بديع الزمان سعيد النورسي ومفهوم الجهاد في العصر الحديث

بديع الزمان سعيد النورسي ومفهوم الجهاد في العصر الحديث

Jihad in the Modern Age: Bediuzzaman Said Nursi’s Interpreta­tion

ABSTRACT

Sukran Vahide

Bediuzzaman Said Nursi’s intention in formulating jihad in terms of jihad of the word or moral jihad (mânevî jihad) and positive action was in order to combat what he considered to pose the greatest threat to Islam and indeed to humanity in the twentieth century, materialist philosophy and scientism, and by renewing belief and making the religion of Islam relevant and meaningful to the mass of believers, and particularly those who had been exposed to scientistic currents, to lay the foundations for a genuine renewal and reconstruction of the Islamic world and re-establishment of Islamic civilization.

The struggle between truth and falsehood in the modern age being an ideological and cultural struggle rather than one of force, "the weapons" of Bediuzzaman’s jihad of the word were logical proofs of the truths of belief, reasoned argument, and persuasion, which on the hand "executed with the sword of the Qur’an, nature and causality" (the bases of materialist philosophy) and dispelled the doubts they caused, and on the other, gained for a person "certain, affirmative belief." These weapons were contained in his collected works, called the Risale-i Nur. Directly inspired by the Qur’an and reflecting its effulgence, the Risale-i Nur thus answers the needs of Muslims in the present age, and provides the base to develop true taqwa and Islamic morality.

Such belief is also the basis of the second component of Bediuzzaman’s jihad, positive action, the most important aim of which is to combat the moral and spiritual corruption of atheistic materialism. Just as such currents conduct ideological warfare, so too their aim is to corrupt, divide, and produce anarchy, so ultimately to destabilize and destroy the Muslim countries. Bediuzzaman therefore considered the prime duty of the Risale-i Nur students, in addition to the saving and strengthening of belief, to be the maintenance of public order and security, and to work for the unity and solidarity of society.

* * *

ملخص البحث

شكران واحدة[1]

أراد بديع الزمان سعيد النورسي، من خلال صياغته للجهاد في إطار جهاد الكلمة أو الجهاد الأخلاقي والمعنوي، والعمل الإيجابي، أن يواجه الفلسفة المادية العلموية، التي اعتبرها النورسي أكبر تهديد للإسلام، بل للبشرية في القرن العشرين. كما سعى أيضا لتجديد الإيمان، وإحياء الدين الإسلامي شعورا وتطبيقا بين جموع المؤمنين، وخاصة أولئك الذين كانوا عرضة للتيارات العلمية، وذلك من أجل وضع الأسس الحقيقية لتجديد وإعادة بناء العالم الإسلامي وإعادة إنشاء الحضارة الإسلامية.

وفي ظل ما يميز الصراع بين الحق والباطل في العصر الحديث في كونه صراعا ايديولوجيا ثقافيا بدلا من كونه صراع قوة، فقد تمثلت "أسلحة" بديع الزمان، في جهاد الكلمة، في إظهار البراهين المنطقية لحقائق الإيمان، وإقامة الحجج العقلية، والإقناع. نجحت هذه الأسلحة، من جهة، أن "تقوض بحد سيف القرآن، الطبيعة والسببية" أسس الفلسفة المادية، وتبدد الشكوك التي سببتها. ومن جهة أخرى، أمدت الفرد بإيمان مؤكد ويقيني. وقد وردت هذه الأسلحة في أعماله التي تم جمعها، وسميت رسائل النور. هذه الرسائل مستوحاة مباشرة من القرآن الكريم وتعكس تألقه. وهكذا فرسائل النور تلبي احتياجات المسلمين في العصر الحاضر، وتوفر قاعدة لتطوير التقوى الحقيقية والأخلاق الإسلامية.

