مصطلح الإيجابية في رسائل النور

مصطلح الإيجابية في رسائل النور "دراسة وتحليل"

An Analytical Study of the Term ‘Positivism’ in the Risale-i Nur

ABSTRACT

Prof. Dr. Najib ‘Ali ‘Abdullah al-Sudi

Today the whole world witnesses crises, strife and unrest that affects all people regardless of their different languages, colors, sects, beliefs or nationalities. People have two different reactions to these problems:

Some of them would start blaming others for their suffering and for hardships they face in life, looking for other people's mistakes and pointing a finger at every shortcoming they might notice, justifying their deeds by accusing others of following false approaches and doing corruption. All they can do is make destructive comments and resort to blaming. If they were to see someone drowning, they would blame him for throwing himself in the water without learning how to swim first. How easy it is to blame, be destructive, criticize, and philosophize; while how difficult it is to act in a constructive manner.

However, there are another kind of people who excel in their behavior. They think deeply about their reality, understand its problems and find solutions for them. With a clear vision and a careful plan of action, they work hard to save themselves and their societies from destruction. Their work is calm. Their aim is clear. They work hard because of their love to do what they do without demeaning others or indulging in their hostility.

History keeps their names and records of their deeds on pages of glory, because they carry light to people in order to guide their steps out of the darkness of ignorance, intolerance, hatred, despair and injustice into the light of knowledge, endurance, love, hope and justice. The above mentioned traits describe the carriers of light (Nur) who are Nur students. By their hands they carry torches of light. They work silently without noise. Their aim is to establish a better world for humanity, and they are active and ambitious. Their ultimate wish is to be among the winners in Paradise and to avoid hell fire. They work for the happiness of mankind. Their path is simple and clear. Their deeds prove their words, and whoever accompanies them is pleased. Their guide is the Risale-i Nur and their leader is Nursi, the reformer of his time.

He drew their path and prescribed their duties in his messages to them named (Risale-i Nur). So, what is this mission? What is its fundamental concept? And what are the requirements?

This research looks for answers to these questions from the Risale-i Nur; exploring the reasons behind it and the desired results for all humanity. I ask God to help me in doing so and to make this research of benefit. God is capable of everything.

* * *

ملخص البحث

أ. د. نجيب علي عبد الله السودي[1]

نعيش اليوم -ويعيش العالم كله- أزمات وفتن وقلاقل تقض مضاجع الجميع على اختلاف ألسنتنا وألواننا وأجناسنا ودياناتنا وأوطاننا، وينقسم الناس أمام هذه الفتن والقلاقل على قسمين:

قسم يبدأ باللوم وتحميل الآخر تبعات ما يعانيه وما يعيشه، ويدور في فلك الهجوم على الآخر ولومه، والبحث عن سقطاته وهفواته وبيان فساد مذهبه وأفعاله، لا تسمع منه إلا ضجيجا ونقدا هداما، ولا تجد منه إلا يأسا وقنوطا، يرى الغريق يوشك على الغرق وليس لديه إلا اللوم لماذا نزل وهو لا يجيد السباحة، وما أسهل اللوم، وما أيسر الهدم، وما أبسط الانتقاد والتنظير والتفلسف والضجيج، وما أصعب العمل، وما أرهق البناء وذلك لا يجيده إلا قسم آخر.

قسم يتأمل الواقع ويشخص داءه ويبحث عن الدواء لهذا الداء، ويعمل على إخراج نفسه ومجتمعه من دائرة الفتنة ومربع الهلاك وفق رؤية واضحة وخطة مدروسة، يعمل بصمت دون ضجيج أو بلبلة، مقصده واضح، وغايته محددة، يعمل بمقتضى محبته لمسلكه فحسب، من دون أن يرد إلى تفكيره أو يتدخل في علمه عداء الأخرين أو التهوين من شأنهم بل لا ينشغل بهم أصلا.

هذا الصنف من البشر هم من يدون التاريخ أسماءهم وأفعالهم في صفحات من نور، لأنهم يحملون النور في أيديهم ليخرجوا به الناس من الظلمات إلى النور، من ظلمات الجهل إلى نور العلم، من ظلمات التعصب إلى نور التسامح، من ظلمات الكراهية إلى نور المحبة، من ظلمات اليأس إلى نور الأمل، من ظلمات الظلم إلى نور العدل. هؤلاء هم حملة النور، وهؤلاء هم طلابه الذين يحملون في أيديهم مشاعل النور، يعملون بصمت دون ضجيج، يعملون من أجل البناء، بناء عالم أفضل للإنسانية، حركتهم دؤوبة، همتهم عالية، رغبتهم الفوز بالجنة والنجاة من النار، هدفهم إسعاد البشرية، منهجهم واضح للعيان، سلوكهم لعلمهم ترجمان، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم، أستاذهم في ذلك رسائل النور، ورائدهم مجدد عصره وبديع زمانه سعيد النورسي -رحمه الله-.

رسم لهم منهجهم، وحدد لهم وظيفتهم بكل وضوح في رسائله لهم المسماة "كليات رسائل النور" فيا ترى ما هي هذه الوظيفة؟ وما مفهومها؟ وما هي متطلباتها؟

يأتي هذا البحث ليقف مليا أمام رسائل النور محاولا استجلاء هذه الوظيفة السامية التي خطها الأستاذ، باحثا عن مفهومها، ومتطلباتها، والأسباب الداعية للقيام بها، والنتائج المرجوة منها على واقع البشرية جمعاء. أسأل الله أن يوفقني إلى القيام به، والإفادة منه وبه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

* * *

1. وظيفة طالب النور:

قال الأستاذ بديع الزمان النورسي: "إخواني الأعزاء:

إن وظيفتنا هي العمل الإيجابي البنّاء وليس السعي للعمل السلبي الهدام، والقيام بالخدمة الإيمانية ضمن نطاق الرضى الإلهي دون التدخل بما هو موكول أمره إلى الله. إننا مكلفون بالتجمل بالصبر والتقلد بالشكر تجاه كل ضيق ومشقة تواجهنا وذلك بالقيام بالخدمة الإيمانية البناءة التي تثمر الحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي."[2]

بهذه الكلمات ود"ع الأستاذ طلابه في درسه الأخير الذي ألقاه عليهم قبل وفاته رحمه الله، راسما لهم خارطة الطريق التي يجب أن يسيروا عليها بعد وفاته، محددا لهم وظيفتهم التي يجب أن يعملوا من أجلها ويفنوا حياتهم في سبيلها.

