحمل هذا المشعل الدعوي من الدعاة، فيتجلى تغييره إيجاباً أو سلباً، وذلك مصداقا لقول الله عز وجل: ﴿إنَّ الله لاَ يُغَيِّرُ مَا بقَوْمٍ حَتىَّ يُغَيِّروا مَا بِأَنْفُسِهِم﴾.الرعد:11 إن الداعية إلى الله، المخلص في دعوته، لا يعرف في دعوته الربانية حدود الزمان والمكان، لأنه يستمد منهجه في ذلك من عالمية الإسلام ومن شمولية القرآن الكريم الصالح لكل زمان ومكان، وهو المنهج القويم الذي سنه رسول الإسلام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك يقول عنه الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُومِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾،النساء:65 حيث يقسم الله تعالى بنفسه الكريمة المقدسة: أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطناً وظاهراً، كما ورد في الحديث: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به".[3]

إن مكابدة الصعاب وتحمل الأذى في سبيل الله من أجل إحياء الإيمان في القلوب، وإنقاذه من الذوبان في حطام الدنيا الفاني، هو المنهج الذي سار عليه الرسول صلى الله عليه وسلم في سيرته مع قومه، حين خرج إلى الطائف داعيا وهادياً، يحدوه الأمل في هداية قبائل بني ثقيف، الذين جاءهم بقلب يحمل الخير والهدى للعالمين، فلما جلس إليهم وكلمهم، سخروا منه، وردوا عليه رداًّ منكرا، وأغروا به السفهاء، فاجتمع عليه الأهالي، ووقفوا له صفين، يمر من بينهم، وقد أمطروه ضربًا بالحجارة حتى دميت قدماه الشريفتان، وقذفوه بالهجاء والشتائم، وظلوا يطاردونه ويصيحون به حتى ألجأوه إلى بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة على ثلاثة أميال من الطائف، وقد تكالبوا عليه وهم يضربونه على مدار هذه المسافة الطويلة، وقد نصبوها له عنوة لإهانته وإذلاله صلى الله عليه وسلم، وقد فما كان منه إلا أن قطعها مرغما، يمشي مرة ويركض أخرى مع ما يكابده من الأذى، حتى وصل البستان فدخله ليلوذ به، ويحتمي بشجراته من الضرب والمطاردة، وهو الذي جاء قومه منقذاً. فجلس إلى شجرة عنب وكأنما هي المرة الأولى التي يجلس فيها بعد سنين، فقد أعياه الضرب والركل، ودماء شريفة تنزف من وجهه الكريم، ومن قدميه الشريفتين، فضلاً عن ذلك الجرح النفسي في قلبه المتصدع المكلوم، والأسى الذي ينكأ جروح الماضي. وعلى الرغم من هذه المعاناة القاسية، ومن هذا السلوك المهين والمشين الذي لقيه من بني ثقيف، فقد عضَّ صلى الله عليه وسلم على أحزانه وتعالى على جراحاته، وتوجه إلى ربه ضارعا خاشعا، رافعا يديه إلى السماء، مناجيا ربه، معتذرا إليه، متحببا إليه بكلمات كريمة، وبدعاء صادق نبع من أعماق قلبه الحزين، وقد امتزجت كلماته بحرقة وجدانه المكسور، وهو يقول: (اللّهُمّ إلَيْك أَشْكُو ضَعْفَ قُوّتِي، وَقِلّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ! أَنْتَ رَبّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبّي، إلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إلَى بَعِيدٍ يَتَجَهّمُنِي؟ أَمْ إلَى عَدُوّ مَلّكْتَهُ أَمْرِي؟ إنْ لَمْ يَكُنْ بِك عَلَيّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنّ عَافِيَتَك هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِك الّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظّلُمَاتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَك، أَوْ يَحِلّ عَلَيّ سُخْطُكَ، لَك الْعُتْبَى حَتّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِك).[4]

لقد سامت قبائل بني ثقيف رسول الله الكريم الخسف بفعالهم الدنيئة وبتصرفاتهم الخرقاء والحمقاء، وهو نبي مرسل، فما كان منه مع ذلك إلا الصبر على الأذى وتحمل الشدائد، بل زاد على ذلك أن دعا لهم ولم يدع عليهم، فقال في إيجابية منقطعة النظير: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون". وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوذي يقول: يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر، وأخبر عن نبي من الأنبياء أنه ضربه قومه فجعل يقول: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"، وقد أكرمه الله جزاء صبره على الابتلاء بغمامة أظلته يوم هام على وجهه من الطائف، وبعث إليه جبريل عليه السلام يناديه ويقول له: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردّوا عليك وقد أرسل لك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فإن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين - وهما جبلان بمكة-، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً. وقد وقع الأمر كما تمناه النبي صلى الله عليه وسلم، وخرج من صلب أبي جهل عكرمة رضى الله عنه، وخرج من صلب الوليد بن المغيرة سيف الله المسلول خالد بن الوليد.