ويشكل هذا الاعتقاد أساس العنصر الثاني من الجهاد عند بديع الزمان، وهو العمل الإيجابي، والهدف الأهم هنا هو مكافحة الفساد الأخلاقي والروحي الذي تسببه المادية الإلحادية. وكما تخوض تلك التيارات حربا أيديولوجية تهدف إلى إغراق بلاد المسلمين في حالة من الفوضى، تؤدي في نهاية المطاف إلى زعزعة استقرارها وتقسيمها بل وتدميرها، فقد رأى بديع الزمان أن الواجب الأول والرئيس لطلاب رسائل النور هو الحفاظ على الأمن والنظام العام، والعمل من أجل وحدة وتضامن المجتمع، بالإضافة إلى الحفاظ على الإيمان وتقويته في النفوس.

* * *

مدخل

قبل أن أتناول مفهوم الجهاد عند بديع الزمان سعيد النورسي، أرى أنّه من المفيد التذكير بخاصيّتين تتعلقان به.

الأولى هي المكانة التي أولاها الإسلام للجهاد، فقد عرّف الرسول صلى الله عليه وسلم الجهاد بأنّه، ذروة سنام الإسلام"[2] وعندما سُئِل الرسول صلى الله عليه وسلم عن أي شيء يساوي الجهاد في سبيل الله أجاب: بأنه لا يوجد عمل يعادل الجهاد في سبيل الله.[3]

والثانية، والتي يجب أن تبقى في الذهن هي المعنى الواسع للجهاد، حيث يتعدّى المعني المحدّد "بالحرب المقدسة ضد الكفار" المستخدم بكثرة، بل يحمل معاني كثيرة مشتقّة من فعل "جهد" والذي يعني الجهد بمعنى الطاقة، والتجاهد بذل الوسع، والسعي، وغيرها.

فمثلاً يعرّف الجهاد أنه يحتوي على أربع مراتب أو خطوات في كتاب زاد المعاد، جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين.

وجهاد النفس كذلك على أربع مراتب. أحدها: أن يجاهدها على تعلم الهدى. الثانية على العمل به بعد علمه. الثالثة: على الدعوة إليه الرابعة: على الصبر على مشاق الدعوة، ويتحمل ذلك كله لله.

أما جهاد الشيطان فله مرتبتان. أحدهما: جهاده على دفع ما يلقى من الشبهات. الثانية: على دفع ما يلقى من الشهوات، فالأول يكون بعدة اليقين، والثاني يكون بعدة الصبر. والمرتبة الثالثة: جهاد الكفار والمنافقين، وهو أربع مراتب بالقلب واللسان والمال والنفس، وهو أخص باليد، وجهاد المنافقين أخص باللسان. والمرتبة الرابعة؛ جهاد أرباب الظلم والمنكرات والبدع، وهو ثلاث[4] مراتب الأولى باليد إذا قدر، فإن عجز انتقل إلى اللسان، فإن عجز جاهد بقلبه".

وقد عرّف علماء آخرون الجهاد بأنه "تعلم أوامر الإسلام، وتعليمها للآخرين، والعمل بها في الحياة الشخصية و الاجتماعية، وحث الآخرين على العمل بها، ودعوة جميع الناس للإسلام، والسعي دوماً بجد ونشاط دؤوب لإزالة جميع العوائق التي تواجهه أثناء القيام بذلك على المستوى الشخصي، والعوائق التي تظهر داخل المجتمع وخارجه".[5] وعرفـــت غايــة الجــهاد على الشــكل التالي: "إعلاء كلمة الله"[6] و "غلب الكفر وإقامة الحق".[7]

وبعد الهجرة أذن الله للرد بالقوة على القوة ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ الله عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾،الحج:39 وقد حملت الآيات المكية الرسول صلى الله عليه وسلم الأوامر التالية: ﴿فَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾.الفرقان:52

وهذه الآية تدل على أهمية الجهاد باللسان، يعني تبين أهمية إعلاء كلمة الله بالعلم والبرهان والتفكّر من طرف، ومن طرف آخر يدلّ على وجوب القيام بالجهاد بشكل موافق للشروط وبطراز يقابل احتياجات الأوضاع الراهنة.

وبعد أن بينا المعنى العريض للجهاد والأهمية التي يحملها من المنظور الإسلامي، فإننا لن نقوم بمذاكرة في هذه المقالة كما عرفته مختلف المصادر الإسلاميّة، بل سنتحدث عن مفهوم الجهاد عند سعيد النورسي وتطبيقه في حكم امتثال النموذج.