هذه الوظيفة التي عاش بها ولها الأستاذ طيلة حياته متحملا في سبيلها أصناف البلاء، متجملا بالصبر متقلدا الشكر، ضاربا بذلك أروع الأمثلة في السير على خطى الأنبياء في العمل الإيجابي البناء جاعلا من نفسه رحمه الله مثالا لطلابه قائلا لهم: "أقول متخذًا من نفسي مثالاً :إنني لم أنحن تجاه التحكم والتسلط منذ القدم. وهذا ثابت بكثير من الحوادث، فمثلاً: عدم قيامي للقائد العام الروسي، وكما أنني لم أعر أية أهمية على أسئلة الباشوات في ديوان المحكمة العسكرية العرفية الذي كان يهددني بالشنق والإعدام. وطوري هذا تجاه القواد الأربعة تُبين عدم قبولي للتحكم والتسلط، إلا أنني قابلت المعاملات الشائنة بحقي منذ ثلاثين سنة الأخيرة بالرضى والقبول، ذلك من أجل السعي للعمل الإيجابي والاجتناب عن السعي للعمل السلبي لأجل ألاّ أتدخل بما هو موكول أمره إلى الله. بل قابلتها بالرضى والصبر الجميل اقتداءً بنبي الله جرجيس عليه السلام، وبالصحب الكرام الذين قاسوا كثيراً في غزوة بدر وغزوة أحد."[3]

"علماً أن بديع الزمان لم يتحرك حركة منافية للنظام والأمن طوال حياته بل كان رائده دوماً الحركة الإيجابية البناءة قائلاً لا يجوز إضرار مئات من الناس بجريرة أفراد قلائل. ولهذا لم تحدث حادثة ولو واحدة رغم جميع المظالم التي نزلت به وبطلابه. بل كان يحث دوماً طلابه على الصبر والثبات والاستمرار في العمل للإيمان وعدم القيام بأي عمل تخريبي."[4] وفي سبيل القيام بالعمل الإيجابي البناء فقد تحمل الأستاذ معارضات معارضيه لوحده، ولم يفتر ولم يلن ويعلنها صريحة أنه من أجل سعيه للعمل الإيجابي البناء سيتحمل جميع المظالم والاهانات والإثارات، ولذلك نجده يقول: "إنني قد تحملت وحدي المعارضات كافة، ولم أفتر مقدار ذرة قط. ووفّقت في تلك الخدمة الإيمانية بإذن الله. فالآن رغم وجود ملايين من طلبة النور، فإنني أسعى بالعمل الايجابي وأتحمل جميع مظالمهم وإهاناتهم وإثاراتهم."[5]

ويذهب إلى أبعد من ذلك، ويعلنها للعالم كله أنه مستعد لأن يضحي بكل ما يملك في سبيل هذا العمل، ولقد كان رحمه الله صريحا وواضحا في هذه المسألة، وكان ثابتا ثبات الجبال الرواسي، فنجده يعلن بكل وضوح وصراحة، ويقول: "ألا فلتعلموا جيداً بأنه لو كان لي من الرؤوس بعدد ما في رأسي من الشعر، وفُصل كل يوم واحد منها عن جسدي، فلن احني هذا الرأس الذي نذرته للحقائق القرآنية أمام الزندقة والكفر المطلق، ولن أتخلى بحال من الأحوال عن هذه الخدمة الإيمانية النورية، ولا يسعني التخلي عنها."[6]

ويقول في موضع آخر: "فلا محيد عن العمل الإيجابي البناء وحده، إذ في يدنا نور وليس صولجان السياسة. وحتى لو كانت لنا مائة من الأيدي لكانت تكفي للنور. وإن أساس مسلكنا الإخلاص وابتغاء مرضاة الله وحده، وهذا هو مصدر قوة النور. فالعناية الإلهية تحمي خدمتنا ما دمنا مخلصين نعمل عملاً إيجابياً بناءً".[7]

وبقي إلى آخر عمره وهو يذكر طلابه ويوصيهم بالاستمرار في العمل الإيجابي البناء، ورغم كل الصعاب التي عاناها كان محبو الأستاذ يتقاطرون إلى زيارته ولا يوفّق منهم بالزيارة الاّ القليل، لشدة الترصد. وكان يتجاذب معهم الحديث حسب مستواهم الفكري والثقافي حيث كان الزائرون من طبقات الشعب كافة.. فكان حديثه مجملاً حول "أهمية الإيمان في الوقت الحاضر وأن القصد الأساس لرسائل النور تقوية الإيمان وصد الإلحاد الذي يهدد الأمة والوطن، وإن أهم قضية في الوقت الحاضر إنقاذ الإيمان وتقويته بالاعتصام بالقرآن الكريم. ورسائل النور تحصر نظرها في هذا المقصد. ولهذا يتكالب عليها الأعداء من الملحدين ويختلقون الافتراءات الظالمة والإشاعات المغرضة، فلا محيد عن العمل الإيجابي البناء وحده، إذ في يدنا نور وليس صولجان السياسة. وحتى لو كانت لنا مائة من الأيدي لكانت تكفي للنور. وإن أساس مسلكنا الإخلاص وابتغاء مرضاة الله وحده، وهذا هو مصدر قوة النور. فالعناية الإلهية تحمي خدمتنا ما دمنا مخلصين نعمل عملاً إيجابياً بناءً."[8]

إن كل هذا الحرص من الأستاذ على التزام طلاب النور بالعمل الإيجابي البناء في حياتهم وخدمتهم الإيمانية ليسوقنا سوقا إلى التوقف أمام هذا المصطلح لمعرفة دلالته ومعناه كما خطه الاستاذ رحمه الله في كليات رسائل النور.

2. مصطلح العمل الإيجابي البناء:

يعرف الأستاذ العمل الإيجابي البناء تعريفا دقيقا ومحددا، فيقول في: "العمل الإيجابي البنّاء: وهو عمل المرء بمقتضى محبته لمسلكه فحسب، من دون أن يرد إلى تفكيره، أو يتدخل في علمه عداء الآخرين أو التهوين من شأنهم، أي لا ينشغل بهم أصلاً".[9]

والمتأمل في هذا التعريف يجد أنه يسوقنا إلى معرفة معنى العمل، فالأستاذ رحمه الله يفرق بين الفعل والعمل، وهذا ما نجده في كتب اللغة كذلك، يقول الراغب الأصفهاني: "العَمَلُ: كلّ فعل يكون من الحيوان بقصد، فهو أخصّ من الفعل؛ لأنّ الفعل قد ينسب إلى الحيوانات التي يقع منها فعل بغير قصد، وقد ينسب إلى الجمادات، والعَمَلُ قلّما ينسب إلى ذلك، ولم يستعمل العَمَلُ في الحيوانات".[10]

وقال أبو هلال العسكري: "الفرق بين الفعل والعمل: أن العمل إيجاد الأثر في الشيء يقال فلان يعمل الطين خزفا ويعمل الخوص زنبيلا والأديم سقاء ولا يقال يفعل ذلك لأن فعل ذلك الشيء هو إيجاده على ما ذكرناه".

وقيل: "العمل هو عبارة عن إيجاد الأثر في الشيء ببطء مع امتداد زمان".[11]

وخلاصة الكلام في هذا هو:

أن العمل إيجاد الأثر في الشيء، ويطلق على الآثار المعمولة في الشيء. والفعل هو إيجاد الشيء نفسه.

1. أن العمل شيء مستمر دؤوب، ولا يقال للفعل الواحد المنقضي مرة واحدة: عمل.

2. أن العمل يعم كل ما يصدر عن الذات من فعل وانفعال، والفعل قسيم الانفعال في الحقيقة.

