التوجيه الإيجابي للأحاديث النبوية في رسائل النور

التوجيه الإيجابي للأحاديث النبوية في رسائل النور

The Positive Approach to Prophetic Hadiths in the Risale-i Nur

ABSTRACT

Dr. ‘Ali Mustafa

Reader of Resale-i Nur notices the endeavor of Nursi to understand Islamic texts of the Qur'an and the hadith, the prophetic tradition, in a positive way that complies with Islamic rational basics, distancing from negative understanding that leads to extremism in thoughts and stances. This way of understanding the prophetic tradition is clear in Nursi's contemplation, answers to his students' questions, or his court hearings which he had through his life.

This vision guides to correct understanding of hadith. Nursi tries to keep himself away from negative conception of hadith as it leads to misunderstanding it and doubt it.

It is noted that Nursi tries not to reject any hadith. He explains it positively, in way that is consistent with Islamic and rational basics. Moreover, Nursi refuses alleged contradiction between hadith and Qur'an or between them and ration.

Despite the fact that this approach to hadith had been followed by previous scholars, Nursi has his own reformative approach. Thus, Nursi adds new scope in the methodology of positive understanding of the prophetic Hadith.

This research explains Nursi's approach in his positive understanding of hadith and discusses its aspects of reform. It comes in three parts.

Part one: The positive understanding of hadith according to Nursi and other scholars.

Part two: Positive understanding of hadith that are related to divinity and prophethood.

Part three: Positive understanding of hadith that are related to the universe.

Conclusion: Includes the findings and recommendations.

* * *

ملخص البحث

د. علي مصطفى[1]

يلاحظ دارس رسائل النور نزوع الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي إلى فهم النصوص الشرعية كتابا وسنة فهما إيجابيا يتفق مع الأصول الشرعية والقواعد العقلية المرعية؛ مستبعدا الفهم السلبي المخالف لها والمؤدي إلى الشذوذ في الأفكار والمواقف في كثير من الأحيان، سواء في تأملاته الفكرية أو أجوبة أسئلة طلبة النور أو المرافعات القضائية أمام مختلف المحاكم التي مثل أمامها طيلة حياته.

ويندرج ضمن هذه الرؤية توجيه الأستاذ الأحاديث النبوية توجيها إيجابيا، ينتهي به إلى بيان المعنى الصحيح الذي ترشد إليه تلك الأحاديث، ناقدا الفهم السلبي الذي أدى إلى استشكال هذه الأحاديث أو الطعن فيها أو تأسيس فهم سلبي بناء عليها.

ومن الملاحظ أن الأستاذ يأبى أن يردّ الحديث ما استطاع إلى ذلك سبيلا، حيث يفهم الحديث فهما إيجابيا متفقا مع الأصول الشرعية والعقلية مستبعدا الفهم المخالف لتلك الأصول، ويرفض نصب التعارض بين الحديث من جهة وبين القرآن وصريح العقل من جهة أخرى.

وبالرغم من أنّ هذا مسلك التعامل مع مختلف الحديث كان سائدا عند السابقين ومتداولا بينهم، فإنّ للأستاذ نظرات تجديدية تؤكّد تميّز تعامله معها بفروق جدية في منهجية الفهم الإيجابي للحديث النبوي عند الأستاذ بديع الزمان.

يحاول هذا البحث الوقوف على معالم التوجيه الإيجابي للحديث النبوي عند الأستاذ وجوانب التجديد فيها ضمن ثلاثة مطالب هي:

المطلب الأول: التوجيه الإيجابي للحديث النبوي بين العلماء بديع الزمان.

المطلب الثاني: التوجيه الإيجابي للأحاديث المتعلقة بالألوهية والنّبوّة.

المطلب الثالث: التوجيه الإيجابي للأحاديث المتعلقة بالكونيات.

الخاتمة: أبرزت فيها النتائج والتوصيات.

الكلمات المفتاحية: رسائل النور، بديع الزمان النورسي، مشكل الحديث، تأويل الحديث.

* * *

المطلب الأول: التوجيه الإيجابي للحديث النبوي بين العلماء وبديع الزمان

تنبه العلماء مبكرا إلى أن بعض متون الأحاديث يُتَوَهَّم منها أحيانا معاني باطلة مخالفة للثابت من نصوص الشريعة أو صريح العقل أو الحس أو العلم؛ فاشتغلوا بتفسيرها والجواب عن الإستشكالات التي حولها، من أجل فهمها فهما صحيحا يتفق مع أصول الشريعة، ويستبعد المعنى الباطل الذي يتوهمه الناظر في المتن المشكل. وقد اهتم بديع الزمان بهذه المتون وأدلى بدلوه في توجيهها توجيها إيجابيا يتفق مع ثوابت الشرع وصريح العقل، وبهذا يكون بديع الزمان قد حذا حذو العلماء السابقين ونسج على منوالهم في اعتماد المعنى الإيجابي للحديث واستبعاد المعنى السلبي والفهم الشاذ المخالف للثابت والمستقر في الشرع والعقل.

يسجّل الباحث أن الأستاذ ومع موافقته تلك امتاز بعرض مباين لهم، ذلك أنّ قارئ رسائل النور يجد بديع الزمان قد سلك منهجا مغايرا لمنهج العلماء السابقين في توجيه الأحاديث النبوية، ويتضح هذا الاختلاف في ملمحين اثنين:

الملمح الأول: بين التفسير والتأويل

اشتغل العلماء السابقون في تفسير المتون المشكلة لكشف غموضها وفك تعارضها مع غيرها بإعمال النسخ والجمع والترجيح واعتمدوا المستويات الدلالية في اللغة كالعام والخاص والمطلق والمقيد والنص والظاهر والمؤول والحقيقة والمجاز إلخ، وقد تعددت مناهجهم واتجاهاتهم في كشف الغموض وفك التعارض بين الأحاديث تاركين لنا ثروة علمية قيّمة لازال أهل العلم ينهلون منها ويستعينون بها فيما يستجد من إشكالات.

لكن بديع الزمان اشتغل في تأويل النصوص المشكلة وفهمها فهما إشاريا معتمدا على ثقافته الشرعية وقدرته المميزة على استكناه المعاني واستدعائها، وإبراز العلاقات الخفية بينها.

صحيح أن المعنى الذي يقدمه ليس ظاهرا يدرك مباشرة وأنه يحتاج إلى طول تدبّر للوقوف عليه وإدراك العلاقة بينه وبين لفظ الحديث؛ إلا أنه معنى يتفق مع قواعد الشريعة من جهة والقواعد العقلية والحسية من جهة أخرى مع عدم المنافاة بينه وبين لفظ الحديث ومعناه الظاهر؛ مما يشعر القارئ بالمتعة العقلية واللذة الروحية عند مطالعة هذه المعاني العميقة.

وهذا التأويل الإشاري وإن كان منهجا مطروقا في تأويل القرآن إلا أنه غير مطروق من قبل حسب علمي في تأويل مشكل الحديث؛ فيكون الاعتماد على المعنى الإشاري في تأويل مشكل الحديث إضافة مميزة وتجديدا علميا يحسب لبديع الزمان في تطوير علم مشكل الحديث.