مفهوم الجهاد عند بديع الزمان سعيد النورسي

عند دراسة مفهوم الجهاد عند بديع الزمان سعيد النورسي تظهر خاصية مهمة، وهي الاستمرارية في فكره المتعلق بالموضوع طول حياته وفي رحلة سعيد القديم وسعيد الجديد. وهذا ملفت للنظر جداً لأنّه حدث خلال المرحلتين الرئيستين في حياته التي تعرّض فيهما لتغيير كبير في حياته الخارجية وحياته الداخلية الذاتية.

إن مرحلة سعيد القديم تشمل العشر سنوات الأخيرة للدولة العثمانية عندما كان الإسلام "سبب بقاء هذه الدولة، ودينها"[8] ومن فترة شباب بديع الزمان وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى.

وإن انهيار الإمبراطورية بالهزيمة التي عاشتها في الحرب، والسنوات التي تبعتها واعتزال سعيد القديم من جميع وجهات الحياة الاجتماعية والتي تشكّل تضاداً مع سلوكه وحركاته المتعددة، كل هذا واكب ظهور سعيد الجديد، وقد اكتسبت هذه الخصوصية قوة عند اتباع قادة تركيا الجدد طريق التغريب وبدأ مرحلة حياة النفي لبديع الزمان. ورغم أنّ الإسلام أساس الدولة "قولاً"، فقد قاموا بنزعه من جميع وجهات الحياة بشكل منظم تحت ستار العلمانية. ورغم وجود الفروق الواضحة في طراز حياة بديع الزمان وطبيعة مجاهدته ونشاطاته في الشروط، إلا أنّ هناك تشابه لا حصر له ونقاط استمرار في أفكاره، ورغم أنّه وجد كمال مفهوم الجهاد وتعبيره التام في رسائل النور وكفاح سعيد الجديد، إلّا أنّه في المفيد طرح آرائه وسلوكياته المتعلّقة بالموضوع في المرحلة السابقة بخطوطها العريضة.

رأي وسلوك سعيد القديم في الجهاد

إن أول وأهم عامل شكّل مفهوم بديع الزمان للجهاد يتعلّق بكون العصر الحديث هو عصر العلم والحضارة. يقول:

"إنّ السلطة المستندة إلى القوة والإكراه كانت هي الحاكمة في سالف الأزمان وهي محكومة بالتدني والانقراض، حيث إنها حصيلة الجهل والوحشية. فأية دولة جرت في عروقها دماء السلطة المستبدة فإن سطور صحائف تاريخها تنعق نعيق البوم بالانقراض".[9]

وكذا:

"إن البشرية في أواخر أيامها على الأرض ستنساب إلى العلوم، وتنصب إلى الفنون، وستستمد كل قواها من العلوم والفنون فيتسلم العلم زمام الحكم والقوة".[10]

والخاصية التي تتبع حادثة حكم العلم والعقل هي كما أشار إليها بديع الزمان على الشكل التالي: "هي أن الناس يستلهمون أمضى سلاحهم من جزالة البيان"[11] يعني أنّه مع تطور التكنولوجيا، ومع ترقّي الإنسان وظهور عصر الاتّصالات الجماعية نتيجة ذلك، سيدفع الناس للسعي لعرض أفكارهم للآخرين بطريق البلاغة والإقناع. لذلك إن وسائط الاتّصال الجماعي صارت وسائل للكفاح بين الحق والباطل، والإيمان والكفر، وساحة مبارزة القلوب والعقول، وساحة الكفاح لإقناع الآخرين، وساحة الحرب بين الأفكار والحضارات. والأولوية الآن هي الحرب الثقافية والاقتصادية أكثر من الجهاد المادي، الذي لا يزال مستمرّاً تحت هذه الشروط الخاصة وفي جبهات متعدّدة.