3. أن العمل لا يكون إلا بقصد، والفعل قد يكون بدون قصد كفعل البهائم، ولا يقال: عمل البهائم.

والمتتبع لحياة الأستاذ رحمه الله ولحياة طلاب النور يلمس جليا أنهم يسعون إلى إنقاذ الناس وإنقاذ إيمانهم، والحفاظ على الأمن الداخلي والاستقرار الاجتماعي، وكليات رسائل النور مليئة بالشواهد، ولن نطيل الحديث في هذا الباب لأنه ليس مجاله ولا مكانه، لكن يكفينا أن نعرف أن الأستاذ كان ينطلق هو ومعه طلابه في عملهم قاصدين وجه الله، وكان عملهم مستمرا ودؤوبا.

1. الإيجابية في رسائل النور:

كانت العمل الإيجابي هو ديدن الأستاذ في كل تصرفاته وأقواله وأفعاله، والمتتبع لرسائل النور يجد ذلك واضحا في تقسيمه للأمور والقضايا، فنجده يوضح متى يكون الأمر إيجابيا ومتى يكون سلبيا، ليبين لطلاب النور المسلك الإيجابي من المسلك السلبي في أي أمر يواجههم في حياتهم، ونأخذ على ذلك الأمثلة الآتية:

- العدالة الإيجابية والعدالة السلبية:

قال الأستاذ مبينا الفرق بين العدالة الإيجابية والعدالة السلبية: "نعم، إن العدالة شقان أحدهما إيجابي، والآخر سلبي.

أما الإيجابي فهو: إعطاء كل ذي حق حقه. فهذا القسم من العدالة محيط وشامل لكل ما في هذه الدنيا لدرجة البداهة. فكما أثبتنا في "الحقيقة الثالثة" بأن ما يطلبه كل شيء وما هو ضروري لوجوده وإدامة حياته التي يطلبها بلسان استعداده وبلغة حاجاته الفطرية وبلسان اضطراره من الفاطر ذي الجلال يأتيه بميزان خاص دقيق، وبمعايير ومقاييس معينة، أي أن هذا القسم من العدالة ظاهر ظهور الوجود والحياة.

أما القسم السلبي فهو: تأديب غير المحقين، أي إحقاق الحق بإنزال الجزاء والعذاب عليهم. فهذا القسم وإن كان لا يظهر بجلاء في هذه الدنيا إلا أن هنالك إشارات وأمارات تدل على هذه الحقيقة. خذ مثلاً سوطَ العذاب وصفعات التأديب التي نزلت بقوم عاد وثمود بل بالأقوام المتمردة في عصرنا هذا، مما يظهر للحدس القطعي هيمنة العدالة السامية وسيادتها."[12]

- جهة الإنسان الإيجابية وجهته السلبية:

حدد الأستاذ جهتي الإنسان بقوله: "نعم، أيها الإنسانُ! إنّ فيك جهتين:

الأولى: جهةُ الإيجاد والوجودِ والخير والإيجابية والفعل.

والأخرى: جهةُ التخريب والعدم والشر والسلبية والانفعال.

فعلى اعتبار الجهة الأولى "جهة الإيجاد" فإنك أقلُّ شأناً من النحلة والعصفور وأضعفُ من الذبابة والعنكبوت. أما على اعتبار الجهة الثانية "جهة التخريب" فباستطاعتك أن تتجاوز الأرضَ والجبال والسموات، وبوسعِكَ أن تحمل على عاتقك ما أشفقن منه فتكسبَ دائرةً أوسعَ ومجالاً أفسح؛ لأنك عندما تقوم بالخير والإيجاد فإنك تعمل على سعةِ طاقتك وبقدر جهدك وبمدى قوتك، أما إذا قمتَ بالإساءةِ والتخريب، فإن إساءتكَ تتجاوز وتستشري، وإن تخريبَك يعم وينتشر."[13]

- أسس مدنية القرآن الكريم الإيجابية وأسس المدنية الحاضرة السلبية:

يبين الأستاذ الفرق بين أسس بناء القرآن الكريم للمدنية، والأسس التي تقوم عليها المدنية الحاضرة في اللوامع ص 855 فيقول: "إن أسس المدنية الحاضرة سلبية، وهي أسس خمسة، تدور عليها رحاها:

فنقطة استنادها: القوة بدل الحق، وشأن القوة الاعتداء والتجاوز والتعرض، ومن هذا تنشأ الخيانة.

هدفها وقصدها: منفعة خسيسة بدل الفضيلة، وشأن المنفعة: التزاحم والتخاصم، ومن هذا تنشأ الجناية.

دستورها في الحياة: الجدال والخصام بدل التعاون، وشأن الخصام: التنازع والتدافع، ومن هذا تنشأ السفالة.

رابطتها الأساس بين الناس: العنصرية التي تنمو على حساب غيرها، وتتقوى بابتلاع الآخرين وشأن القومية السلبية والعنصرية: التصادم المريع، وهو المشاهد. ومن هذا ينشأ الدمار والهلاك.

وخامستها: هي أن خدمتها الجذابة، تشجيع الأهواء والنوازع، وتذليل العقبات أمامهما، وإشباع الشهوات والرغبات. وشأن الأهواء والنوازع دائماً: مسخ الإنسان، وتغيير سيرته، فتتغير بدورها الإنسانية وتمسخ مسخاً معنوياً.

أما أسس مدنية القرآن الكريم، فهي إيجابية تدور سعادتها على خمسة أسس إيجابية:

نقطة استنادها: الحق بدل القوة، ومن شأن الحق دائماً: العدالة والتوازن. ومن هذا ينشأ السلام ويزول الشقاء.

وهدفها: الفضيلة بدل المنفعة، وشأن الفضيلة: المحبة والتقارب، ومن هذا تنشأ السعادة وتزول العداوة.

دستورها في الحياة: التعاون بدل الخصام والقتال، وشأن هذا الدستور: الاتحاد والتساند اللذان تحيا بهما الجماعات.

وخدمتها للمجتمع: بالهدى بدل الأهواء والنوازع، وشأن الهدى: الارتقاء بالإنسان ورفاهه إلى ما يليق به مع تنوير الروح ومدّها بما يلزم.

رابطتها بين المجموعات البشرية: رابطة الدين والانتساب الوطني وعلاقة الصنف والمهنة وأخوة الإيمان. وشأن هذه الرابطة: أخوة خالصة، وطرد العنصرية والقومية السلبية.

وبهذه المدنية يعم السلام الشامل، إذ هو في موقف الدفاع ضد أي عدوان خارجي."

- العمل الصالح الإيجابي والعمل الصالح السلبي:

يوضح الأستاذ أن العمل الصالح قد يظهر لنا بإحدى صورتين، فقال: "إن العمل الصالح نوعان:

أحدهما: إيجابي واختياري.