الملمح الثاني: بين نقد السند ونقد المتن

من المعلوم أن التأويل فرع القبول؛[2] أي أن العالم إذا اشتغل بتوجيه معنى الحديث فإن هذا يدل على صحته عنده؛ فقد ثبت عنده أنه صادر عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك يشتغل بمعناه، وإلاّ فلا فائدة من الاشتغال بمعنى كلام لم يصدر عن المعصوم صلى الله عليه وسلم ولا يجوز نصب التعارض أصلا بين كلام النبي صلى الله عليه وسلم وكلام غيره؛ لأن كلام النبي صلى الله عليه وسلم مقدم على كلام كل أحد.

لكن الناظر في كتب مختلف الحديث يلحظ أن العلماء يبحثون في معاني أحاديث ضعيفة ويحاولون حل التعارض بينها وبين ما صح من الحديث، ولعل هذا ناشئ من أمرين:

الأول: إن هذا الحديث مختلف في صحته بين العلماء، ولعل من يشتغل بتوجيه معناه يرى أنه صحيح، وما أكثر الأحاديث المختلف في صحتها.

الثاني: إنهم يشتغلون بتوجيه معناه تنزلا؛ أي على فرض صحته، وكثير من العلماء يتوسعون في هذا إتماما لبيان الحجة ومراعاة للخلاف في صحة الحديث.

إلا أنهم لا يشتغلون في توجيه الأحاديث الموضوعة وشديدة الضعف؛ لأنها ليست أحاديث نبوية لثبوت عدم صدورها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ألحقت بالأحاديث النبوية تجوزا؛ لأن الوضاعين والمتروكين ادعوا أنها أحاديث فبحث العلماء دعواهم هذه ضمن نقدهم لأحاديث سائر الرواة.

أما بديع الزمان فلم أره يشتغل بنقد الأسانيد ولا يحاول أن يضعّف الأحاديث أو يحكم بأنها موضوعة من مدخل الجرح والتعديل أو علل الأسانيد، وقد تكلم في هذا الأمر بوضوح قائلا: "ولما كانت الأنظار قد لفتت إلى هذا الحديث الشريف المتشابه دون مبرر -بل بما فيه ضرر- وأن هناك أحاديث أخرى متشابهة له بكثرة؛ يلزم بيان (حقيقة) دفعاً للشبهات وإزالة للأوهام. أقول: إن ذكر هذه (الحقيقة) ضروري بغض النظر عن ثبوت الحديث".[3]

يتضح من كلامه أنه يشتغل بتوضيح المعنى الصحيح واستبعاد المعنى المتوهم خطأ عن الحديث بغض النظر عن درجة صحته، مما يدل على أنه لا يلزم أن يكون قد حكم بصحة كل حديث تأوّله. وهذا يشبه ما يتأوّله العلماء السابقون على سبيل التنزّل كما سبق بيانه. وربما غلّط بعض رواة الحديث بسبب روايتهم ما يتعذّر تأويله من المتون المنكرة كما فعل في حديث الأرض على الثور والحوت حيث قال: وأما ما جاء من حكايات خارجة عن طور العقل في بعض الكتب الإسلامية حول الثور والحوت. فإما أنها من الإسرائيليات، أو هي تشبيهات وتمثيلات، أو أنها تأويلات بعض الرواة، حسبها الذين لا يتحرون الدقة أنها من الحديث نفسه وأسندوها إلى كلام الرسول صلى الله عليه وسلم".[4]

وفي الوقت نفسه فإنه لا يعيب على أهل الحديث مسلكهم في رد الأحاديث الضعيفة والموضوعة بسبب الإسناد، وإنما يرى أنه قد خفي عليهم المعنى الذي يشير إليه الحديث، وأن الأولى حسب رأيه قبول الحديث وتأويله إشاريا كما يفعل دائما.[5]

ولعل الذي ألجأ بديع الزمان إلى هذا المنهج أنه ألّف الرسائل بعيدا عن الكتب والمراجع التي تحوي الجرح والتعديل وعلل الأسانيد؛ فقد قضى حياته بين السجن والنفي في ظروف لا تسمح له بمراجعة الكتب،[6] ومع ذلك فقد أبدع في التأليف مما يدل على ثقافة واسعة في علوم الشريعة كان قد حصلها في شبابه قبل المحنة. ولا شك أن التأليف بعيدا عن المكتبة يسبب قلة النقل عن الآخرين والاعتماد الكلي على الذاكرة والقدرة على الاستنتاج وتوليد الأفكار؛ لذلك جاءت رسائل النور مليئة بالأفكار والخواطر الإيمانية التي لا تجدها عند غيره لأنها نتاج علمه، وقل ما ينقل عن غيره،[7] وهذه المواضع المنقولة سردها للاستشهاد بها أو لنقدها غالبا.

وتتبدى حافظته الحديثية عند كلامه على المعجزات النبوية فقد سرد المئات من أحاديث المعجزات وقسمها تقسيما مبتكرا للاستدلال بها على صدق النبوة.[8] أما الكلام على علل الأسانيد والجرح والتعديل فهو ميدان آخر يحتاج إلى إمعان النظر في الكتب وكثرة المذاكرة مع الأقران وهو ما تعذر إمكانه في حق بديع الزمان.

المطلب الثاني: التوجيه الإيجابي للأحاديث المتعلقة بالألوهية والنبوة

تعرض بديع الزمان لعدد من الأحاديث النبوية المتعلقة بالألوهية والنبوة، ورد المعاني الباطلة المتوهمة من متونها، ثم أعمل فكره في استخراج معاني إشارية تتفق مع أصول الشريعة وقطعياتها، وفيما يلي وقفات مع نماذج من تلك الأحاديث.

أولا: حديث إن الله خلق آدم على صورة الرحمن[9]

قال بديع الزمان: "لقد ورد في حديث شريف (إن الله خلق آدمَ على صـورة الرحـمن)، أو كما قال صلى الله عليه وسلم. فسَّرَ قسمٌ من أهل الطرق الصوفية هذا الحديث الشريف تفسيراً عجيباً لا يليق بالعقائد الإيمانية، ولا ينسجم معها. بل بلغ ببعضٍ من أهل العشق أن نظروا إلى السيماء المعنوي للإنسان نظرتهم إلى صورة الرحمن! ولما كان في أغلب أهل العشق حالة استغراقية ذاهلة والتباس في الأمور، فلربما يُعذَرون في تلقّياتهم المخالفة للحقيقة. إلاّ أن أهل الصحو، وأهل الوعي والرشاد يرفضون رفضاً باتاً تلك المعاني المنافية لأسس عقائد الإيمان، ولا يقبلونها قطعاً. ولو رضي بها أحدٌ فقد سقط في خطأ وجانَبَ الصواب."[10]

يتبين من كلام بديع الزمان أنه يرفض تفسير هذا الحديث تفسيرا يعتمد على تشبيه الله بخلقه رفضا قاطعا؛ لأن تنزيه الله تعالى عن مماثلة المخلوقات أصل قطعي من أصول العقائد الدينية في الإسلام دلّت عليه أدلة سمعية وعقلية كثيرة، ومن أظهرها قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.الشورى:11