والعامل الثاني الذي يشكل مفهوم الجهاد عند سعيد القديم، يتعلق بالأوّل، وهو عدم تحقيق العالم الإسلامي تقدماً في المستوى العلمي يوازي التقدم في الغرب، وتخلفه بسبب ذلك في مجال التكنولوجيا والترقي. ما جعل العدو التقليدي للعالم الإسلامي يسعى لإذلاله، وإلى جانب ذلك صار القرآن وأسس الإسلام تهاجم صراحة وخاصة بعد رواج الفلسفة المادية.

الجهاد العلمي

ومن هذا المنظور نرى أنّه يأتي على رأس الخواص التي آجرت تأثيراً على بديع الزمان في شبابه. وهذا الوضع سيفتح الطريق له كي يعدّ نفسه لنمط مجاهدة جديدة، فقد بدأت نيّته للدفاع عن القرآن تجاه التهديد والهجوم عليه تتبلور عندما عرف أنّ رجل الدولة الإنكليزية Gladstone وجّه تهديدات واضحة للقرآن خلال مرحلة الانتقال من القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين، هذه الحادثة كانت نقطة تحول بالنسبة له، ودفعته لنذر حياته وعلمه للدفاع عن القرآن.[12] وحتى تلك المرحلة تعلّم إلى جانب العلوم الدينيّة التقليديّة كثيرا من العلوم الفيزيائية والرياضية المعاصرة. والحادثة المختلفة التي شاهدها كرؤيا[13] في بداية الحرب العالمية الأولى، أدت إلى تقوية قراره في السعي لإثبات إعجاز القرآن، يعني أن كلام الله هو مصدر الترقي الأخلاقي، والروحي والمادي للناس.

وقد أعدّ بديع الزمان نفسه لهذا الجهاد العلمي في سن مبكرة، كما تبيّن في "سيرته الذاتية" أنّ هدفه من دراسة المصادر الإسلامية بشكل مكثّف عندما كان في بتليس في سن السادسة عشر والثامنة عشر "أي 1892-1894م" هو "الإجابة على الشبهات والدسائس بحق الإسلام"[14] (والتي تسبّب بها العلم والفلسفة الغربية والتهجّم الذي حدث باسم الترقي). وبعد ذلك قام بدراسة العلوم الحديثة في مدينة وان بشكل لم يشاهد له مثيل بين علماء الدين في تلك الفترة في الولايات الشرقية، واكتسب اطلاعاً واسعاً على هذه العلوم، ذلك لأنّه "اقتنع أنّ علم الكلام على الطراز القديم لم يعد يكفي لإزالة الشبه التي تشاع بحق الدين الإسلامي"، وبتعبير آخر لقد كان من أهدافه للجهاد العلمي هو جعل علم الكلام تابعاً للتجديد.

ولم يحصر بديع الزمان مساعيه في هذا المجال بتحصيل العلوم فقط، بل إنّ المشروع الذي سعى وراءه بشكل فعّال خلال هذه المرحلة، هو إنشاء جامعة في الشرق، والتي ستشكّل ساحة لتطبيق إصلاحاته التعليميّة وأفكاره المتعلّقة بمزج تعلّم العلوم التقليدية مع العلوم المعاصرة، والذي سمّاه مشروع مدرسة الزهراء.

الحضارة والجهاد

إن الهدف الذي أراد بديع الزمان التوصّل إليه هو تأسيس الحضارة الإسلاميّة من جديد والتي تشكّل مركز دعوته. وذلك لأنّه يرى أنّ الإسلام مصدر الحضارة الحقيقية؛ لذلك فإن العالم الإسلامي يستطيع الرقي الحقيقي داخل إطار إسلامي فقط، ويستطيع أن يسترد موقعه الحاكم الذي يستحقه بهذا الشكل، فضلاً عن أن جميع البشرية لا تجد الراحة والسكينة إلا في الإسلام و الحضارة الإسلاميّة.