والآخر: سلبي واضطراري. فالآلام والمصائب كلها اعمال صالحة سلبية اضطرارية، كما ورد في الحديث الشريف وفيه سلواننا وعزاؤنا."[14]

- الحب الإيجابي والحب السلبي:

يبيّن الأستاذ الفرق بين الحب الإيجابي والحب السلبي في سياق ما كتبه عن حب آل البيت قائلا: "إن الحب قسمان:

أحدهما: حب (بالمعنى الحرفي) وهو حب عليّ والحسن والحسين وآل البيت محبة لله وللرسول وفي سبيلهما. فهذا الحب يزيد حب الرسول صلى الله عليه وسلم ويكون وسيلة لحب الله عز وجل فهذا الحب مشروع، لا يضر إفراطُه، لأنه لا يتجاوز الحدود ولا يستدعي ذم الغير وعداوته.

وثانيهما: حب (بالمعنى الاسمي) وهو حبهم حباً ذاتياً، ولأجلهم، أي حب عليّ من أجل شجاعته وكماله، وحب الحسن والحسين من أجل فضائلهما ومزاياهما الكاملة فحسب، من غير تذكّر للنبي صلى الله عليه وسلم، حتى أن منهم من يحبهم ولو لم يعرف الله ورسوله. فهذا الحب لا يكون وسيلةً لحب الله ورسوله. وإذا ما كان في هذا الحب إفراط فإنه سيفضي إلى ذم الغير وعداوته.

وهكذا أفرط منهم -كما ذكر في الحديث الشريف- في الحب لعليّ وتبرأوا من أبي بكر وعمر، فوقعوا في خسارة عظيمة. فكان هذا الحب السلبي -غير الايجابي- سبباً لخسارتهم".[15]

- الاختلاف الإيجابي والاختلاف السلبي:

ذكر الأستاذ معرض بيان الفرق بين الاختلاف الإيجابي والاختلاف السلبي ما ينتفع به في الدراسة التفصيلية لمصطلح الإيجابية، فقال: "إن الاختلاف الوارد في الحديث هو الاختلاف الإيجابي البنّاء المثبت. ومعناه: أن يسعى كل واحد لترويج مسلكه وإظهار صحة وجهته وصواب نظرته، دون أن يحاول هدم مسالك الآخرين أو الطعن في وجهة نظرهم وإبطال مسلكهم، بل يكون سعيه لإكمال النقص ورأب الصدع والإصلاح ما استطاع إليه سبيلاً. أما الاختلاف السلبي فهو محاولة كل واحد تخريب مسلك الآخرين وهدمه، ومبعثه الحقد والضغينة والعداوة، وهذا النوع من الاختلاف مردود أصلاً في نظر الحديث، حيث المتنازعون والمختلفون يعجزون عن القيام بأي عمل إيجابي بناء."[16]

- القومية الإيجابية والقومية السلبية:

كتب الأستاذ عن الفكر القومي الذي ظهر، وعن تأثيره في واقع الأمة، ثم يبين بوضوح الجوانب الإيجابية في القومية والسلبية كذلك، فذكر في المكتوب السادس والعشرون: "ولكن القومية نفسها على قسمين:

قسم منها سلبي مشؤوم مضر، يتربى وينمو بابتلاع الآخرين ويدوم بعداوة من سواه، ويتصرف بحذر. وهذا يولد المخاصمة والنزاع.

أما القومية الإيجابية فنابعة من حاجة داخلية للحياة الاجتماعية، وهي سبب للتعاون والتساند، وتحقق قوة نافعة للمجتمع، وتكون وسيلة لإسناد أكثر للأخوة الإسلامية.

هذا الفكر الإيجابي القومي، ينبغي أن يكون خادماً للإسلام، وأن يكون قلعة حصينة له، وسوراً منيعاً حوله، لا أن يحل محل الإسلام، ولا بديلاً عنه".[17]

- الحركة الإيجابية والحركة السلبية:

كانت حياة الأستاذ مبنية على الحركة الإيجابية في مواجهة الصعاب، لكنه يذكر في المكتوب التاسع والعشرون أن دفع الموانع قد يسوق المرء إلى الحركة السلبية، فقال: "نحن لا نتحرك في خدمتنا المقدسة إلاّ حركة إيجابية، ولكن دفع الموانع التي تعيق كل أمر من أمور الخير، يسوقنا أحياناً إلى حركة سلبية مع الأسف."[18]

- النتيجة الإيجابية والنتيجة السلبية:

وما زال الأستاذ يدل طلاب النور على التمييز بين ما هو إيجابي وما هو سلبي حتى على مستوى المنطق، فنجده يقول في اللمعة الحادية عشرة: "ويرد مثالا للنتيجة الايجابية: طلعت الشمس فالنهار اذاً موجود. ويرد مثالا للنتيجة السلبية: لا نهار فالشمس اذاً لم تطلع. فهاتان النتيجتان -الايجابية والسلبية- ثابتتان وقاطعتان في المنطق".[19]

- العبادة الإيجابية والعبادة السلبية:

يذكر الأستاذ في اللمعة الخامسة والعشرون في معرض حديثه عن أدوية البلاء والمصائب أن العبادة تنقسم إلى قسمين فيقول: "ذلك لأن العبادة قسمان:

الأولى: العبادة الإيجابية المتجسّدة في إقامة الصلاة والدعاء وأمثالها.

الثانية: العبادة السلبية التي يتضرع فيها المصاب ملتجأً إلى خالقه الرحيم مستجيراً به متوسلاً إليه، منطلقاً من أحاسيسه التي تُشعره بعجزه وضعفه أمام تلك الأمراض والمصائب. فينال بذلك التضرع عبادةً معنوية خالصة متجردة من كل أنواع الرياء."[20]

- الرغبات الإيجابية والرغبات السلبية :

يتحدث الأستاذ في الشعاع الثاني عن ثمرات التوحيد، ويذكر أن من ثمرات التوحيد أن يصبح الإنسان صاحب كمال عظيم بين المخلوقات، ويبين سبب ذلك ذاكرا أن في الإنسان رغبات إيجابية ورغبات سلبية لا يحققها له إلا من بيده مقاليد الأمور: "ففي الانسان الوف من الرغبات الايجابية والسلبية امثال هذه الرغبة، رغبة البقاء. تلك الرغبات ممتدة الى جهة الابد والخلود ومنتشرة في اقطار العالم كله. فالذي يُطمئن هذه الرغبات ويضمد جرحي الانسان الغائرين، العجز والفقر، ليس الاّ الواحد الأحد الذي بيده مقاليد كل شيء".[21]

- الشعور القومي الإيجابي والشعور القومي السلبي:

يتحدث الأستاذ رحمه الله عن نمو الشعور القومي لدى الإنسان، ويميز بين النمو الإيجابي المطلوب، والنمو السلبي المرفوض، فيقول في السانحات: "فنمو الشعور القومي في الشخص إما أن يكون إيجابياً أو سلبياً:

فالإيجابي ينتعش بنمو الشفقة على بني الجنس التي تدفع إلى التعاون والتعارف.