هكذا المسلم يرى الأمل دائما غير منقطع، وينظر إلى الواقع، وإن اشتد عليه بإيجابية وتفاؤل، وإن كان هذا النوع من السلوك يصعب الصبر عليه إلا لمن رزقه الله الصبر الجميل والقلب الرؤوف، لأن النفس تأبى الضيم، وهي تكره الغلبة، فتطلب الانتقام في حقيقة الأمر، فلا يصبر على هذا النوع إلا الأنبياء والصديقون والصالحون من عباد الله. إن ما جرى للنبي صلى الله عليه وسلم لا يقدر على تحمله بشر، ولا يصبر عليه إلا أولو العزم من الرسل والأنبياء، وقد اجتمعت فيه صلى الله عليه وسلم ثلاث خصال برهنت على صبره الخارق، وهي: العفو عن القوم، والاستغفار لهم، والاعتذار عنهم بأنهم لا يعلمون، وهذا النوع من الصبر عاقبته النصر والعز والسرور والأمن والقوة في ذات الله، وزيادة محبة الله ومحبة الناس له، وزيادة العلم ونوره، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾،الأنعام:34 فبالصبر واليقين ينال الصالحون الإمامة في الدين، فإذا انضاف إلى هذا الصبر قوة اليقين والإيمان، ترقى العبد في درجات السعادة بفضل الله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

وقد سار الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي في عصره العصيب على ما سار عليه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من سلوك الصبر المرّ، واستمد من سيرته خصال النبوة، واقتنعت نفسه بأن الشكوى واللجوء إنما يكون إلى الباري جل وعلا، الذي يجيب المضطر ويكشف الضر ويشفي السقيم ويقضي الحاجات، مصداقا لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُومِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾.البقرة:186 وبين الأستاذ بديع الزمان ذلك في رأيه السديد وموقفه من كل من ظلمه وأبخس حقه فقال:

"لما كانت الشفقة دستور حياتي منذ ثلاثين سنة، وأساس مسلكي ومسلك رسائل النور، فإنني لا أتجنب التعرض للمجرمين الذين ظلموني وحدهم بل لا أستطيع حتى مقابلتهم بالدعاء عليهم".[5]

إنها الإيجابية الحقة التي ينبغي أن يفخر الإنسان بتعلمها من الرسول العظيم والنبي الكريم، نبي الرحمة المهداة للعالمين، سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، خير قدوة نقتدي بها من معلم البشرية في العمل الإيجابي، فالإيجابية عنده هي عطاء ليس له حدود، وارتقاء فوق كل السدود، ومبادرات إنسانية لا تكبل بالقيود. إن الإنسان ليتعلم من هذا السلوك الإيجابي من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم بأن الإيجابية تقتضي محاربة نقائص النفس في سلوك الداعية، فلا يكون داعية إيجابياً من صبره نافذ، وعزمه قليل، وهمه هزيل. ولا يكون داعية من ينام ملء جفنه، ويأكل ملء بطنه، ويخلد إلى كثرة الراحة، ويحب الكسل والخمول، فهذا ليس بداعية، ولا يتحقق بالإيجابية. إن الإيجابية دافع نفسي، واقتناع عقلي، وجهد فردي، وقد يكون جماعيا مع انسجام وتضافر بين أفراد الجماعة. والداعية الإيجابي لا يكتفي بتنفيذ التكاليف والقيام بالواجبات، بل يتعدى ذلك إلى المبادرة الحسنة والبحث عن النجاح والفلاح، ويزيد على مجرد الأداء الإتقان في الأداء والعمل، وبذلك يكون له تأثير وفعالية، دون جفاء أو استثقال، قد جعل الدعوة إلى الله محور حياته، فتعلق بها قلبه، وتاقت لها نفسه.

وعلى هذا النهج القويم الذي رسمته سنة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم سار أتباعه من الدعاة المخلصين في دعوتهم إلى الله، يجددون للأمة أمر دينها على مرّ الأزمان والعصور، تحدوهم الإيجابية النبوية في الإقبال على الدنيا بعزيمة وصبر، والتطلع إلى الآخرة بيقين وإيمان، في كل فترة تجود قدرة الله عز وجل بمرشد مجدد، يبعثه لنصرة الدين الحق وإنقاذ الإيمان، وربط الناس بالقرآن.

وفي الفترة التي تمزقت فيها الخلافة الإسلامية بعد سقوط الدولة العثمانية، وتكالب على الإسلام أعداؤه من كل حدب وصوب، وتوالت النكبات على بلاد الأناضول بعد دخول الجيوش الغازية، وعصفت بالناس عواصف الإلحاد والفساد، قيض الله الأستاذ بديع الزمان النورسي ليلقي على كاهله عبء النهوض بالأمة من كبوتها، والتصدي للتيار الملحد والمفسد الذي اكتسح البلاد والعباد، وكاد يسلخ الشعب التركي من دينه ويفصله عن تاريخه وإسلامه. لقد نذر بديع الزمان نفسه للدعوة إلى الله في هذه الظروف العصيبة الملأى بالأحداث الجسام، والتي لا يريد الذين يقفون وراءها أن تبقى للإسلام باقية، فقام خير قيام بالرسالة التي أناطه الله بها من إنقاذ الإيمان، وحمل هم الأمة كلها، تحركه في ذلك عزيمته القوية ابتغاء وجه الله، بعيدا عن محافل المصالح، آخذا بزمام المبادرة الإيجابية التي تملأ عليه نفسه وروحه، وتأخذ عليه كيانه كله، ليعيش آلام عصره كما يعيش أفراحه، ويحمل همّ أمته إجلالا وشفقة، فشق طريق الإصلاح، ليحول الحمأ المسنون والماء الكدر إلى نبات بهيج وعطر فوَّاح، إنها إيجابية لا تخضع للظروف مهما كانت قساوتها، بل تستفيد منها، إنها إيجابية تغييرية مقاومة، ترفض الاستسلام والتواكل والانتظار.