ثم يبيّن المقصود من الحديث وهو " أن الإنسان مخلوق على صورة تُظهر تجلّي اسم الله الرحمن إظهارا تاما"،[11] ثم يضرب مثالا لتقريب المعنى فيقول: "وفي الحديث الشريف إشارة كذلك إلى أن في الإنسان والأحياء من المظاهر الدالة على " الرحمن الرحيم" ما هو بمثابة مرايا عاكسة لتجلياته سبحانه، فدلالة الإنسان عليه سبحانه ظاهرة قاطعة جلية، تشبه في قطعيتها وجلائها دلالة المرآة الساطعة بصورة الشمس وانعكاسها على الشمس نفسها. فكما يمكن أن يقال لتلك المرآة: إنها الشمس، إشارةً إلى مدى سطوعها ووضوح دلالتها عليها، كذلك يصح أن يقال -وقد قيل في الحديث- إن في الإنسان صورة الرحمن، إشارة إلى وضوح دلالته على اسم الرحمن وكمال مناسبته معه ووثوق علاقته به."[12]

إذن، فالمقصود من الحديث أن خلق الإنسان يدل على خالقه، وعظمة خلقه تدل على عظمة خالقه ومدبّره. وهذا المعنى الإشاري الذي استنبطه بديع الزمان من الحديث قد صرّح به القرآن في غير ما آية، فقد أمر الله تعالى الإنسان أن يتفكر في نفسه فيما حوله ليستدل على خالقه، قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ و َفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾،الذاريات:20-21 إن القصد من الأمر بالتفكر في المخلوقات هو الاستدلال على وجود الله وعظمته وكماله ليترسخ الإيمان به وتعظيمه وتعظيم أمره ونهيه.

ثانيا: حديث لا يسعني أرضي ولا سمائي ويسعني قلب عبدي المؤمن[13]

قال بديع الزمان: "وكذا حسبي من جعلني مظهرا جامعا لتجليات أسمائه، وأنعم عليّ بنعمة لا تسعها الكائنات بسر حديث (لا يسعني أرضي ولا سمائي ويسعني قلب عبدي المؤمن)، يعني أن الماهية الإنسانية مظهر جامع لجميع تجليات الأسماء المتجلية في جميع الكائنات".[14]

من الواضح أن المعنى الحرفي للحديث غير مراد، وأن المقصود باتساع قلب المؤمن بالله أن هذا القلب قد امتلأ إيمانا بالله ومحبة وخشية، فصارت حركاته وسكناته ناطقة بعظمة الله وكماله، واستحالت دليلا من دلائل وجوده وتوحيده وجلاله.

ويذهب بديع الزمان إلى أن امتلاء القلب بالله بهذا المعنى سر كمال سعادة الحياة، فقال: "أما كمال سعادة حياتك فهو الشعور بما يتجلى من أنوار التجليات الإلهية في مرآة حياتك وحبها وإظهار الشوق إليها وأنت مالك للشعور ثم الفناء في محبتها ترسيخ تلك الأنوار المنعكسة وتمكينها في بؤبؤ عين قلبك. ولأجل هذا قيل... هذا المعنى للحديث القدسي الذي رفعك لأعلى عليين."[15]

ولعلّ أعلى عليين الذي يقصده بديع الزمان ما عبّر عنه الحديث الشريف من وصف حال من أحبه الله، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنّه".[16]

ثالثا: حديث لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك[17]

من المعلوم أن الدلالة على الله وعبادته وتوحيده هي غاية الخلق، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونَ﴾،الذاريات، 56 وقد سخر الله كل ما في السماوات والأرض للإنسان كي يقوم بهذه المهمة العظيمة، مهمة عمارة الأرض بعبادة الله وتعظيمه، قال الله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ.﴾الجاثية:13

فغاية الخلق إذن ليست شخص النبي محمد صلى الله عليه وسلم، هذا ما يدلّ عليه القرآن صراحة في آيات كثيرة، ولكن بديع الزمان أورده عدة مرات[18] مستشهدا به ومستخرجا منه معنى إشاريا بديعا يتفق مع القرآن في تقرير غاية الخلق، ويستبعد المعنى الحرفي الظاهري الباطل المخالف للثابت في الشرع.

صحيح أن بديع الزمان يقرر أن غاية خلق الكون هي محمد صلى الله عليه وسلم حيث يقول: "إن ذلك النبي الكريم صلى الله عليه وسلم هو علة الكون الغائية، أي أنّه موضع نظر خالق الكون، نظر إليه وخلق الكون، ويصح القول أنه لو لم يكن قد أوجده ما كان يوجد الكون".[19] ثم يقرر أن هذا المعنى مستمد من الحديث المذكور فيقول: "إن محمداً صلى الله عليه وسلم الذي استقبل مظاهر ربوبية رب العالمين، وسرمدية ألوهيته، وآلائه العميمة التي لا تعد ولا تحصى، استقبلها بعبودية كلية وتعريف لربّه الجليل. هذا النبي الكريم ضروري كضرورة الشمس لهذا الكون؛ إذ هو أستاذ البشرية الأكبر، ونبيها الأعظم صلى الله عليه وسلم، وفخر العالم، القمين بخطاب (لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك) وكما أن حقيقته -أي الحقيقة المحمدية- هي سببُ خلق العالم، ونتيجتُه وأكملُ ثمراته. كذلك تتحقق بها وبالرسالة الأحمدية الكمالات الحقيقية للكائنات قاطبة، إذ تصبح مرايا باقية للجميل الجليل السرمدي تعكس تجليات صفاته الجليلة، وآثاره القيّمة الموظفة لدى أفعاله الحكيمة جلّ جلالُه، ورسائله البليغة المرسلة من الملأ الأعلى، وتغدو حاملة لعالم باق، منتجة دار سعادة خالدة ودار آخرة أبدية يشتاق إليها ذوو الشعور كلهم.. وأمثالها من الحقائق التي تتحقق بالحقيقة المحمدية والرسالة الأحمدية".[20]

يتضح من كلام الأستاذ أن المقصود بعلة الكون الغائية ليس شخص النبي صلى الله عليه وسلم على الرغم من شرف شخصه الكريم، وإنما المقصود رسالته ودعوته إلى توحيد الله وعبادته، إذ أن رسالة الإسلام هي التي عرفت المخلوقات بخالقها ودلّتهم على عبادته وتوحيده، فلولا الرسالة لما كان للكون فائدة، ولولا الرسول لما كانت الرسالة. وبهذا المعنى الدقيق يتفق الحديث مع القرآن في تقرير العلة الغائية من خلق الكون.

ويزيد بديع الزمان هذا المعنى وضوحا بقوله: "واصطفى من بين هؤلاء المحبوبين إمامَهم ورمزَ فخرهم واعتزازهم، ألا وهو محمد صلى الله عليه وسلم. فنوّر بنوره نصف الكرة الأرضية ذات الأهمية، وخُمس البشرية ذوي الأهمية، طوال قرون عدة، حتى كأن الكائنات قد خُلقت لأجله، لبروز غاياتها جميعاً به، وظهورها بالدين الـذي بُعث به، وانجلائها بالقرآن الـذي اُنزل عليه".[21]

بعد تأمل كلام الأستاذ يتبين أنه أوّل الحديث تأويلا سائغا ووجّه الحديث توجيها يتفق مع القرآن في بيان الغاية من خلق الكون.