أما السلبي فهو الذي ينشأ من الحرص على العرق والجنس الذي يسبب التناكر والتعاند. والإسلام يرفض هذا الأخير."[22]

- التيار الإيجابي والتيار السلبي:

يتحدث الأستاذ عن السياسة الحاضرة القادمة من أوروبا، وتأثيرها في إيجاد تيارين قادمين، فيقول في السانحات: "فمادام المنبع في أوروبا فالتيار القادم إما سيكون تياراً سلبياً أو إيجابياً:

فالذين يتبعون السلبي هم كالحرف الذي يعرّف "دلّ على معنى في نفس غيره، أو لا يدل على معنى في نفسه" بمعنى أن جميع أفعاله ستكون لصالح الخارج مباشرة. لأن إرادته لا حكم لها. فلا تنفعه النية الخالصة. ولاسيما التيار سلبي فيكون أداة لا تعقل للخارج بضعف من جهتين.

أما التيار الآخر الإيجابي فيلبس لبوس التأييد والموافقة من الداخل، فهو كالاسم الذي يعرّف "دلّ على معنى في نفسه". فأفعاله لنفسه، ولكن ما يترتب عليها للخارج. إلاّ أنه لا يؤاخذ عليه لأن لازم المذهب ليس مذهباً. ولا سيما إذا انضم بجهتين إلى الإيجابي والضعيف في التيار الخارجي، فيمكن أن يجعل الخارجَ أداةً له لا تشعر."[23]

- الأمور الإيجابية والأمور السلبية:

يصنف الأستاذ الأمور كما هي عادته إلى إيجابية وسلبية، ويميز بينها ويضرب على ذلك أمثلة لتتضح لطلاب النور فيكون مسلكهم الأمور الإيجابية، ويبتعدون عن الأمور السلبية، فيقول رحمه الله: "بينما الحقيقة هي وجوب توزيع الأمور الإيجابية والحسنات والأفضال على الجماعة وعلى الجيش، أما الأمور السلبية والتقصيرات والتخريبات فيجب توجيهها إلى القيادة وإلى الرأس المدبر وإلى الممسك بزمام الأمور. ذلك لأن وجود أي شيء لا يتحقق إلا بتحقق جميع شرائطه وأركان وجوده، والقائد هنا شرط واحد فقط من هذه الشروط. أما انتفاء أي شيء وفساده فيكفي له عدم وجود شرط واحد أو فساد ركن واحد فقط. لذا يمكن عزو ذلك الفساد إلى الرأس المدبر وإلى الرئيس".[24]

مرتكزات العمل الإيجابي:

يحدد الأستاذ رحمه الله مرتكزات معينة يقوم عليها العمل الإيجابي البناء، يجب على طالب النور الالتزام بها بل والحرص عليها، وتتمثل في الآتي:

- الإخلاص:

ينادي الاستاذ إخوانه وطلابه بأعلى صوته، مبينا لهم أهمية الإخلاص ويقول لهم في اللمعة الحادية والعشرون: "يا أخوة الآخرة! ويا أصحابي في خدمة القرآن: اعلموا -وأنتم تعلمون- أن الإخلاص في الأعمال ولا سيما الأخروية منها، هو أهم أساس، وأعظم قوة، وأرجى شفيع، وأثبت مرتكز، وأقصر طريق للحقيقة، وأبرّ دعاء معنوي، وأكرم وسيلة للمقاصد، وأسمى خصلة، وأصفى عبودية."[25]

ويكرر مناداته لهم مرة أخرى، دالا لهم على الأمور المهمة والدروب العظيمة، ناصحا لهم بالاستناد إلى الإخلاص، واجتناب ما يقدح فيه، وعدم الوثوق بالنفس الأمارة، قائلا: "فيا أخوتي! إن الأمور المهمة للخير والدروب العظيمة للصلاح، تعترضها موانع وعقبات مضرة كثيرة. فالشياطين يكدون أنفسهم ويجهدونها مع خدام تلك الدعوة المقدسة، لذا ينبغي الاستناد إلى الإخلاص والاطمئنان إليه، لدفع تلك الموانع وصد تلك الشياطين. فاجتنبوا -يا أخوتي- الأسباب التي تقدح بالإخلاص وتثلمه كما تجتنبون العقارب والحيات. فلا وثوق بالنفس الأمارة ولا اعتماد عليها قط."[26]

وغيرها الكثير من النصوص والرسائل التي كتبها الأستاذ لطلابه يأمرهم فيها بالإخلاص في العمل، وعدم النظر في النتائج، ومن يرد أن يستزيد في هذا الموضوع فعليه بالرسائل ففيها بغيته.

- الإيمان:

يوضح الأستاذ رحمه الله أن الدين لا يقوم على جزء واحد هو العمل أو الإيمان بل لابد من وجود الأمرين معا ليكتمل للمرء دينه، ويبين أن رسائل النور تقوم بهذه المهمة، فيقول في الشعاع الثاني عشر ص338: "إن الدين ليس عبارة عن الإيمان فقط، بل العمل الصالح أيضاً هو الجزء الثاني من الدين، فهل يكفي الخوف من السجن أو من شرطة الحكومة لكي يبتعد مقترفو الكبائر عن الجرائم التي تسمم الحياة الاجتماعية كالقتل والزنا والسرقة والقمار ويمتنعوا عنها؟ إذن يستلزم أن نخصص لكل شخص شرطياً مراقباً لكي ترتدع النفوس اللاهية عن غيها وتبتعد عن هذه القذارات. ورسائل النور تضع مع كل شخص في كل وقت رقيباً معنوياً من جهة العمل الصالح ومن جهة الايمان، وعندما يتذكر الانسان سجن جهنم والغضب الإلهي فانه يستطيع تجنب السوء والمعصية بسهولة."

ويقول في تقرير هذه المعاني: "اعلم! أن الأهم الألزم بعد علوم الإيمان، إنما هو العمل الصالح؛ إذ القرآن الحكيم يقول على الدوام: (الذينَ آمنوا وعملوا الصالحات)."[27]

- التقوى:

يخاطب الأستاذ إخوانه الأوفياء قائلا: "اخوتي الاعزاء الاوفياء! لقد فكرت -في هذه الايام- في أسس التقوى والعمل الصالح، اللذين هما اعظم اساسين في نظر القرآن الكريم بعد الايمان."[28]

ثم يعرف لهم التقوى والعمل الصالح فيقول: "فالتقوى: هي ترك المحظور والاجتناب عن الذنوب والسيئات. والعمل الصالح: هو فعل المأمور لكسب الخيرات."[29]

و يذكر لهم رحمه الله أن التقوى من أهم الاسس التي يجب على طالب النور الارتكاز عليها إذا ما أراد النجاة، فيقول: "إن أهم وظيفة تقع على عاتق طلاب النور خدام القرآن الكريم، في هذا الوقت هي:

اتخاذ التقوى أساساً في الأعمال كلها، ثم التحرك وفقها أمام تيار الدمار الرهيب المهاجم والآثام المحيطة بهم، إذ يواجه الإنسان ضمن أنماط الحياة الاجتماعية الحاضرة مئات من الخطايا في كل دقيقة، فالتقوى هي التي تجعل -دون ريب- الإنسان كأنه يقوم بمئات من الأعمال الصالحة، وذلك باجتنابه تلك المحرمات."[30]