مظاهر الإيجابية في دعوة النور:

العجز والفقر:

تتجلى الإيجابية في جملة جهود الأستاذ النورسي، ومن مظاهرها العظيمة في سيرته إدراكه العميق لمعنى الحياة وقيمة الدنيا التي لا تعدو أن تكون مزرعة للآخرة، فهان عنده كل شيء سوى الباقية وتعلق بالباقي، لأن ما عند الخلق ينفذ وما عند رب الخلق باق، كما قال الله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَذ وَما عِنْدَ الله بَاقٍ﴾.النحل:96 وقد استبشر بمطلق الإيجابية التي جعلت منه رجلا خالداً بإيمانه وبأعماله، غير مكترث بأي عارض من عوارض الدنيا ومنغصاتها ومعوقاتها، وقد وصف بنفسه تعامله الإيجابي مع هذه المحنة العظيمة فقال: "حينما اشتد خناق الأمراض وألوان الغربة وأنواع الظلم علي، وجدت أن علاقاتي تنفصم مع الدنيا، وأن الإيمان يرشدني بأنك مرشح لدنيا أخرى أبدية، وأنك مؤهل لمملكة باقية وسعادة دائمة، ففي هذه الأثناء تركت كل شيء تقطر منه الحسرة، ويجعلني أتأوه وأتأفف، وأبدلته بكل ما يبشر بالخير والفرح، ويجعلني في حمد دائم. ولكن أنّى لهذه الغاية أن تتحقق، وهي غاية المنى ومبتغى الخيال وهدف الروح ونتيجة الفطرة، إلا بقدرة غير محدودة للقدير المطلق، يعرف جميع حركات مخلوقاته وسكناتهم قولا وفعلاً، بل يعرف جميع أحوالهم وأعمالهم، ويسجلها كذلك. وأنىَّ لها أن تحصل إلا بعنايته الفائقة غير المحدودة لهذا الإنسان الصغير الهزيل المتقلب في العجز المطلق، حتى كرمه واتخذه خليلا مخاطبا، واهبا له المقام السامي بين مخلوقاته".[6]

لقد اتخذ الأستاذ بديع الزمان النورسي موقفا إيجابياً من الأوضاع المزرية التي أحدقت به، حتى كادت تصده من شدة هولها عما في رسائل النور من أنوار مسلية وإمدادات مشوقة، ودفعته إلى الغفلة دفعاً بعدما جردته من كل شيء، حتى من شعوره وإحساسه، لولا لطف الله به، وفي ذلك يقول: "ولم ألتفت إلى ما في رسائل النور من أنوار مسلية وإمدادات مشوقة- جراء غفلة أورثها الضجر والضيق- وإنما نظرت مباشرة إلى قلبي وتحسست روحي، فرأيت أنه يسيطر علي عشق في منتهى القوة بالبقاء، وتهيمن علي محبة شديدة للوجود، ويتحكم فيّ شوق عظيم للحياة، مع ما يكمن فيَّ من عجز لا حد له وفقر لا نهاية له".[7]

هكذا انتصر الأستاذ بديع الزمان للأمل على اليأس، وللحياة الباقية على الفانية، رغم المنافي والسجون، ورغم ما صدر في حقه من أحكام الإعدام، فلم يتسرب إلى نفسه اليأس ولا التراجع والاستسلام، ولم تصده هذه المحن العاتية عن تحقيق أهدافه، فهو غير مكترث بما يحيكه الخصوم والأعداء من مؤامرات، قد سلم من أمراض العجز البشري، ومن أسقام الفقر الإنساني، عزاؤه في ذلك أنه منتسب إلى مالك كريم بعبوديته ومملوكيته، مرددا في توكل ويقين وإيجابية قول الله تعالى: ﴿حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوكِيل﴾.آل عمران:173 وما دام هو عبد لغني مطلق، فإن فقره الأليم قد أصبح مدار شهية لذيذة، أخذت حظها الوافر من المعنى العظيم لهذه الآية الكريمة، ومن ثم فلا شيء يحول بينه وبين تحقيق أهدافه من هذا الوجود إلا أن يشاء الله شيئاً. وحتى وهو في السجن مكبل اليدين، ضعيف ومريض، ليس له سند من أحد يعينه ويناصره أو يثبته، وإن رجلا في حالة انهيار شديد كهاته، ليس أمامه غير الاستسلام للقدر الذي هو فيه، أو الإذعان إلى جلاده يلتمس منه العفو أو التخفيف، لكن الرجل لا يستسلم ولا يستكين، ولا يرتجي أحداً، بل يلجأ إلى الله بكل قوة من يقين وإيمان، متشبثا بقول الله عز وجل: (حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوكِيل). وإذا بالآية العظيمة تبشره باستناده على هوية الانتساب الإيماني إلى سلطان عظيم، ذي قدرة مطلقة، فتمنحه بذلك الإيجابية المطلقة، لتتبدل حاله من ضعف إلى قوة، ومن يأس إلى أمل غير محدود، وإذا به أيضاً يحس بقوة معنوية هائلة، ويرى نفسه قد استقوى بقوة عظيمة مكنته من التغلب على الشدائد والمحن، حيث وصفها بقوله: "فكنت أشعر أنني أملك من الاقتدار الإيماني ما يمكنني من أن أتحدى بها جميع أعدائي في العالم، وليس الماثلين أمامي وحدهم، لذا رددت ومن أعماق روحي: (حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوكِيل)".[8]

وقد طأطأ الأستاذ بديع الزمان النورسي رأسه لمعاني هذه الآية العظيمة بتدبر وإمعان، وذكر أنه قرأها خمسمائة مرة في كل يوم، وكتب بعضاً من هذه المعاني الغزيرة لم يتجاوز فيه التسعة فقط، مما انكشف له من أنوارها ومراتبها القيمة بعين اليقين، أما تفاصيلها المعروفة بعلم اليقين لا بعينه، فأحالها إلى رسائل النور، وسماها بالمراتب الحسبية، نسبة إلى قول الله تعالى (حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوكِيل)، وكشف بعض أسرارها، مما شاهده وتذوقه بحق اليقين، فأرشده إلى أن لذة البقاء وسعادته موجودة بنفسها، بل أفضل منها وأكمل في الإيمان والإذعان واليقين في بقاء الباقي ذي الكمال، سبحانه وتعالى ربنا.[9]