المطلب الثالث: التوجيه الإيجابي للأحاديث المتعلقة بالكونيات

هناك بعض الأحاديث المتعلقة بخلق الملائكة والأرض يُتَوَهَّم معنى غريبا أو باطلا يتعارض مع الشرع والعقل، بعضها صحيح من حيث الإسناد وبعضها ضعيف أو شديد الضعف، وقد تأولها بديع الزمان تأويلا إشاريا لطيفا يتفق مع الشرع ولا يخالف العقل.

أولا: حديث إن لله ملائكة لها أربعون أو أربعون ألف رأس، في كل رأس أربعون ألف فم، وفي كل فم أربعون ألف لسان يسبح أربعين ألف تسبيحة[22]

إن غرابة هذه الهيئة مع عدم وجود هذا الحديث في كتب الحديث وافتقاره إلى الإسناد يدفع أهل العلم إلى الحكم بوضعه وعدم الاشتغال بروايته أو تأويله، لكن الأستاذ ذكره عدة مرات[23] بألفاظ متقاربه وتأوله تأولا يدفع عنه الغرابة، ويجعله موافقا للعقل.

قال الأستاذ: "لما كانت الكرة الأرضية تسبح لله بعدد رؤوس الأنواع الموجودة فيها؛ من حيوان ونبات وجماد وبعدد ألسنة أفراد تلك الأنواع وبمقدار أعضاء تلك الأفراد وبعدد أوراقها وثمارها، فإنّ تقديم هذه العبودية الفطرية غير الشعورية العظيمة جدا وتمثيلها وعرضها بعلم وشعور على الحضرة الإلهية المقدّسة يتطلّب حتما ملكا موكلا له أربعون ألف رأس وفي كل رأس أربعون ألف لسان يسبح بكل لسان أربعين ألف تسبيحة، مثلما أخبر المخبر الصادق بهذه الحقيقة نفسها".[24]

يريد الأستاذ أن يقول لنا أن لا غرابة في هيئة الملك هذه؛ لأن مخلوقات الله الكثيرة والمتشعبة يسبح كل جزء منها ربه، فعادي أن يوكل بكل هذه المخلوقات ملائكة تماثلها في الضخامة كي تعرض هذه التسبيحات الكثيرة على الله تعالى.

ويستدل الأستاذ بهذه الهيئة الضخمة للملك الموكل بأعمال الإنسان أن الملك يحصي تسبيحات الإنسان بدقة متناهية فلا يفوته إحصاؤها على الرغم من الأصوات والخلجات التي لا تحد الصادرة عن الإنسان.[25] وكما أنه دقيق ومنتظم في إحصاء عبادات الإنسان فإن عبادته الخاصة أيضا في غاية الانتظام والكمال والسعة والكلية.[26]

ولا يُفَوِّت الأستاذ الفرصة بضرب الأمثلة التقريبية كما هو أسلوبه المفضل لتوضيح المعنى وتقريبه، فقال: "هناك بعض الموجودات الجسمانية الضخمة تُنجز وظائفَ عبوديتها بأربعين ألف رأس وبأربعين ألف نمط وشكل. فالسماءُ مثلا تسبّح بالشموس والنجوم، والأرضُ أيضا مع أنها واحدة من المخلوقات، فإنها تقوم بوظائف عبوديتها وتسبيحاتها لربّها بمائةِ ألف رأس، وفي كل رأس مئاتُ الألوف من الأفواه، وفي كل فم مئاتُ الألوف من الألسنة، فلأجل أن يُظهر المَلك الموكّل بكرة الأرض هذا المعنى في عالم الملكوت، لابدّ أن يَظهر هو الآخر بتلك الهيئة والصورة. حتى إنني رأيت ما يقارب الأربعين غصنا -بما يشبه الرأس- لشجرة متوسطة من أشجار اللوز، ومن ثم نظرت إلى أحد أغصانِها فكان له ما يقارب الأربعين من الأغصان الصغيرة بمثابة الألسنة، ورأيت هناك أربعين زهرة قد تفتحتْ من أحد تلك الألسنة. فنظرتُ بدقة وأمعنت بحكمة إلى تلك الأزهار، فإذا في كل زهرة ما يقارب الأربعين من الخيوط الدقيقة المنتظمة ذات الألوان البديعة والدقة الرائعة، بحيث إن كلّ خيط من تلك الخيوط يُظهر تجلّيا من تجلّيات أسماء الصانع ذي الجلال ويستنطق اسما من أسمائه الحسنى. فهل من الممكن أن صانع شجرة اللوز ذا الجلال، وهو الحكيم ذو الجمال، الذي حمّل تلك الشجرة الجامدة جميعَ تلك الوظائف ثم لا يركّب عليها مَلَكا موكلا، يناسبها، وبمثابة الروح لها، ويفهم معنى وجودها، ويعبّر عن ذلك المعنى ويعلنه للكائنات ويرفعه إلى الحضرة المقدسة؟"[27]

ولا يتبين من كلام الأستاذ السابق هل ظهور هيئة الملك بهذه الصورة هي حقيقة خلقته أم أنها صورة تقريبية يظهر بها الملك ليتمكن من القيام بوظائفه؟! وكذلك قوله في الكلمات: "إن المخبر الصادق قد صوّر مثلا الملائكة الموكلين بحمل العرش وكذا حملة الأرض والسماوات أو ملائكة آخرين – بأن للملك أربعين ألف رأس في كل رأس أربعون ألف لسان يسبح بأربعين ألف نوع من التسبيحات. هذه الحقيقة الرفيعة في أمثال هذه الأحاديث الشريفة تعبّر عن انتظام العبادة وكليتها وشمولها لدى الملائكة".[28] فهل هذه الهيئة حقيقة أم مثال؟!