- التكمل بالعلم:

من أهم مرتكزات العمل الإيجابي البناء أن يعمل الإنسان على علم، ولذلك نجد الأستاذ يشير إلى أن وظيفة الإنسان الفطرية هي التكمل بالتعلم فيقول في الكلمة الثالثة والعشرين ما نصه: "إن وظيفة الإنسان الفطرية إنما هي التكمل "بالتعلم" أي الترقي عن طريق كسب العلم والمعرفة، والعبودية "بالدعاء".[31]

مظاهر العمل الإيجابي البناء:

للعمل الإيجابي مظاهر يظهر من خلالها، وقد كان الأستاذ رحمه الله حريصا كل الحرص على بيان هذه المظاهر لطلابه حتى يلتزموا بها ففرق شاسع بين التنظير والتطبيق، والأستاذ يركز على مسألة التطبيق العملي في حياة طالب النور، والالتزام بكل مظاهر العمل الايجابي البناء، والتي يمكننا ابرازها من خلال رسائل النور على النحو الآتي:

- حصر مقصد العمل في انقاذ الايمان:

يحصر الأستاذ مقصد طالب النور في انقاذ الإيمان، نجد ذلك مذكورا في السيرة الذاتية حيث يقول رحمه الله: "إن القصد الأساس لرسائل النور تقوية الإيمان وصد الإلحاد الذي يهدد الأمة والوطن، وإن أهم قضية في الوقت الحاضر إنقاذ الإيمان وتقويته بالاعتصام بالقرآن الكريم. ورسائل النور تحصر نظرها في هذا المقصد. ولهذا يتكالب عليها الأعداء من الملحدين ويختلقون الافتراءات الظالمة والإشاعات المغرضة، فلا محيد عن العمل الإيجابي البناء وحده، إذ في يدنا نور وليس صولجان السياسة. وحتى لو كانت لنا مائة من الأيدي لكانت تكفي للنور."[32]

- التعاون والانخراط في الحياة الاجتماعية:

من المظاهر الأساسية للعمل الايجابي البناء أن طالب النور ينخرط في الحياة الاجتماعية ويكون جزء من المجتمع ويسير وفق قانون التعاون، ينادي الاستاذ طلابه إلى ضرورة ذلك ضاربا لهم الأمثلة قائلا: "إنكم يا إخوتي بمثابة مولدات الكهرباء التي تمدّ الضوء إلى بلد عظيم وليس إلى اسپارطة وحدها، فدواليب الماكينة مضطرة إلى التعاون فيما بينها. فإن كلاً من تلك الدواليب -ناهيك عن الغيرة والاستياء- تجد الراحة مما تكسبه من القوة الفائقة التي تمتلكها الدواليب الأخرى حيث انها تخفف عنه عبء الوظيفة."[33]

ويذكر لهم أن الأنسان بحاجة ماسة إلى التعاون فيقول في الكلمة الثالثة والعشرون ص 354: "أما الانسانُ فعلى العكس من ذلك تماماً، فهو عندما يَقِدم الى الدنيا يقدِمُها وهو محتاجٌ الى تعلّم كل شئ وادراكه؛ اذ هو جاهلٌ بقوانين الحياة كافة جهلاً مطبقاً، حتى إنه قد لا يستوعب شرائطَ حياته خلال عشرين سنة. بل قد يبقى محتاجاً الى التعلم والتفهم مدى عمره. فضلاً عن أنه يُبعث الى الحياة وهو في غاية الضَعف والعَجز حتى إنه لا يتمكن من القيام منتصباً الاّ بعد سنتين من عمره، ولا يكاد يميّز النفَع من الضرّ الا بعد خمس عشرة سنة، ولا يمكنه أن يحقّق لنفسه منافع حياته ومصالحها ولا دفـع الضرر عنها إلاّ بالتعـاون والانخـراط فـي الحيـاة الاجتماعية البشرية. "ويشير رحمه الله أن الإنسان الإيجابي هو ذلك الإنسان الذي ينتعش بنمو الشفقة على بني جنسه، يقول: "فالإيجابي ينتعش بنمو الشفقة على بني الجنس التي تدفع الى التعاون والتعارف."[34] وغيرها الكثير من النصوص التي لا يتسع المقام لذكرها هنا، فنكتفي بهذا القدر.

- عدم التهاون في الدين:

يشير الأستاذ إلى أن العمل الإيجابي البناء يقتضي عدم التهاون في الدين، وأنه ليس بالإمكان القيام بعمل إيجابي بناء مع التهاون في الدين، فيقول في تأكيد هذا المعنى: "ليس بالإمكان القيام بعمل ايجابي بنّاء مع التهاون في الدين، حيث اقتربت الحضارة القرآنية من الظهور واوشكت الحضارة الاوربية الضالة المسؤولة عن ضعف الدين على التمزق والانهيار. أما القيام بعمل سلبي فليس الاسلام بحاجة اليه، كفاه ما تعرض له من جروح ومصائب."[35]

- عدم التدخل فيما هو موكول أمره إلى الله:

ينصح الأستاذ طلاب النور بترك مآلات الأمور إلى الله، وعدم التدخل فيما هو موكول أمره إلى الله، فيقول: "إن وظيفتنا هي العمل الايجابي البنّاء وليس السعي للعمل السلبي الهدام. والقيام بالخدمة الإيمانية ضمن نطاق الرضى الالهي دون التدخل بما هو موكول امره إلى الله. اننا مكلفون بالتجمل بالصبر والتقلد بالشكر تجاه كل ضيق ومشقة تواجهنا"،[36] ويذكر لهم مثالا من شخصه في مواجهة المعاملات الشائنة بقوله: "إلا أنني قابلت المعاملات الشائنة بحقي منذ ثلاثين سنة الأخيرة بالرضى والقبول، ذلك من أجل السعي للعمل الايجابي والاجتناب عن السعي للعمل السلبي لأجل ألاّ أتدخل بما هو موكول أمره إلى الله بل قابلتها بالرضى والصبر الجميل اقتداءً بنبي الله جرجيس عليه السلام وبالصحب الكرام الذين قاسوا كثيراً في غزوة بدر وغزوة أحد."[37]

- عدم استعمال القوة في الداخل:

يشير الأستاذ أن على طالب النور ألا يستخدم جهاده داخل مجتمعه، وإنما يجب عليه أن يقف أمام التخريبات المعنوية بشكل إيجابي بناء، تستشف هذه المعاني من قوله: "ففي الداخل ينبغي الوقوف أمام التخريبات المعنوية بشكل إيجابي بناء، بالإخلاص التام. إن الجهاد في الخارج يختلف عما هو في الداخل".[38] ويبين لهم أن طلاب النور لا يستخدمون قوتهم في الداخل فيقول: "ولهذا فنحن لا نقوم باستعمال قوتنا في الداخل".[39]

- الابتعاد عن الخلاف والنزاع:

يوصي الأستاذ طلابه بالابتعاد عن التنازع والخلاف ويبين لهم السبب في المكتوب الثاني والعشرون، فيقول: "حيث المتنازعون والمختلفون يعجزون عن القيام بأي عمل ايجابي بناء."[40]

- عدم مهاجمة العلماء الذين ركنوا للبدعة:

يوصي الأستاذ إخوانه طلاب النور بعدم مهاجمة العلماء الذين ركنوا للبدعة فيقول لهم: "إخواني! لا تهاجموا بعض العلماء الذين ظنوا بعض إلجاءات العصر ضرورة، وركنوا إلى البدع. لا تصادموا هؤلاء المساكين الذين ظنوا الأمر ضرورة، بدون علم وعملوا وفقها. ولهذا فنحن لا نقوم باستعمال قوتنا في الداخل "

- عدم التحرش بالمناوئين:

كما يوصي الأستاذ رحمه الله طلابه وإخوانه بعدم التحرش بالمعارضين حتى ولو كانوا من العلماء الأئمة قائلا: "فلا تتحرشوا بهم وان كان المعارضون لنا من العلماء الائمة. انني قد تحملت وحدي المعارضات كافة، ولم افتر مقدار ذرة قط."[41]

- عدم الالتفات إلى الدنيا:

يذكر الأستاذ أن حملة النور وطلابه لا يلتفتون للدنيا لأن وجهتهم أخروية، فإن نظروا إلى الدنيا فإنما ينظروا إليها سعيا في معاونة الآخرين في تأمين الأمن الداخلي، يقرر هذا الأمر بقوله: "اننا لا نلتفت إلى الدنيا، فاذا ما نظرنا اليها فنحن لا نسعى سوى معاونتهم فيها. فنحن نعاونهم في تأمين الأمن بشكل ايجابي. وبسبب هذه الحقائق وامثالها نحن نسامحهم حتى لو عاملونا بالظلم."[42]

- التجاوز عن الهجوم على أخطاء المخطئين:

من متطلبات العمل الإيجابي البناء التجاوز عن الهجوم على أخطاء المخطئين، ولذلك يوصي الأستاذ أخوته من طلاب النور بالتزام ذلك، يشهده لهذه المعاني قوله: "إخواني! إن مرضي قد اشتد كثيراً. ولعلي أتوفى قريباً، أو أمنع من المكالمة كلياً - كما كنت أمنع أحياناً منها - لذا فعلى إخوتي في الآخرة أن يتجاوزوا عن الهجوم على أخطاء بعض المخطئين المساكين، وليعدّوها من قبيل أهون الشرين. وليقوموا بالعمل الإيجابي دائماً. لأن العمل السلبي ليس من وظيفتنا. ولأن العمل السلبي في الداخل لا يُغتفر."[43]

- عدم مس السياسيين بضرر:

يوصي الأستاذ دائما طلاب النور بالابتعاد عن السياسة، ومنافسة السياسيين في أمور الدنيا، بل ويوصي بمسامحتهم، وعدم مسهم بسوء ما داموا لا يلحقون الضرر برسائل النور، بل يسعى طلاب النور إلى نفع هؤلاء السياسيين الذين لا يقترفون سوءا في حق رسائل النور، فيقول رحمه الله: "ومادام قسم من السياسيين لا يلحقون الضرر برسائل النور، بل مسامحون قليلاً. لذا انظروا اليهم كـ ’أهون الشرين‘ ومن أجل التخلص من أعظم الشر فلا تمسوهم بضرر بل حاولوا أن تنفعوهم."[44]

الهدف والغاية من العمل الإيجابي البناء:

يحدد الأستاذ في رسائله لطلاب النور الهدف والغاية والثمرة التي تتحقق من عملهم بإيجابية، فيخاطبهم بقوله: "إن وظيفتنا هي العمل الإيجابي البنّاء وليس السعي للعمل السلبي الهدام، والقيام بالخدمة الإيمانية ضمن نطاق الرضى الإلهي دون التدخل بما هو موكول أمره إلى الله إننا مكلفون بالتجمل بالصبر والتقلد بالشكر تجاه كل ضيق ومشقة تواجهنا وذلك بالقيام بالخدمة الإيمانية البناءة التي تثمر الحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي."[45]

لقد كان الأستاذ رحمه الله واضحا كل الوضوح في أن طلاب النور يقومون بالعمل الإيجابي البناء بكل ما أوتوا من قوة في سبيل تأمين الأمن الداخلي، ولذلك لم تحدث أي حادثة سلبية تحسب على طلاب النور: "فنحن نقوم بالعمل الإيجابي البناء بكل ما نملك من قوة في سبيل تأمين الأمن الداخلي."[46]

والتاريخ يذكر ويشهد بملئ فيه أن طلاب النور في أي مكان وفي أي زمان كانوا ركيزة من ركائز الأمن، ولم تسجل على طالب نور حقيقي أي حادثة مخلة بالأمن، وأي حادثة أيا كانت تكون مخلة بالأمن تحدث من أي منتسب لرسائل النور لا تمثل رسائل النور أو طلاب النور بأي حال من الأحوال، وإنما تمثل شخصه وفرده ورسائل النور وطلاب النور منه براء.

والله شاهد على ذلك، ووصايا الأستاذ دالة عليه، وأخلاق طلاب النور أكبر برهان، والواقع أنصع بيان.

الخاتمة:

في ختام هذا البحث يجدر بنا الإشارة إلى جملة من القضايا المهمة، وهي:

1. ليس للأمة مخرج مما هي فيه اليوم إلا بالتزامها بالإيمان التحقيقي.

2. لن يتحقق الإيمان في حياة الأمة إلا بالعودة إلى القرآن الكريم.

3. خير وسيلة لفهم القرآن الكريم، والوصول إلى مرتبة الإيمان التحقيقي تكون من خلال كليات رسائل النور.

4. لنشر أسس وقواعد رسائل النور لابد من العمل الإيجابي البناء، وتجنب العمل السلبي الهدام.

5. العمل الإيجابي البناء هو منهج رسائل النور، ووظيفة طلابها.

6. مؤلف رسائل النور وطلابه هم أبرز الأمثلة وأروعها في مجال الالتزام بالعمل الإيجابي البناء.

7. طالب النور من خلال عمله الإيجابي البناء يسعى لتأمين الأمن الداخلي للأمة.

8. أي نشاط أو عمل سلبي هدام يهدد الأمن الداخلي للأمة لا يمثل رسائل النور ولا يمثل طلابها.

هذا وأسأل الله أن ينفع بهذا البحث كاتبه وقارئيه، وأن يجعله في ميزان حسناتنا أجمعين.

والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل...

قائمة المصادر والمراجع:

1. الكلمات: بديع الزمان سعيد النورسي، ت إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر -القاهرة- ط3-2003

2. المكتوبات: بديع الزمان سعيد النورسي، ت إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر -القاهرة- ط3-2003

3. اللمعات: بديع الزمان سعيد النورسي، ت إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر -القاهرة- ط3-2003

4. الشعاعات: بديع الزمان سعيد النورسي، ت إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر -القاهرة- ط3-2003

5. المثنوي العربي النوري: بديع الزمان سعيد النورسي، ت إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر -القاهرة- ط3-2003

6. الملاحق: بديع الزمان سعيد النورسي، ت إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر -القاهرة- ط3-2003

7. سيرة ذاتية: بديع الزمان سعيد النورسي، ت إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر -القاهرة- ط3-2003

* * *


[1] أستاذ اللغويات جامعة تعز، اليمن.