إنها المعاني الحسبية التي تدل دلالة واضحة على أن الإنسان لا يخرج من الدنيا إلا حزينا، سواء كان محسناً أو مسيئاً، إن كان مسيئاً فحزنه على إساءته، وإن كان محسناً فحزنه على تقصيره في العمل والإحسان. ومن ترك العمل أو قصر فيه، فإنه إلى الوراء يتراجع، فالعبد سائر لا واقف، فإما إلى فوق وإما إلى أسفل، وإما إلى أمام وإما إلى وراء، وليس في الطبيعة التي خلقها الله تعالى وقوف البتة، وما هي إلا مراحل تطوى أسرع طيّ إلى الجنة أو إلى النار، فمسرع ومبطئ، ومتقدم ومتأخر، فليختر العبد المكان الذي يليق به، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه.[10]

ب- الشفقة والتفكر:

إذا كان العجز والفقر أساسا العبودية، فإن الشفقة توصل إلى اسم الله الرحيم، كما أن التفكر يوصل إلى اسم الله الحكيم، ونيل تجلي اسمه الرحيم وفيضه العميم ينتج الخدمة الإيمانية. والشفقة مصدر مستمد من شفقة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي تجلى عليه هذا الاسم بأعلى مراتبه مثلما تجلت عليه بقية الأسماء الإلهية، وقد ورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا يوماً قول الله عز وجل في إبراهيمَ عليه السلام فيما اشتكى منه من عبث الأصنام وإضلالها وإضرارها بالناس: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾،إبراهيم:36 وقول عيسى عليه السلام في شأن قومه وفي السياق نفسه: ﴿إنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾،المائدة:118 فرفعَ نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم يديهِ وقال: "اللهمَّ أُمَّتي أُمَّتي"، وبكى. فقال الله عز وجل: يا جبريل! اذهب إلى محمد، وربُّكَ أعلم ، فسَلهُ ما يُبكيكَ؟، فأتاهُ جبريل عليهِ الصلاة والسلام، فسَأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال، وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل! اذهبْ إلى محمدٍ فقلْ: (إنَّا سنُرضيكَ في أُمَّتكَ ولا نَسُوؤُكَ).[11]

وعلق الإمام النووي على هذا الحديث المعبر عن تجلي شفقة النبي صلى الله عليه وسلم خير تعبير، فقال: "هذا الحديث مشتمل على أنواع من الفوائد، منها: بيان كمال شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته، واعتناؤه بمصالحهم، واهتمامه بأمرهم، ومنها البشارة العظيمة لهذه الأمة، زادها الله تعالى شرفا بما وعدها الله تعالى بقوله: "إنَّا سنُرضيكَ في أُمَّتكَ ولا نَسُوؤُكَ"، وهذا من أرجى الأحاديث لهذه الأمة وأرحمها وأكملها شفقة، ومنها: بيان عظم منزلة النبي صلى الله عليه وسلم عند الله تعالى، وعظيم لطفه سبحانه به. وللنبي صلى الله عليه وسلم، وهو قدوة الأستاذ النورسي المثلى، من الصفات والأخلاق أعظمها وأكملها، قال الله تعالى عنه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.القلم:4 وقد تجلى ذلك في شفقته صلى الله عليه وسلم، وفي سهولته ولينه، وفي قربه من الناس، حيث كان مخالطا لهم في السراء والضراء، مجيبا لدعوة من دعاه، قاضيا لحاجة من استقضاه، جابراً لقلب من سأله، لا يحرمه، ولا يرده خائبا، وإذا أراد أصحابه منه أمرا وافقهم عليه، وتابعهم فيه إذا لم يكن فيه معصية أو محذور، وإن عزم على أمر لم يستبدّ به دونهم، بل يشاورهم ويأخذ برأيهم، وكان يقبل من محسنهم، ويعفو عن مسيئهم، ولم يكن يعاشر جليسا له إلا أتم عشرة وأحسنها، فكان لا يعبس في وجهه، ولا يغلظ عليه في مقاله، ولا يطوي عنه بشره، ولا يمسك عليه فلتات لسانه، ولا يؤاخذه بما يصدر منه من جفوة، بل يحسن إليه غاية الإحسان، ويحتمله غاية الاحتمال، ولذلك خصه الله تعالى بحسن الصفات من الشفقة والرأفة والرحمة فقال عز من قائل: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ اَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُومِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيم﴾التوبة:128 وأدرك جيداً مجدد عصره الأستاذ النورسي نداء الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم واستغاثته لربه بقوله "أمتي أمتي.." وأحسه في أعماق روحه وضميره إحساسا كبيراً، وسعى لإنقاذ الأمة من براثن الإلحاد والجهل والظلم، وعانى في سبيل ذلك ما عاناه الرسول صلى الله عليه وسلم من الحرقة والحسرة والألم على مصير أمته.

وقد سار طلاب النور على هدي نبيهم صلى الله عليه وسلم وعانوا في مسيرهم ما عاناه الأنبياء والمصلحون، وقد بين الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي ما لقيه هؤلاء الطلاب الصابرون من صنوف الأذى والتعذيب، وما تعرضوا له من الامتحان الصعب، فكان يوصيهم ويثبتهم، ويقوي عزائمهم بالصبر والتحمل، واليقين في موعود الله تعالى بالفرج، فيقول: "إن واجبنا نحوهم طلب الهداية لهم فحسب، فلا يرد في قلب أي طالب من طلابي الثأر ولو بمقدار ذرة، بل أوصيهم دائماً مقابل ما لقوه من العنت بالثبات في خدمة رسائل النور والوفاء بها".[12]

ج- محاربة داء التكفير:

لقد اتخذ الأستاذ بديع الزمان النورسي من مبدأ الإيجابية ضرورة لازمة لدعوته، ووقف ضد كل حركة سلبية كيفما كان نوعها ومشربها، فواجه حركات الإلحاد والكفر والشرك والضلالة بالمباحث الإيمانية، فألّف رسالة الإخلاص لمواجهة الرياء وحب الظهور، وكسب إعجاب الآخرين، وكتب رسالة الأخوة ليسد قنوات آفات العداوة والشحناء والبغضاء والغيبة بين المسلمين، وسجل المبحث الثالث من المكتوب السادس والعشرين للوقوف حيال العنصرية التي هي أكبر عدو للاتحاد الإسلامي. والخلاصة أنه ألف وكتب تجاه كل عمل سلبي بحثاً أو رسالة ليبطل تأثيره وفعاليته.