لكني وقفت على كلام له في توجيه حديث لطم موسى عين ملك الموت يدلّ على أن هذه الهيئة ليست خلقته الحقيقية، قال: "لقد بينّا... وحسب دلالات أحاديث نبوية شريفة: بأن هناك من الملائكة من يملكون أربعين ألف رأس، وفي كل رأس أربعون ألف لسان -أي لهم ثمانون ألف عين أيضاً- وكل لسان يسبح بأربعين ألف تسبيحة. فما دام الملائكة الموكلون موكلين حسب أنواع عالم الشهادة، وهم يمثلون تسبيحات تلك الأنواع في عالم الأرواح، فلابد أن يكون لهم تلك الصورة والهيأة. لأن الارض –مثلاً-ـ وهي مخلوقة واحدة، تسبح لله. وهي تملك أربعين ألف نوع من الأنواع، بل مئات الألوف منها، والتي كل منها بحكم رؤوس مسبحة لها، ولكل نوع من الأنواع ألوف من الأفراد التي هي بمثابة الألسنة.. وهكذا. فالملك الموكل على الكرة الأرضية ينبغي أن يكون له أربعون ألف رأس، بل مئات الألوف من الرؤوس، ولابد أن يكون لكل رأس مئات الألوف من الألسنة.. وهكذا. فبناء على هذا المسلك: فإن عزرائيل عليه السلام له وجه متوجه إلى كل فرد، وعين ناظرة إلى كل فرد، لذا فلطمُ سيدنا موسى عليه السلام ليس هو لطمة على الماهية الشخصية لسيدنا عزرائيل -حاشاه- ولا على شكله الحقيقي، وليس فيه إهانة، ولا رد له، بل تصرفه هذا نابع من كونه راغباً في زيادة دوام مهمة الرسالة واستمرار بقائها، ولأجل هذا لطم -وله أن يلطم- تلك العين التي تراقب أجله، والتي تريد أن تنهي وظيفته على الأرض. والله أعلم بالصواب ولا يعلم الغيب الاّ هو. قل إنما العلم عند الله".[29]

والخلاصة أنه ذكر أن اللطم لم يتوجه إلى حقيقة خلقة ملك الموت لكنه توجه إلى العين التي هي واحدة من ثمانين ألف عين التي يظهر بها ملك الموت للقيام بوظيفته، وهذا يدل على أنه أوّل الحديث تأويلا مجازيا وهو يرى أنّ هذه الهيئة ما سيقت إلا لبيان معنى إشاري يبين العلاقة بين ضخامة هيئة الملائكة وعملها الموكلة به وهو إحصاء تسبيحات المخلوقات الكثيرة المنتشرة في الكون، وهو عمل يقتضي أن يكون الموكل به مخلوقا بهيئة تتسم بالضخامة والكثرة حسب ضخامة وكثرة وانتشار المخلوقات التي يراقبها.

ثانيا: حديث لطم موسى عليه السلام عين ملك الموت عندما جاء لقبض روحه[30]

سئل الأستاذ عن صحة حديث لطم موسى عليه السلام عين ملك الموت عندما جاء لقبض روحه بعد أن دارت مناقشة حوله، ويبدو أن السائلين قد استغربوا معنى هذا الحديث، وزاد في استغرابهم أنه مخرج في الصحيحين، ويبدو أن المناقشة لم تسفر عن شيء مقنع؛ فأرسلوا إلى بديع الزمان ليحل لهم الإشكال، فأجاب ما ملخصه:[31]

بما أن الحديث في الصحيحين فهو صحيح ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكما أن في القرآن آيات متشابهات فكذلك في الحديث النبوي أحاديث متشابهات، وهي ما يطلق عليها العلماء مشكل الحديث، فالواجب إزالة إشكاله وبيان المعنى الصحيح المقصود؛ لأن المعنى الحرفي الظاهر غير مراد قطعا.

ثم وجّه لطم موسى عين الملك ثلاثة مسالك:[32]

المسلك الأول: "إن عزرائيل عليه السلام هو الذي يقبض روح كل فرد. فلا يمنع فعل هنا فعلاً هناك؛ لأنه نوراني، والشيء النوراني يمكنه أن يحضر ويتمثل بالذات في أماكن غير محدودة، بوساطة مرايا غير محدودة. فتمثلات النوراني تملك خواصه. وتعتبر عينه وليست غيره. فتمثلات الشمس في المرايا المختلفة مثلما تُظهر ضوء الشمس وحرارتها، فتمثلات الروحانيين -كالملائكة- تُظهر أيضاً خواصها في المرايا المختلفة في عالم المثال، فهي عين أولئك الروحانيين وليست غيرهم. فالملائكة يتمثلون في المرايا حسب قابليات المرايا. فحسب هذا المسلك: ليس محالاً قط، ولا هو بأمر فوق المعتاد، ولا هو أمر غير معقول، أن يتعرض مثال ملك الموت المتمثل للإنسان عند قبض روحه -وهو مثال جزئي إنساني- إلى لطمة سيدنا موسى عليه السلام وهو الشخصية العظيمة المهيبة من أولي العزم من الرسل، ثم فقؤه لعين تلك الصورة المثالية لملك الموت، الذي لبس زي تلك الصورة".

المسلك الثاني: "إن الملائكة العظام من أمثال سيدنا جبرائيل وميكائيل وعزرائيل عليهم السلام، كل منهم بمثابة ناظر عام ورئيس، لهم أعوان من نوعهم وممن يشبهونهم، ولكن بطراز أصغر، فهؤلاء المعاونون الصغار مختلفون حسب اختلاف المخلوقات الموكلين بهم. فالذين يقبضون أرواح الصالحين يختلفون عن الذين يقبضون أرواح الطالحين، فهم طوائف مختلفة من الملائكة. فحسب هذا المسلك: فإن سيدنا موسى عليه السلام، لم يلطم سيدنا عزرائيل عليه السلام، بل لطم الجسد المثالي لأحد أعوانه، وذلك بعنفوان النبوة الجليلة وبسطة جسمه وجلادة خلقه وحظوته عند ربه القدير. وهكذا يصبح الأمر معقولاً جداً".

المسلك الثالث: بما أن الملائكة لها أربعون ألف رأس وأربعون ألف لسان لتتمكن من القيام بوظائفها مع كل إنسان وفي كل مكان كما سبق الكلام عليه في المطلب الثالث "فإن عزرائيل عليه السلام له وجه متوجه إلى كل فرد، وعين ناظرة إلى كل فرد، لذا فلطمُ سيدنا موسى عليه السلام ليس هو لطمة على الماهية الشخصية لسيدنا عزرائيل -حاشاه- ولا على شكله الحقيقي، وليس فيه إهانة، ولا رد له، بل تصرفه هذا نابع من كونه راغباً في زيادة دوام مهمة الرسالة واستمرار بقائها، ولأجل هذا لطم -وله أن يلطم- تلك العين التي تراقب أجله، والتي تريد أن تنهي وظيفته على الأرض. والله أعلم بالصواب ولا يعلم الغيب إلاّ هو. قل إنما العلم عند الله".

والخلاصة من التوجيهات الثلاثة أن اللطم لم يكن متوجها إلى الخلقة الحقيقية للملك وإنما توجه للصورة المثالية التي تشكل بها ملك الموت أو أحد أعوانه، وهذا يتفق مع ما ذهب إليه عدد من شراح الحديث أن اللطم كان للعين الإنسية في الهيئة الإنسية التي تشكل بها ملك الموت عندما جاء ليقبض روحه، وهو تصرف عادي؛ لأنه ظن أنه رجل أراد قتله.[33]

ثالثا: حديث الأرض على الثور والحوت[34]

ذكر بديع الزمان هذا الحديث مثالا على التشبيهات والتمثيلات التي يسيء الناس فهمها بحملها على الحقيقة فتتحول من تشبيهات لطيفة إلى معان باطلة تحيلها العقول، فقال: " هناك كثير من التشبيهات والتمثيلات البلاغية تؤخذ كحقائقَ مادية، إما بمرور الزمن أو بانتقالها من يد العلم إلى يد الجهل، فيقع الناسُ في الخطأ من حسبان تلك التشبيهات حقائقَ مادية. فمثلا: إن المَلَكين المسمَيين بالثور والحوت، والمتمثلين على صورتَيهما في عالَم المثال، وهما من ملائكة الله المُشرفة على الحيوانات البرية والبحرية، قد تحوّلا إلى ثورٍ ضخم وحوتٍ مجسم في ظن الناس وتصورهم الخاطئ، مما أدى إلى الاعتراض على الحديث".[35]