إنّ رجال الدولة الأتراك حملوا التفوّق العسكري والاقتصادي و العلمي بشكل خاطئ إلى مصدر الفكر الغربي الأوربي وحضارته، وخاصة مع بداية التنظيمات، حيث بدأ الابتعاد عن الإسلام وقبول نمط الحياة الغربية في كثير من المجالات. وبتعبير آخر فقد أبدءوا بحركة التغريب. وإلى جانب ذلك، فبدل أن يأخذوا "الأشياء المفيدة" كالعلم والتكنولوجيا عن الغرب كما أراد بديع الزمان، أخذوا "سيئاته وسفاهاته" و "أعطوا رشوة دينية ولم يكسبوا الدنيا".[15] و حتى لو كانت الغاية من ذلك هي تقوية الإمبراطورية وإيقاف انهيارها، إلّا أنّ نتائج هذه الأحداث المؤسفة كانت بشكل عام تؤدّي إلى نتائج بعكس النوايا، ولم تخدم سوى زيادة تبعيّة العثمانيين لأوروبا من الناحية الاقتصادية والساحات المادية فقط، بل زادت في خدمة التبعية الفكرية أيضا. وقد ظهر خطر فقدان الحكم الإسلامي بين العثمانيين الذين صاروا تحت تأثير أوروبا بشكل واضح، فتابع هؤلاء أعداء الإسلام واقتنعوا أنّ الإسلام يعيق العلم والترقي وانّه يشكّل سبب انهيار العثمانيين.

لذلك فإنّ مساعي بديع الزمان كانت في الحقيقة بعكس ذلك. وإنّ الحضارة ليست "ملك النصرانية"[16] بل الإسلام أستاذ جميع الكمالات.. و جهّز بالحضارة الحقيقيّة، والعلوم الحديثة والصحيحة"[17] والإسلام يشجّع الترقي ويشمل جميع شروط الحضارة[18] لذلك استشهد بديع الزمان بالتاريخ دوماً وبيّن أنّ المسلمين عندما تمسّكوا بدينهم قطعوا مسافة في مجال الحضارة بدرجة تمسّكهم بالدين؛ وتخلّفوا كلّما أهملوا دينهم وتعرّضوا للهزائم النكراء والعكس هو الصحيح لمنتسبي الأديان الأخرى.[19]

لذلك قام بديع الزمان بإجراء المقايسة بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلاميّة من أجل توضيح هذه النقاط في العهد القديم وفي مرحلة الجمهورية. والفرق الأساسي بينهما، هو أنّ الحضارة الغربيّة تستند على مبادئ فلسفة اليونان وروما، بينما الحضارة الإسلاميّة تستند على الوحي الإلهي. وكون أحد أوجه الحضارة الغربية ظهر بشكل بعيد عن العيسوية جعل سيئات هذه الحضارة تغلب على فوائدها، وتنتشر السفاهة والشهوة والظلم الاجتماعي والاقتصادي الذي يعدّ الأرضية لانهيار هذه الحضارة في المكان الذي تطبّق فيه، وفي النهاية تفتح الطريق لتمزيقها وتكون وسيلة لتأسيس حضارة إسلاميّة."[20]

وفي ضوء هذه المعطيات يقول بديع الزمان أنّ أحد أهداف الجهاد والذي هو فرض على جميع البشرية "إعلاء كلمة الله" في هذه المرحلة "متوقّف على الترقّي المادي"؛ وإنّ إعلاء كلمة الله "ممكنٌ بالدخول في المدنية الحقيقيّة" وكما أنّ رقيّ الإسلام وتقدّمه في الماضي كان بالقضاء على تعصّب العدو وتمزيق عناده ودفع اعتداءاته.. وقد تم ذلك بقوة السلاح والسيف. فسوف تُغلب الأعداء وتُشتت شملهم بالسيوف المعنوية -بدلاً من المادية- للمدنية الحقيقية والرقي المادي والحق والحقيقة".[21]

علاوة على ذلك، فإنّ عدوّ المسلمين في هذا العصر في نظر بديع الزمان ليس هو الذي في الخارج. وإنما العدو الأصلي هو -المخالف لرسالة الإسلام- وهو "الجهل، والضرورة، والاختلاف". وإن سبب انهيار العالم الإسلامي، والمانع للمسلمين من القيام بإعلاء كلمة الله هو هؤلاء الأعداء القساة ونتائجهم.[22] وإننا نشاهد هذه المعاني في إحدى مقالات بديع الزمان التي نشرت في إحدى الصحف في تلك المرحلة.