ومن جملة السلبيات التي وقف ضدها بكل حساسية ظاهرة التكفير، وقد عالجها انطلاقا من قاعدة "حسن الظن بالناس"، فتجنب الحديث المباشر والحساس عن الظاهرة لما لذلك من تداعيات وعواقب غير مرضية، ولذلك نجده يختار الأسلوب الذي يقرب ويجمّع بدلا من الأسلوب الذي ينفّر ويمزّق، فيقول: "إن من يعرف "سعيد" عن كثب يعلم أنه يتجنب تكفير الآخرين تجنباً شديداً ما استطاع إليه سبيلاً، بل يحاول أن يجد تأويلاً حتى لو رأى كفراً بواحاً"[13]. ويعزز كلامه بنصوص من القرآن أو السنة، كحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما الذي يقول فيه: "قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: إذَا قَالَ الرَّجُلُ لأخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا اَحَدُهُمَا، فَإنْ كَانَ كَمَا قَالَ وَإلاَّ رَجَعَتْ عَلَيْه".[14]

والأستاذ بديع الزمان لا يرى أن يقال للإنسان كافر بمجرد حكم واحد أو لمجرد حكم مبني على صفة من صفات الكفر تحتاج إلى مزيد من التريث لإثباتها، لأنه -كما يقول الأستاذ- قد يملك شخص صفات أخرى بريئة من الكفر قد نشأت من الإيمان، فهو إذن يحوز أوصافاً أخرى نابعة من الإيمان، تمنع من أن يوصم بالكفر إلا إذا عُلم يقيناً أن تلك الصفة قد نشأت من الكفر، لأنها قد تنشأ من أسباب أخرى. ففي دلالة الصفة شك، وفي وجود الإيمان يقين، والشك لا يزيل اليقين، فينبغي للذين يجرؤون على تكفير الآخرين بسرعة، أن يتريثوا وأن يتدبروا، ما داموا لا يعلمون علم اليقين إنكار من ينتقدونهم للإسلام أو كفرهم الصريح.[15]

ويبدو من تحفظ الأستاذ بديع الزمان النورسي عن التكفير تمسكه بالنظرة الإيجابية تجاه الآخرين من المخالفين والمعاندين، ولذلك نجده يوجه طلاب النور إلى الاهتمام القاصد بدور الإيمان في إنقاذ حياة البشر من الهلاك، وعدم الخوض في مسائل التكفير، فالخلق كلهم عيال الله، منهم المهتدى المسترشد بهدايته، ومنهم الضال الذي عميت بصيرته، فغرق في أودية الضلال والهلاك، فهو يوجه طلابه إلى المبادرة بإسعاف هؤلاء وإمدادهم بالأمل، ومساعدتهم على الاستقامة على الحق والتمييز بينه وبين الباطل، والتفريق بين الهدى والضلال، ومن ثم فهو يعتبر هؤلاء المحرومين من الإيمان بمثابة الغرقى في بحار الدنيا، وإنقاذهم أمانة في أعناق طلاب النور، يتحتم عليهم خلاصهم وتزويدهم بوقود الإيمان. من أجل ذلك لابد من المبادرة اللازمة إلى العمل الإيجابي الذي أوصى به الأستاذ بديع الزمان لإنقاذ الناس من الهلاك والضياع، حيث لا يرضيه أن يقف متفرجا على هؤلاء الغرقى وهم يهلكون تحت الأمواج الهوجاء المتلاطمة، كما يصنع السلبيون الذين تتعالى صيحاتهم واحتجاجاتهم دونما طائل، يلومون الغرقى على دخولهم اليمّ لأنهم لا يحسنون السباحة، بل يعمد إلى نزول الماء ويبادر إلى إنقاذهم وإسعافهم غير ملتفت ولا آبه بالمثبطين من حوله، من الذين كبلتهم السلبية، فلا يقدمون عملا ولا مبادرة في الوقت الذي يحتاج فيه الغرقى إلى الإنقاذ من الهلاك المحتوم.

3- جهاد النورسي من أجل الحفاظ على عقيدة الإسلام ووحدة المسلمين:

وقف النورسي عند الحاجة إلى الحقائق الإيمانية، واعتبرها من شعائر الإسلام في دولة الإسلام، ومن ثم نهض يحيي هذه الشعائر بكل ما أتيح له من الوسائل والإمكانات إلى أن وصل إلى إحداث جامعة الزهراء لتكون منارة للإسلام تجمع المسلمين على العقيدة السمحة والتوحيد، ولتقدم الحقائق الإيمانية التي تخدمها رسائل النور على الوجه الأكمل والصحيح، ولتسد الحاجة الماسة لهذه الحقائق الإيمانية في وقت بدأ فيه الملحدون يلمزون المسلمين وطلاب النور على وجه الخصوص، وينفون عنهم حقائق الإيمان، ويدعون بأن الذي يحركهم إنما هو نابع من مقاصد دنيوية وما يستتبعها من حاجات مادية، ويتهمونهم ويعرضونهم للظلم الشديد من جراء هذا الاتهام الباطل والافتراء الجائر.