وقبل أن أبيّن توجيه الحديث الذي استنبطه بديع الزمان لا بد من بيان أنه لا يقرّ الخرافات الكثيرة من الإسرائيليات التي رويت مع هذا الحديث مما يحيلها العقل ولا يقبلها الشرع، قال في بيان رأيه عندما سئل عن الخرافات التي لا يقرها العلم: "تذكرون يا أخي في سؤالكم: أن علماء الدين يقولون: الأرض تقوم على الحوت والثور، علماً أن الجغرافية تراها كوكباً معلقاً يدور في السماء كأي كوكب آخر، فلا ثور ولا حوت! الجواب: هناك رواية صحيحة تُسند إلى ابن عباس رضي الله عنهما، تقول: سُئل الرسول صلى الله عليه وسلم: على أي شيء تقوم الأرض؟ أجاب: على الثور والحوت. وفي رواية أخرى، قال مرة: على الثور ومرة: على الحوت. ولكن عدداً من المحدثين طبقوا هذه الرواية على حكايات خرافية وقديمة وردت عن الإسرائيليات، ولاسيما من علماء بني إسرائيل الذين أسلموا فهؤلاء غيروا معنى الحديث وحولوه إلى معنى عجيب غريب جدا، حيث طبقوا الحديث على ما شاهدوه من حكايات حول الثور والحوت في الكتب السابقة".[36] وقال: "وأما ما جاء من حكايات خارجة عن طور العقل في بعض الكتب الإسلامية حول الثور والحوت. فإما أنها من الإسرائيليات، أو هي تشبيهات وتمثيلات، أو أنها تأويلات بعض الرواة، حسبها الذين لا يتحرون الدقة أنها من الحديث نفسه وأسندوها إلى كلام الرسول صلى الله عليه وسلم".[37]

ثم يشرع الأستاذ في بيان المعنى البلاغي الذي ارتآه، وقد بيّن أنه يمكن توجيه الحديث بثلاثة وجوه:[38]

الوجه الأول: "أما الأرض التي هي شقيقة صغيرة للسموات ورفيقة أمينة للسيارات فقد عُين لها ملكان مشرفان يحملانها، يطلق على أحدهما: "الثور" وعلى الآخر "الحوت". والحكمة في تسميتهما بهذين الاسمين هي أن الأرض قسمان: البر والبحر أي اليابسة والماء، فالذي يعمر البحر أو الماء هو الحوت أو السمك، أما الذي يعمر البر والتراب فهو الثور، حيث أن مدار حياة الإنسان على الزراعة المحمولة على كاهل الثور. فالملكان الموكلان بالأرض إذن هما قائدان لها ومشرفان عليها، لذا لهما تعلق وارتباط ومناسبة -من جهة- مع طائفة الحوت ونوع الثور. ولربما -والعلم عند الله- يتمثلان في عالم الملكوت وفي عالم المثال على صورة الحوت والثور. فإشارة إلى هذه المناسبة والعلاقة، وإيماء إلى ذينك النوعين من مخلوقات الأرض، قال الذي أوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم: "الأرض على الثور والحوت"، فأفاد بجملة واحدة وجيزة بليغة عن حقيقة عظيمة عميقة قد لا يعبر عنها في صحيفة كاملة".

الوجه الثاني: "لو قيل: بمَ تقوم هذه الدولة؟ فالجواب: على السيف والقلم: أي تستند إلى قوة سيف الجيش وشجاعته وإقدامه وعلى دراية قلم الموظفين وعدالتهم. وحيث أن الأرض مسكن الأحياء، وسيد الأحياء الإنسان، والقسم الأعظم من الناس يقطنون السواحل ومعيشتهم على السمك، والباقون تدور معيشتهم على الزراعة التي هي على عاتق الثور ومحور تجارتهم على السمك. فمثلما يمكن القول: أن الدولة تقوم على السيف والقلم يمكن كذلك القول: إن الأرض تقوم على الثور والحوت؛ لأنه متى ما أحجم الثور عن العمل ولم يلق السمك ملايين البيوض دفعة واحدة، فلا عيش للإنسان وتنهار الحياة، ويدمر الخالق الحكيم سبحانه الأرض. وهكذا أجاب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عن السؤال بحكمة سامية وببلاغة معجزة وبكلمتين اثنتين مبيناً حقيقة واسعة تتعلق بمدى ارتباط حياة الإنسان بالحيوان فقال: الأرض على الثور والحوت".

الوجه الثالث: "إنه حري بلسان ذلك النبي الكريم المعجز أن يقول مرة: على الثور، مشيراً به إلى حقيقة عميقة لا تدرك إلا بعد قرون عديدة، حيث أن الأرض في تلك الفترة -أي فترة السؤال- كانت في الصورة المثالية لبرج الثور، بينما عندما سئل صلى الله عليه وسلم السؤال نفسه بعد شهر قال: على الحوت؛ لأن الأرض كانت في ظل برج الحوت. وهكذا أشار صلى الله عليه وسلم بقوله: "على الثور والحوت" إلى هذه الحقيقة العظيمة التي ستظهر في المستقبل وتتوضح... وأشار به إلى حركة الأرض وسياحتها... ورمز به إلى أن البروج السماوية الحقيقية والعاملة هي التي في مدار الأرض السنوي، والأرض هي القائمة بالوظيفة والسياحة في تلك البروج، بينما التي بالنسبة للشمس عاطلة دون اجرام سيارة فيها. والله اعلم بالصواب".

يتضح مما سبق أن المقصود بالثور والحوت ليس حقيقة اللفظ، وإنما هو معنى مجازي يقصد به الملكان الموكلان بالأرض، وأطلق عليهما لفظ الثور والحوت إشارة إلى أن الأرض إما بحر أو بر، وقوام حياة الإنسان في البحر السمك وفي البر الثور الذي يحرث الأرض. أو أن قوام حياة الإنسان إما صيد السمك من البحر أو زراعة البر بالثور فيصد أن يقال إن قيام الحياة على الأرض إنما يكون بالحوت والثور. والوجه الثالث يدل على إعجاز علمي اكتشفه الإنسان فيما بعد حيث أن الأرض تدور فتكون في زمن في ظل برج الثور، وفي زمن آخر في ظل برج الحوت.

الخاتمة

ضمّنت الخاتمة أهم النتائج والتوصيات:

1. اهتم بديع الزمان بتوجيه متون الأحاديث النبوية إلى المعاني الإيجابية، ويبتعد عن الفهم السلبي والشاذ المخالف لصحيح النقل أو صريح العقل.