"فكلّ مؤمن مكلّف بإعلاء كلمة الله و أعظم وسيلة لإعلاء كلمة الله في زماننا هذا هو الرقي المادي.[23]

إذ الأجانب يسحقوننا تحت تحكمهم المعنوي بسلاح العلوم والصنائع ونحن سنجاهد بسلاح العلم والتقنية الجهلَ والفقر والخلاف الذي هو ألد أعداء إعلاء كلمة الله.

أما الجهاد الخارجي فنحيله إلى السيوف الألماسية للبراهين القاطعة للشريعة الغراء. لأن الغلبة على المدنيين إنما هي بالإقناع وليس بالإكراه كما هو شأن الجهلاء الذين لا يفقهون شيئاً."

الجهاد الخارجي عند سعيد القديم

الجمل المبيّنة أعلاه تلخّص أفكار بديع الزمان حول كيفيّة الجهاد المثالي الخارجي في العالم المعاصر. وقد كان المسلمون سابقاً في القرون الوسطى مضطرين لحمل السيف تجاه الوحشية والتعصّب والاعتداء. لكن في هذه المرحلة الحضارية، و لكون الأجانب أكثر تحضراً وقوة.. فإنه من نقطة نظر الدين يكون التغلب على المتحضرين بالإقناع، وليس بالإجبار. بإظهار الإسلام محبوباً وديناً علوياً بالامتثال لأوامره بالأفعال والأخلاق".[24]

لذلك فإن قبول الأخلاق الإسلامية وتطبيقها، إظهار ميزتها بأنها علوية وتستحق الحب، هو عنصر مهم للترقي، إلى جانب كونه عنصر مهم "لإعلاء كلمة الله". وكما كتب بديع الزمان سيكون وسيلة لدخول الناس في الإسلام جماعات جماعات:

"ولو أننا أظهرنا بأفعالنا وسلوكنا مكارم أخلاق الإسلام وكمال حقائق الإيمان، لدخل اتباع الأديان الأخرى في الإسلام جماعات وأفواجاً. بل لربما رضخت دول العالم وقاراته للإسلام".[25]

والنقطة الأخيرة تحمل أهمية خاصّة بسبب رأيه المثالي المتعلق في الجهاد الخارجي. وكما بينا أعلاه أن بديع الزمان كان على قناعة تامّة أن البشرية لن تجد الراحة والسكينة إلاّ في الإسلام دين الحق، ولن يتحقق السلام الكوني إلاّ به. وقد عرض كثيراً من الأدلة التي تدعم هذا الادّعاء، وكرّر ذلك مراراً وبكلّ مناسبة. وباختصار فقد بين أنّ البشرية في هذا العصر استيقظت من سباتها بالتقدّم العلمي من طرف، وبالحروب والأحداث المرعبة من طرف آخر. وبعد أن فهم الإنسان أبعاد قابلياته واللطائف اللامتناهية التي أعطيت له لا يستطيع العيش بلا دين، وهو مجبور إلى معرفة الغاية الحقيقية للحياة.[26]

الجهاد المادي عند سعيد القديم

لا يجب أن نفهم ممّا بيناه أعلاه أن بديع الزمان هو ضد الجهاد المادي على كل حال. فعندما تتطلب الشروط، أي عندما تتعرض البلاد للتجاوز الخارجي، كان بديع الزمان بطلاً في الدفاع عن بلاده. فقد قضى قسماً لا يستهان به من المرحلة الأولى من حياته في ساحات الحرب. ويحتمل أنّه شارك في حرب البلقان سنة 1913م.[27] وقد سعى في إعداد فتوى الجهاد عندما نشبت الحرب العالمية الأولى. وكانت الميلشيات التي أسّسها في شرق الأناضول بأمر من باشا التي سميت "أصحاب القبّعات اللباد"، وكانت ميليشيات شجاعة ومحاربة أرّقت الميليشيات الأرمنيّة والروس، حيث تمّ تقليد بديع الزمان وساماً حربياً بسبب خدماته المهمّة ضد الروس.