ومن أجل تمتين رابطة التوحيد في المجتمع، ومن أجل سد الباب في وجه الملحدين والمعاندين ودحض افتراءاتهم، حرص الأستاذ بديع الزمان النورسي على وحدة الصف حرصا شديدا، ولم يدع لخصوم الإسلام وأعدائه مجالا ينفذون منه إلى هذا الصف لزرع البلبلة وبث التفرقة، فعمد إلى بساط القومية وسحبه من تحتهم، ونادى بالقومية الإيجابية النابعة من حاجة المجتمع الداخلية المستندة إلى التعاون والتساند، لتتحقق بذلك القوة النافعة لجميع أفراده، وتكون بذلك سندا قويا للأخوة الإسلامية، واعتبر هذا الفكر الإيجابي القومي خادما للإسلام، وقلعة حصينة له، وسورا منيعا حوله، لا يحل محل الاسلام، ولا يكون بديلا عنه، بل يدعم الأخوة التي يمنحها الإسلام لتبقى خالدة في عالم البقاء. ولهذا لا تكون الأخوة القومية مهما كانت قوية إلا ستاراً من أستار الأخوة الإسلامية، وبخلافه، أي بإقامة القومية بديلا عن الاسلام، تكون جناية خرقاء.[16]

كما حرص بالأساس على وحدة الشعب التركي الذي يعتبره أكثر عددا من أي قوم من الأقوام الاسلامية الأخرى، لأن المجتمع التركي كله مسلم في نظره، أما الأقوام الأخرى ففيهم المسلمون وغير المسلمين، لذلك لم تنقسم الأمة التركية بفضل هذا التوحيد ولم ينفرط عقدها، وهو يحمد الله تعالى على ذلك، ويخص الشعب التركي بالحديث المباشر، وكأنه حاضر بين ظهرانيه اليوم، يخاطبه في وضوح وجلاء قائلا: "أيها الأخ التركي، احذر وانتبه، أنت بالذات، فإن قوميتك امتزجت بالإسلام امتزاجا لا يمكن فصلها عن الاسلام، ومتى ما حاولت عزلها عن الاسلام فقد هلكت إذا وانتهى أمرك. ألا ترى أن جميع مفاخرك في الماضي قد سجل في سجل الاسلام، وأن تلك المفاخر لا يمكن أن تمحى من الوجود قطعا، فلا تمحها أنت من قلبك بالاستماع إلى الشهوات التي تثيرها شياطين الانس"[17].

ومن المسائل المهمة للحركة الإيجابية التي أكد عليها الأستاذ بديع الزمان النورسي بكل حساسية هي تأمين وحدة المسلمين العاملين في حقل الخدمة الإسلامية بمناهج مختلفة واتحادهم، وقد وقف حول هذه النقطة المهمة كثيراً وأكد عليها أيما تأكيد، وسعى ليمنع تحول اختلاف المشارب والمناهج الدعوية إلى العداء والتخاصم. وقد ركز في دعوته بشكل كبير على تذويب الخلاف ونبذ التنافر بالنظرة الإيجابية إلى الناس حتى يقطع بذلك دابر الخصومة والشحناء، ويعزز ذلك بما يجمع الإسلام والإنسانية من علاقة، أساسها التعارف والتآلف، وهي العلاقة التي تقتضي التراحم والتواد، كما جاء في الحديث النبوي الشريف: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى).[18] ويرى الأستاذ النورسي أن الأصل في الإنسانية هو المحبة، وهي الأكثر، وتشكل السواد الأعظم، وتنسجم مع فطرة الانسان التي تساوي مفهوم الإسلام، أما البغضاء فهي نشاز قليل وإن كان لها من التأثير ما يفسد على الانسان حياته ودينه، لكنه إذا رام التخلص منها فإنها عندئذ قليل ماحق وزاهق، سريع الذوبان، لأن ما ينفع الناس هو الذي يمكث في الارض لأنه ثقيل وكثير، أما الزبد المضر فلا يلبث أن يتطاير ويضمحل ويذهب جفاء. ومن أروع ما جادت به فطنة الأستاذ بديع الزمان النورسي أن شبه المحبة بجبل أحد في سوادها، وشبه العداء أو البغضاء بالحصى في ضآلتها، فقال: "إن الإسلام والإنسانية اللتين تقتضيان المحبة هما كجبل أحد، أما الأسباب المنتجة للعداء فليست إلا كالحصيات الصغيرة، فالذي يجعل العداء يتغلب على المحبة يرتكب في الحقيقة حماقة عظيمة، كمن يبخس من قيمة جبل أحد، ويستصغره إلى أدنى من حصاة.. إن العداء والمحبة كالضياء والظلام، لا يجتمعان أبدا، فإذا تغلب العداء انقلبت المحبة إلى مداراة وتصنع، أما إذا تغلبت المحبة فالعداء ينقلب إلى تراحم وإشفاق ورقة قلب. إن مذهبي هو إبداء الحب للمحبة، وإظهار الخصام للعداء، أي أن أحبَّ شيء إلي في الدنيا هي المحبة، وأبغض شيء عندي هو الخصام والعداء.[19]

خاتمة:

لو استعرضنا حياة الأستاذ بديع الزمان النورسي لما وجدنا محطة واحدة فتر فيها الرجل عن العمل من أجل إحقاق الحق وإثبات دعائم الإيمان في المجتمع الإنساني، فكان يعالج أحوال الناس ويرتقي بها من السلبية إلى الإيجابية التي كانت تحركه طوال حياته غيرة على القرآن الكريم من أن يغيّب من واقع الناس أو يهمّش من سلوكهم، وخوفا على الإيمان المهدد داخليا وخارجيا لإبعاد المسلمين عن مصدر عزتهم الذي هو القرآن العظيم والسنة النبوية الشريفة. لقد حركه العمل الإيجابي إلى محاربة نقائص السلوك وإزالتها وإثبات حقائق الإيمان محلها، وهذا معنى الإيجابية في مفهومها الصحيح، وهي الوظيفة الأساسية لطلاب النور التي تقوم على العمل الإيجابي البنّاء وتنبذ بتاتاً السعي إلى العمل السلبي الهدام.