2. يظهر التجديد في تعامل بديع الزمان مع المتون التي تُتَوَهَّم منها معاني باطلة في أمرين: الأول: اتجاهه إلى تأويل تلك المتون تأويلا إشاريا يراعي أصول الشريعة وصريح العقل ولا يجافي دلالة لفظ الحديث أيضا. الثاني: أنه يلجأ إلى تأويل المتون المشكلة بقطع النظر عن أسانيدها هل هي ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم أم لا.

3. المعاني الإشارية التي يتأوّلها بديع الزمان للمتون المشكلة فيها إبداع يُشعر القارئ باللذة العقلية والمتعة الروحية.

4. على الرغم من غنى رسائل النور بالأحاديث النبوية استدلالا وتأويلا إلا أن الجانب الحديثي في رسائل النور لم ينل ما يستحق من البحث والدراسة من قبل الباحثين؛ فأكثر ما كتب حول رسائل النور يعالج مسائل الفكر والدعوة وأسئلة النهضة، أما الدراسات الحديثية فلم أقف إلا على دراستين غير منشورتين، ولم أستطع الحصول عليهما مع الأسف.

5. من أهم القضايا الحديثية التي بحثها بديع الزمان في الرسائل وبذل جهدا مميزا في دراستها وتستحق اهتمام الباحثين: مشكل الحديث، وأحاديث الفضائل، وأحاديث أشراط الساعة، ودلائل النبوة.

* * *


[1] كلية الإلهيات، جامعة حران، شانلي أورفة/ تركيا.

[2] انظر، الشوكاني، محمد بن علي، ت (1250) هـ، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، تحقيق أحمد عناية، دار الكتاب العربي، ط1، 199م ([2]/138).

[3] سعيد النورسي، المكتوبات، مطبوع ضمن سلسلة من كليات رسائل النور، ترجمة إحسان الصالحي، دار سوزلر للنشر، إسطنبول، ط1 ، 1992م، المكتوب الثامن والعشرون، ص (456).

[4] سعيد النورسي، اللمعات، مطبوع ضمن سلسلة من كليات رسائل النور، ترجمة إحسان الصالحي، دار سوزلر للنشر، إسطنبول ، ط1 ، 1992م، اللمعة الرابعة عشر، ص (142).

[5] انظر، سعيد النورسي، الكلمات، مطبوع ضمن سلسلة من كليات رسائل النور، ترجمة أحسان الصالحي، دار سوزلر للنشر، إسطنبول ، ط1 ، 1992م، الكلمة الرابعة والعشرون، ص (386).

[6] انظر، سعيد النورسي، المكتوبات، المكتوب الثاني والعشرون، ص (256).

[7] انظر، المصدر السابق.

[8] انظر، سعيد النورسي، المكتوبات، المكتوب التاسع عشر: المعجزات الأحمدية، ص (111).

[9] أخرج البخاري، محمد بن إسماعيل، ت (256) هـ، في الجامع الصحيح، تحقيق مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، بيروت، ط3، 1987م، كتاب الاستئذان، باب السلام، رقم الحديث (5873)، (5/2299). وأخرج مسلم ابن الحجاج، ت (261) هـ، الصحيح، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير، رقم الحديث (2841)، (4/2183) كلاهما عن أبي هريرة مرفوعا: " خلق الله آدم على صورته". أما اللفظ الذي ذكره الأستاذ "خلق الله آدم على صورة الرحمن" قد أخرجه عبــــــــــد الله بن أحمد، ت (290) في كتاب السنة، تحقيق محمد القحطاني، دار ابن القيم، الدمام، ط1، 1406هـ، (2/472)، والبيهقي، أحمد بن الحسين، ت (458) هـ في الأسماء والصفات، تحقيق عبد الله الحاشدي، مكتبة السوادي، جدة، ط[9] (2/64). وانظر الخلاف في تصحيحه عند ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني،ت(852) هـ، فتح الباري في شرح صحيح البخاري، تحقيق ابن باز ومحب الدين الخطيب وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، مصورة عن الطبعة السلفية (5/183).

[10] سعيد النورسي، اللمعات، اللمعة الرابعة عشرة، ص (153).

[11] سعيد النورسي، اللمعات، اللمعة الرابعة عشرة، ص (153).

[12] المصدر السابق، ص (154).

[13] ذكر ابن تيمية أن هذا الحديث من الإسرائيليات، وليس له إسناد معروف عن النبي r، وفسره تفسيرا قريبا مما ذكره بديع الزمان، انظر، ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم الحراني، ت (728)، مجموع الفتاوى، تحقيق أنور الباز وعامر الجزار، دار الوفاء، ط3، 2005م (18/376). وقال العراقي: لا أصل له، انظر، العراقي، زين الدين عبد الرحيم بن الحسين، ت (806) هـ، تخريج الإحياء المسمى المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار (2/712). وكذا قال كل من وقفت عليه ممن تكلم على الحديث.

[14] سعيد النورسي، الشعاعات، مطبوع ضمن سلسلة من كليات رسائل النور، ترجمة إحسان الصالحي، دار سوزلر للنشر، إسطنبول، ط1 ، 1992م، الشعاع الرابع، ص (101)، واللمعات، اللمعة التاسعة والعشرون، ص (509).

[15] سعيد النورسي، الكلمات، الكلمة الحادية عشرة، ص (139-140).

[16] رواه البخاري في الصحيح، كتاب الرقاق، باب التواضع، رقم الحديث (6137)، (5/2384).

[17] ذكره الصاغاني في الموضوعات، انظر، الصاغاني، الحسن بن محمد، ت (650) هـ، الموضوعات، تحقيق نجم خلف، دار المأمون للتراث، دمشق، ط2، 1405هـ ([17]) /52)، وقال العجلوني: لكن معناه صحيح وإن لم يكن حديثا، العجلوني، إسماعيل بن محمد، ت (1162) هـ، كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الحديث على ألسنة الناس، دار إحياء التراث العربي (2/164).

[18] انظر، سعيد النورسي، الكلمات، الكلمة العاشرة، ص (75)، المكتوبات، المكتوب التاسع عشر، ص (234،235،253، 254، 260)، الشعاعات، الشعاع التاسع، الشعاع الخامس عشر، ص (237،655).

[19] سعيد النورسي، المكتوبات، المكتوب التاسع عشر، ص (254).

[20] سعيد النورسي، الشعاعات، الشعاع التاسع، ص (655).

[21] سعيد النورسي، الشعاعات، الشعاع التاسع، ص (237).

[22] لم أجده في كتب الحديث.

[23] انظر، سعيد النورسي، الكلمات، الكلمة الرابعة عشر والتاسعة والعشرون، ص (187،188،606)، المكتوبات، المكتوب الثامن والعشرون، ص (454)، الشعاعات، الشعاع التاسع، ص (327)، الملاحق، مطبوع ضمن سلسلة من كليات رسائل النور، ترجمة إحسان الصالحي، دار سوزلر للنشر، إسطنبول، ط1، 1992م، ملحق أمير داغ-2، ص (357).

[24] سعيد النورسي، الشعاعات، الشعاع التاسع، ص (327).

[25] انظر، سعيد النورسي، الملاحق، ملحق أمير داغ2، ص (357).