والنقطة التي يجب أن نوضّحها هنا هي أن بديع الزمان لم يترك القلم خلال جهاده ضدّ الاحتلال الروسي، ولم يتنازل للاختباء وراء الحواجز خلال القصف الروسي، بل بقي على ظهر جواده يملي على كاتبه "إعجاز القرآن". وهذه الخاصيّة هي أوضح من كل شيء، وكما بين في مقدمة كتابه إشارات الإعجاز، دليل على أنه يرى أن وظيفة الجهاد العلمي ضرورية.[28]

نقطتان مهمتان - تتعلقان بالكفاح السياسي والنظام العام

إنّ تعرّض بديع الزمان في مرحلة سعيد القديم وفي مرحلة سعيد الجديد أثناء إدارة الجمهورية لتُهم بخلاف أفعاله تماماً للحياة التي كانت من قدر بديع الزمان. ففي المرحلة الأولى شارك "كشخصية شعبية" بشكل فعّال في الدعوة الإسلاميّة للحياة العامة وفي الساحات التي اعتقد أنّها تخدم الدولة العثمانية، إلا أنه ابتعد عن الدخول في السياسة بشكل مباشر؛ فقد كان يفكّر أنّ الكفاح السياسي في هذا الزمن أو فيما بعده ليس شكلاً مناسباً للجهاد. وإنّ كلّ علاقته بالسياسة كانت تنبيه الحكام على المبادئ الإسلامية، أو جعل السياسة خادمة للدين. (وسنتناول هذه القضية بشكل أوسع فيما بعد). فكان في المرحلة الأولى من حياته يتحدّث باستمرار عن الأمور السياسية ويتابعها بشكل فعال، ثم أعاد الحديث في السنوات العشر الأخيرة من حياته ال أولى إلى دعوى قضية الاتّحاد الإسلامي، والتي رأى سنة 1911م أنها ستتحقق فيما بعد باسم "الجماهير الإسلامية المتّفقة"، وعند الحديث عنها وعن حاكمية الإسلام المستقبليّة يضيف مباشرة ما يلي:

"يا إخوتي الكرام!

أرجو أن لا يذهب بكم الظن بأنني بكلامي هذا استنهض هممكم للاشتغال بالسياسة -حاش الله- فإن حقيقة الإسلام أسمى من كل سياسة بل جميع أصناف السياسة وأشكالها يمكن أن تسير في ركاب الإسلام وتخدمه وتعمل له، وليس لأية سياسة كانت أن تستغل الإسلام لتحقيق أغراضها".[29]

ورغم أنه كتب باسم جمعية الاتحاد المحمّدي، إلا أننا نستطيع مطالعة الكلمات التالية التي توضح آراءه:

"إنّ مسلكنا أخلاقي وديني خالص.. ومشرب جمعيتنا إبداء المحبة لمعنى المحبة بين المسلمين والخصومة مع الخصام بينهم وإحياء مسلكنا بالتخلق بالأخلاق الأحمدية وإحياء النبوية، مرشدنا هو الشريعة الغراء وسيوف البراهين القاطعة ومقصد إعلاء كلمة الله".[30]

"هدف الاتحاد وقصده: إعلاء كلمة الله.. ومسلكه: الجهاد الأكبر للنفس وإرشاد الآخرين... وهمة هذه الهيئة المباركة مصروفة بنسبة تسع وتسعين بالمئة إلى غير السياسة من تهذيب الأخلاق واستقامة السلوك وما شابهها من الفضائل والمقاصد المشروعة".[31]