لقد حرص الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي بهمته العالية على أن يحافظ على البيئة الفكرية من التلوث، لأنه يعتبر الأفكار هي أساس تطور المجتمع، وسلامة الفكر في المجتمع هي التي تتيح له المجال للنهضة والتقدم. أما إذا تلوث الفكر، فإنه سيحمل الجراثيم الناقلة للأمراض الاجتماعية، وتصبح أفكارا هدامة لكيان المجتمع، تعوق نموه كما تعوق الجراثيم نمو الأجسام، وعلى هذا نجد أن أهمية الأفكار في حياة المجتمع تتجلى في صورتين: فهي إما أن تؤثر كعوامل نهوض بالحياة الاجتماعية، وإما أن تؤثر على عكس ذلك كعوامل ممرضة، بحيث تجعل النمو الاجتماعي صعبا أو مستحيلا. من هنا لا يمكن للمجتمعات المتخلفة أن تشعر بالتطور الفكري لأنها لا تستطيع أن تقاوم عدوى الأفكار السلبية والمريضة التي تنقلها الحشرات والجراثيم، فتنقل أشكال العدوى من جيل إلى جيل، ولذلك تكونت لديها عقدة تخلف نصبت -كما يقول مالك بن نبي- في طريقها ضربا من الغرام السقيم بمقاييس القوة، أي بالمقاييس القائمة على الأشياء، وهو تخلف يعود إلى القرون ما قبل القرن العشرين، عندما كانت الأمم تقدر قيمتها المركزية بعدد مصانعها ومدافعها وأساطيلها البحرية ورصيدها من الذهب، أما العصر الحالي فقد أعلى من شأن الفكر باعتباره قيمة قومية ودولية.[20]

مراجع:

- جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم، للإمام زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، بدون طبعة و لا تاريخ.

- رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين، للإمام أبي زكرياء محيي بن شرف النووي، تحقيق شعيب الأرنؤوط، طبعة سنة 1412ه، مؤسسة الرسالة.

- سيرة ذاتية لبديع الزمان النورسي، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، الطبعة الرابعة بمصر، سنة 2004/1425، دار سوزلر للنشر، فرع القاهرة.

- سيرة ابن هشام، عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، تحقيق مصطفى السقا وآخرون، الطبعة الثانية، سنة 1375/1955، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.

- الشعاعات. تأليف بديع الزمان النورسي، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، الطبعة الثانية بمصر، سنة 1414/1993، دار سوزلر للنشر، فرع القاهرة.

- صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، تحقيق شعيب الأرنؤوط، الطبعة الثانية، سنة 1414، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت.

- صحيح مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، الطبعة الأولى سنة1374ه، نشر دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاؤه.

- صيقل الإسلام، تأليف بديع الزمان النورسي، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، الطبعة الثانية بمصر، سنة 1416/1995، دار سوزلر للنشر، فرع القاهرة.

- فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق محب الدين الخطيب، الطبعة الثالثة، سنة الطبع1407 هـ، نشر المكتبة السلفية.

- مشكلة الثقافة لمالك بن نبي، ترجمة عبد الصبور شاهين، إصدار ندوة مالك بن نبي ، بدون طبعة، سنة 1399/1979، دار الفكر، لبنان.

- المكتوبات لبديع الزمان النورسي، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، الطبعة الثانية بمصر، سنة 1413/1992، نشر دار سوزلر، فرع القاهرة.

- الملاحق في فقه دعوة النور، تأليف بديع الزمان النورسي، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، الطبعة الثانية بمصر، سنة 1416/1995، نشر دار سوزلر، فرع القاهرة.

* * *

 


[1] أستاذ التعليم العالي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة، جامعة شعيب الدكالي.

[2] صيقل الإسلام: 423-424، تأليف بديع الزمان النورسي، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، الطبعة الثانية بمصر، سنة 1416/1995، دار سوزلر للنشر، فرع القاهرة.

[3] فتح الباري بشرح صحيح البخاري، حديث رقم 13572، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق محب الدين الخطيب، نشر المكتبة السلفية، الطبعة الثالثة، سنة الطبع1407هـ. والحديث رواه أبو هريرة رضي الله عنه.

[4] سيرة ابن هشام، عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري: 1/ 420، تحقيق مصطفى السقا وآخرون، الطبعة الثانية، سنة 1375/1955، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.

[5] سيرة ذاتية، ص: 361، لبديع الزمان النورسي، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، الطبعة الرابعة بمصر، سنة 1425/2004، دار سوزلر للنشر، فرع القاهرة.

[6] الشعاعات، الشعاع الرابع: ص75. تأليف بديع الزمان النورسي، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، الطبعة الثانية بمصر، سنة 1414/1993، دار سوزلر للنشر، فرع القاهرة.

[7] الشعاعات، الشعاع الرابع: ص69.

[8] الشعاعات، الشعاع الرابع: ص 74.

[9] الشعاعات، الشعاع الرابع: ص69-70.

[10] صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، حديث رقم 16582، تحقيق شعيب الأرنؤوط، نشر مؤسسة الرسالة – بيروت، الطبعة الثانية، سنة 1414. والحديث رواه أبو هريرة رضي الله عنه، وتمامه: "من سلك طريقا يطلب فيه علما سهل الله له به طريقا من طرق الجنة، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه".

[11] رواه مسلم، حديث رقم3088، صحيح مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، نشر دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، الطبعة الأولى سنة 1374هـ.

[12] سيرة ذاتية: ص629.