[2] سيرة ذاتية - ص: 469.

[3] سيرة ذاتية - ص: 469.

[4] سيرة ذاتية – ص 251.

[5] سيرة ذاتية – ص 471.

[6] سيرة ذاتية – ص 473.

[7] سيرة ذاتية – ص 364.

[8] سيرة ذاتية – ص 364.

[9] اللمعات 228.

[10] المفردات في غريب القرآن ص 587.

[11] الفروق اللغوية ص 134-135.

[12] الكلمات ص 91.

[13] الكلمات ص 360.

[14] اللوامع ص 859.

[15] الكلمات ص .138.

[16] الكلمات ص 374.

[17] المكتوبات 415.

[18] المكتوبات ص 541.

[19] اللمعات ص 85.

[20] اللمعات ص 316.

[21] الشعاعات ص 19.

[22] صيقل الإسلام ص 365.

[23] صيقل الإسلام ص 361.

[24] السيرة الذاتية ص 189.

[25] اللمعات ص 241.

[26] اللمعات ص 242.

[27] المثنوي ص 216.

[28] الملاحق ص 168.

[29] المصدر تفسه ص 168.

[30] الملاحق ص 169.

[31] الكلمات 365.

[32] سيرة ذاتية – ص 364.

[33] سيرة ذاتية ص 248.

[34] صيقل لٌسلام 335.

[35] المثنوي العربي النوري ص202.

[36] سيرة ذاتية ص 469.

[37] سيرة ذاتية ص 469.

[38] سيرة ذاتية ص 470.

[39] سيرة ذاتية ص 471.

[40] المكتوبات ص 347.

[41] سيرة ذاتية ص 471.

[42] سيرة ذاتية ص 471.

[43] سيرة ذاتية ص 473.

[44] المصدر نفسه ص 473.

[45] سيرة ذاتية ص 469.

[46] سيرة ذاتية ص 470.


 

أرشيف ملف العدد

15 - الإيجابية والعمل الإيجابي في رسائل النور
. الأسس الشرعية لمنهج العمل الإيجابي البناء
. مصطلح الإيجابية في رسائل النور
. الإيجابية في مقاصد العبادات ودورها في بناء عالم أفضل...
. التوجيه الإيجابي للأحاديث النبوية في رسائل النور
. النظرة الإيجابية وأهميتها في تحصين الدعوة عند الأستاذ النورسي
14 - بعض قضايا الفكر الإسلامي في رسائل النور
. العمل بإيجابية الأسس والعوائق -دراسة في رسائل النور-
. الحداثة البديل عند بديع الزمان النورسي
. ثقافة البيئة في الفكر الإسلامي من خلال مدرسة بديع الزمان النورسي
. موقـف رسائل النـور من منهـج الفلاسـفة واللاهـوتيين والمتصـوفة في بحـث مسألة النبـوة
. العدالة بين حكمة القرآن وفلسفة الإنسان قراءة في التجربة الذوقية للحكيم النورسي
13 - الإنسان في رسائل النور وجودا، ومهمة، وغاية
. دور رسائل النور في استعادة صياغة القرآن للإنسان
. الإنسان في رسائل النور وجودا، ومهمة، وغاية
. مؤلّفات بديع الزمان أنموذجاً لتقديم الإسلام إلى الغرب
. نظام التربية في رسائل النور
. منهج وطريقة رسائل النور وغايتها
12 - مفاهيم وردت العناية بها في رسائل النور
. تحرير الحرية في رسائل النور
. مصطلح الإيمان في رسائل النور - دراسة مفاهيمية
. مفهوم البلاغة عند بديع الزمان سعيد النورسيّ
. الوحدة وتدبير الخلاف عند بديع الزمان سعيد النورسي
11 - وقفات مع بعض عناصر القوة المعنوية
. التزكية وتدبير الخلاف وأثرهما في وحدة الأمة عند سعيد النورسي
. العناصر الفكرية والفنية والنفسية في منهج الأستاذ النورسي في التفسير
. العمل الإيجابي ومنزلته في دعوة النور
. مقومات المجتمع الإنساني الآمن من منظور رسائل النور
. إحياء الأخلاق في الممارسة السلوكية عند النورسي
. مناهج التبليغ عند ورثة النبوة من منظور رسائل النور
10 - عنوان الملف: الأخلاق والوراثة
. المجاهدة والتوريث عند النورسي
. أواصر العناصر الكونية من منظور الأستاذ النورسي
. قاعـدة "الفنـاء في الإخـوان" في فكر بديـع الزمـان
9 - المقاصد في رسائل النور
. أساسيات منهج الفكر المقاصدي عند النورسي
. المقاصد القرآنية في فكر النورسي
. مقاصد القرآن من خلال رسائل النور
8 - أسرار العبرة والتعبير في رسائل النور
. منهج النورسى في شرح أسماء الله الحسنى
. نحو رؤية جديدة للدلالة النفسية لأسلوب التكرار في القرآن الكريم
. التاريخ عند بديع الزمان سعيد النورسي دراسة في التمثل والتفسير
. قواعد في تفسير القرآن عند النورسي من خلال إشارات الإعجاز
7 - النورسي والتصوف
. النورسى ورؤيته للتصوف المعاصر
. نظرات في الأدب الصوفي عند النورسي
. بديع الزمان سعيد النورسي والتصوف
. أهمية روحانية النورسي المتبصرة في عالم مادي متأزم
6 - دعوة رسائل النور
. دعوة رسائل النور: هل هي حركة؟ أم جمعية؟ أو جماعة؟
. المنهج العوفي وإعلاء كلمة الله عند بديع الزمان
. التبليغ والارشاد في رسائل النور
. العمل الإيجابي القاعدة الثابتة لعمر مديد
. المرأة الإصلاحية في فكر الشيخ النورسي
5 - الرؤية الحضارية في رسائل النور
. من الأسس الفكرية والحضارية في رسائل النور
. البعد العقدي لبنية الإنسان في فكر النورسي
. منهجيّة الاهتمام بعبادة التّعمير، سؤال استعادة الأمة وظيفة الشهادة عند الأستاذ النورسي
. الرؤية الحضارية من خلال رسالة الاقتصاد
. قراءة تحليلية في النظرة النورية إلى المسألة الغربية
4 - أسس التربية في رسائل النور
. تربية النفوس عند بديع الزمان النورسي

النور للدراسات الحضارية والفكرية
 المركز الرئيسي:  

Kalendarhane Mah. Delikanli Sk. No: 6
Vefa 34134 Fatih - Istanbul / TURKIYE
 Phone: +90 212 527 81 81 - Fax: +90 212 527 80 80