[26] انظر، سعيد النورسي، الكلمات، الكلمة التاسعة والعشرون، ص (606).

[27] سعيد النورسي، الكلمات، الكلمة التاسعة والعشرون، ص (606).

[28] سعيد النورسي، الكلمات، الكلمة الرابعة عشرة، ص (187).

[29] سعيد النورسي، المكتوبات، المكتوب الثامن والعشرون، ص (454-45).

[30] عن أبي هريرة رضي الله عنه: " أرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام فلما جاءه صكه ففقأ عينه"، أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب الأنبياء، باب وفاة موسى، رقم الحديث (3226)، (3/1250)، وأخرجه مسلم في الصحيح واللفظ له، كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى، رقم الحديث (2372)، (4/1842). وزيادة "ففقأ عينه في مسلم دون البخاري".

[31] انظر، سعيد النورسي، المكتوبات، المكتوب الثامن والعشرون، ص 451-455).

[32] سعيد النورسي، المكتوبات، المكتوب الثامن والعشرون، ص (453-455).

[33] انظر، ابن حجر، فتح الباري (6/442،443).

[34] ذكر المفسرون في تفسير نون والقلم رواية عن ابن عباس موقوفة عليه فيها ذكر الثور والحوت، انظر مثلا: الطبري، محمد ابن جرير، ت (310) هـ، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق أحمد شاكر، مؤسسة الرسالة، ط1، 2000م (23/521). وصححها الحاكم في المستدرك، انظر، الحاكم، محمد بن عبد الله النيسابوري، ت ( 405) هـ، المستدرك على الصحيحين، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1،1990م، كتاب التفسير، رقم الحديث (3840)، (2/540). وقد ذكر السيوطي روايات كثيرة بتفصيلات أخرى في هذا الموضوع، انظر، السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن، ت (911) هـ، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، دار الفكر، بيروت، 199م (8/241).

[35] سعيد النورسي، الكلمات، الكلمة الرابعة والعشرون، ص (389)، وانظر، سعيد النورسي، الشعاعات، الشعاع الخامس، ص (105)، وانظر، سعيد النورسي، الشعاعات، الشعاع الحادي عشر، ص (326).

[36] سعيد النورسي، اللمعات، اللمعة الرابعة عشرة، ص (138).

[37] سعيد النورسي، اللمعات، اللمعة الرابعة عشرة، ص (142).

[38] المصدر السابق، ص (140-142).


 

أرشيف ملف العدد

16 - العمل الإيجابي 2
. دور الفعل الايجابي في توجيه قانون التضاد لبناء عالم أفضل
. الجهاد الفكري وعلاقته بالعمل الإيجابي في رسائل النور
. الأبعاد الإيجابية لمفهوم الجهاد في ضوء رسائل النور
. غياب العمل الإيجابي أو تغييبه في حياة المسلمين المعاصرة
15 - الإيجابية والعمل الإيجابي في رسائل النور
. الأسس الشرعية لمنهج العمل الإيجابي البناء
. مصطلح الإيجابية في رسائل النور
. الإيجابية في مقاصد العبادات ودورها في بناء عالم أفضل...
. التوجيه الإيجابي للأحاديث النبوية في رسائل النور
. النظرة الإيجابية وأهميتها في تحصين الدعوة عند الأستاذ النورسي
14 - بعض قضايا الفكر الإسلامي في رسائل النور
. العمل بإيجابية الأسس والعوائق -دراسة في رسائل النور-
. الحداثة البديل عند بديع الزمان النورسي
. ثقافة البيئة في الفكر الإسلامي من خلال مدرسة بديع الزمان النورسي
. موقـف رسائل النـور من منهـج الفلاسـفة واللاهـوتيين والمتصـوفة في بحـث مسألة النبـوة
. العدالة بين حكمة القرآن وفلسفة الإنسان قراءة في التجربة الذوقية للحكيم النورسي
13 - الإنسان في رسائل النور وجودا، ومهمة، وغاية
. دور رسائل النور في استعادة صياغة القرآن للإنسان
. الإنسان في رسائل النور وجودا، ومهمة، وغاية
. مؤلّفات بديع الزمان أنموذجاً لتقديم الإسلام إلى الغرب
. نظام التربية في رسائل النور
. منهج وطريقة رسائل النور وغايتها
12 - مفاهيم وردت العناية بها في رسائل النور
. تحرير الحرية في رسائل النور
. مصطلح الإيمان في رسائل النور - دراسة مفاهيمية
. مفهوم البلاغة عند بديع الزمان سعيد النورسيّ
. الوحدة وتدبير الخلاف عند بديع الزمان سعيد النورسي
11 - وقفات مع بعض عناصر القوة المعنوية
. التزكية وتدبير الخلاف وأثرهما في وحدة الأمة عند سعيد النورسي
. العناصر الفكرية والفنية والنفسية في منهج الأستاذ النورسي في التفسير
. العمل الإيجابي ومنزلته في دعوة النور
. مقومات المجتمع الإنساني الآمن من منظور رسائل النور
. إحياء الأخلاق في الممارسة السلوكية عند النورسي
. مناهج التبليغ عند ورثة النبوة من منظور رسائل النور
10 - عنوان الملف: الأخلاق والوراثة
. المجاهدة والتوريث عند النورسي
. أواصر العناصر الكونية من منظور الأستاذ النورسي
. قاعـدة "الفنـاء في الإخـوان" في فكر بديـع الزمـان
9 - المقاصد في رسائل النور
. أساسيات منهج الفكر المقاصدي عند النورسي
. المقاصد القرآنية في فكر النورسي
. مقاصد القرآن من خلال رسائل النور
8 - أسرار العبرة والتعبير في رسائل النور
. منهج النورسى في شرح أسماء الله الحسنى
. نحو رؤية جديدة للدلالة النفسية لأسلوب التكرار في القرآن الكريم
. التاريخ عند بديع الزمان سعيد النورسي دراسة في التمثل والتفسير
. قواعد في تفسير القرآن عند النورسي من خلال إشارات الإعجاز
7 - النورسي والتصوف
. النورسى ورؤيته للتصوف المعاصر
. نظرات في الأدب الصوفي عند النورسي
. بديع الزمان سعيد النورسي والتصوف
. أهمية روحانية النورسي المتبصرة في عالم مادي متأزم
6 - دعوة رسائل النور
. دعوة رسائل النور: هل هي حركة؟ أم جمعية؟ أو جماعة؟
. المنهج العوفي وإعلاء كلمة الله عند بديع الزمان
. التبليغ والارشاد في رسائل النور
. العمل الإيجابي القاعدة الثابتة لعمر مديد
. المرأة الإصلاحية في فكر الشيخ النورسي
5 - الرؤية الحضارية في رسائل النور
. من الأسس الفكرية والحضارية في رسائل النور
. البعد العقدي لبنية الإنسان في فكر النورسي

النور للدراسات الحضارية والفكرية
 المركز الرئيسي:  

Kalendarhane Mah. Delikanli Sk. No: 6
Vefa 34134 Fatih - Istanbul / TURKIYE
 Phone: +90 212 527 81 81 - Fax: +90 212 527 80 80