[13] الملاحق في فقه دعوة النور، ملحق أميرداغ1: ص 298، تأليف بديع الزمان النورسي، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، الطبعة الثانية بمصر، سنة 1413/1992، نشر دار سوزلر، فرع القاهرة.

[14] متفق عليه رياض الصالحين 448/ رقم الحديث 2/1732.

[15] صيقل الإسلام، السانحات، ص 339.

[16] المكتوبات لبديع الزمان النورسي: ص415-416، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، الطبعة الثانية بمصر، سنة 1413/1992، نشر دار سوزلر، فرع القاهرة.

[17] المكتوبات لبديع الزمان النورسي: ص 417.

[18] صحيح البخاري، حديث رقم6011، وصحيح مسلم، حديث رقم 2586، واللفظ له.

[19] صيقل الإسلام: 423.

[20] مشكلة الثقافة لمالك بن نبي: 12-13، ترجمة عبد الصبور شاهين، إصدار ندوة مالك بن نبي، دار الفكر، لبنان، بدون طبعة، سنة 1399/1979.


 

أرشيف ملف العدد

15 - الإيجابية والعمل الإيجابي في رسائل النور
. الأسس الشرعية لمنهج العمل الإيجابي البناء
. مصطلح الإيجابية في رسائل النور
. الإيجابية في مقاصد العبادات ودورها في بناء عالم أفضل...
. التوجيه الإيجابي للأحاديث النبوية في رسائل النور
. النظرة الإيجابية وأهميتها في تحصين الدعوة عند الأستاذ النورسي
14 - بعض قضايا الفكر الإسلامي في رسائل النور
. العمل بإيجابية الأسس والعوائق -دراسة في رسائل النور-
. الحداثة البديل عند بديع الزمان النورسي
. ثقافة البيئة في الفكر الإسلامي من خلال مدرسة بديع الزمان النورسي
. موقـف رسائل النـور من منهـج الفلاسـفة واللاهـوتيين والمتصـوفة في بحـث مسألة النبـوة
. العدالة بين حكمة القرآن وفلسفة الإنسان قراءة في التجربة الذوقية للحكيم النورسي
13 - الإنسان في رسائل النور وجودا، ومهمة، وغاية
. دور رسائل النور في استعادة صياغة القرآن للإنسان
. الإنسان في رسائل النور وجودا، ومهمة، وغاية
. مؤلّفات بديع الزمان أنموذجاً لتقديم الإسلام إلى الغرب
. نظام التربية في رسائل النور
. منهج وطريقة رسائل النور وغايتها
12 - مفاهيم وردت العناية بها في رسائل النور
. تحرير الحرية في رسائل النور
. مصطلح الإيمان في رسائل النور - دراسة مفاهيمية
. مفهوم البلاغة عند بديع الزمان سعيد النورسيّ
. الوحدة وتدبير الخلاف عند بديع الزمان سعيد النورسي
11 - وقفات مع بعض عناصر القوة المعنوية
. التزكية وتدبير الخلاف وأثرهما في وحدة الأمة عند سعيد النورسي
. العناصر الفكرية والفنية والنفسية في منهج الأستاذ النورسي في التفسير
. العمل الإيجابي ومنزلته في دعوة النور
. مقومات المجتمع الإنساني الآمن من منظور رسائل النور
. إحياء الأخلاق في الممارسة السلوكية عند النورسي
. مناهج التبليغ عند ورثة النبوة من منظور رسائل النور
10 - عنوان الملف: الأخلاق والوراثة
. المجاهدة والتوريث عند النورسي
. أواصر العناصر الكونية من منظور الأستاذ النورسي
. قاعـدة "الفنـاء في الإخـوان" في فكر بديـع الزمـان
9 - المقاصد في رسائل النور
. أساسيات منهج الفكر المقاصدي عند النورسي
. المقاصد القرآنية في فكر النورسي
. مقاصد القرآن من خلال رسائل النور
8 - أسرار العبرة والتعبير في رسائل النور
. منهج النورسى في شرح أسماء الله الحسنى
. نحو رؤية جديدة للدلالة النفسية لأسلوب التكرار في القرآن الكريم
. التاريخ عند بديع الزمان سعيد النورسي دراسة في التمثل والتفسير
. قواعد في تفسير القرآن عند النورسي من خلال إشارات الإعجاز
7 - النورسي والتصوف
. النورسى ورؤيته للتصوف المعاصر
. نظرات في الأدب الصوفي عند النورسي
. بديع الزمان سعيد النورسي والتصوف
. أهمية روحانية النورسي المتبصرة في عالم مادي متأزم
6 - دعوة رسائل النور
. دعوة رسائل النور: هل هي حركة؟ أم جمعية؟ أو جماعة؟
. المنهج العوفي وإعلاء كلمة الله عند بديع الزمان
. التبليغ والارشاد في رسائل النور
. العمل الإيجابي القاعدة الثابتة لعمر مديد
. المرأة الإصلاحية في فكر الشيخ النورسي
5 - الرؤية الحضارية في رسائل النور
. من الأسس الفكرية والحضارية في رسائل النور
. البعد العقدي لبنية الإنسان في فكر النورسي
. منهجيّة الاهتمام بعبادة التّعمير، سؤال استعادة الأمة وظيفة الشهادة عند الأستاذ النورسي
. الرؤية الحضارية من خلال رسالة الاقتصاد
. قراءة تحليلية في النظرة النورية إلى المسألة الغربية
4 - أسس التربية في رسائل النور
. تربية النفوس عند بديع الزمان النورسي

النور للدراسات الحضارية والفكرية
 المركز الرئيسي:  

Kalendarhane Mah. Delikanli Sk. No: 6
Vefa 34134 Fatih - Istanbul / TURKIYE
 Phone: +90 212 527 81 81 - Fax: +90 212 527 80 80