إنّ قضية المحافظة على الأمن العام والنظام الداخلي هي نقطة ثانية تشكل عنصراً مركزياً في مفهوم بديع الزمان للجهاد، والتي أدت إلى اعتقاله - بشكل خاطئ - من طرف المحاكم سواءً تحت إدارة المشروطية أو إدارة الجمهورية. وسنتناول هذه القضية بشكل مفصل فيما بعد. وسنبين أن بديع الزمان اعتقل بعد حادثة 31 آذار بحجة انتسابه لجمعية الاتحاد المحمدي التي اتهمت بتنظيم العصيان، وذلك رغم إقناعه لثمانية طوابير عسكرية على الأقل بترك العصيان بمقالاته التي نشرت في الصحف وببياناته الشخصية، وسنبين انه بهذا ساعد على إخماد العصيان[32] وبسبب اهتمامه الكبير بهذه الحادثة، استخدم نفوذه وشهرته وخطابته القوية، وأخمد بديع الزمان غليان الشعب الثائر في تلك المرحلة الفوضوية. ومثالاً على ذلك؛ مظاهرة الحمالين الأكراد خلال مقاطعة البضائع النمساوية، والفوضى التي حدثت أثناء محاضرة ميزانجي مراد بيك في مسرح الفرح في حي شيخ زاده باشا، ومظاهرة طلاب المدارس في بايزيد في شباط 1909م.[33]

خلاصة

ومن هذا المنظور وإذا أردنا أن نلخص أفكار بديع الزمان حول الجهاد في المرحلة الأولى لحياته، نستطيع القول أنه رغم مشاركته "بالجهاد المادّي" ببطولة لا نظير لها، إلّا أنّه يرى أنّ الجهاد الأصلي والأساسي هي إحياء سنة الرسول صلى الله عليه وسلم والأخلاق الإسلامية إلى جانب الجهاد المتعلّق بالعلم والترقي والحضارة. وإن محاربة "الجهل، والضرورة، والاختلاف الداخلي" التي هي السبب الأصلي في تخلف العالم الإسلامي تجاه الغرب، هي أهمّ الخواص التي لها مكانة في مضمون الجهاد في نظره. لذلك كان القسم الأعظم من مجاهدة بديع الزمان، يتركّز في بؤرة تدريس العلوم الدينيّة والمعاصرة معاً، والسعي لمزجها، وتتعلق بالتعليم والإصلاح التعليمي.

وبعكس اتّهامات أعداء الإسلام بيّن بديع الزمان أنّ الإسلام "سيد الفنون ومرشدها، ورئيس علوم الحقائق ووالدها"[34] ومنبع الحضارة الحقيقية. وفي هذه الحالة، بدل أن تستند الحضارة الغربية على الوحي، تأسست على أسس فلسفية فاسدة، ورغم أنها حققت الآن تفوقاً في العلم والصناعة والتكنولوجيا، إلا أنها "ستتمزق" وسيدخل الناس أفواجاً في الإسلام.

وكون الإسلام يحتوي جميع الأسس التي تشجّع الترقي والحضارة، مقابل الوسط الغربيّ الذي يسعى لجعل العالم الإسلامي تابعاً له بسبب تفوقه العلمي والتكنولوجي، فإن الوظيفة الأصليّة للمسلمين هي الترقي والنهضة المادية. وإنّ إعلاء كلمة الله لا تتم إلّا بهذا الشكل في هذا الوسط.

إنّ التوحيد بين العلوم الإسلاميّة والمعاصرة يؤدّي إلى تنظيم العلوم الإسلامية في ضوء التطورات المعاصرة في ساحة المعرفة. وإن بعض ثمار مساعي بديع الزمان في هذه الساحة تمّت المحافظة عليها في كتاب المحاكمات العقلية التي كتبها من أجل تأسيس أسس التفسير للقرآن كما قال[35] ومعجزة النظم القرآني المذكورة أعلاه، والمشار إليها في كتابه إشارات الإعجاز الذي وحّد إلى حد ما بين المعرفة الإسلامية والمعاصرة.

وإلى جانب ذلك، ورغم جميع مساعيه وجهوده في الساحات العلمية وغيرها، فإن بديع الزمان طوال مرحلة سعيد القديم -باستثناء إشارات الإعجاز- في مرحلة شبابه "وبسبب العوارض الخادعة" وبمعرفته للتهديد الذي واجه القرآن والعالم الإسلامي خلال مرحلة الانتقال من القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين، اتّخذ قراراً بأنه لم يقم بإيفاء وظيفته في "عرض معجزات مرشده القرآن وإثبات حقائق علمه".[36] وسيتولّى هذه الوظيفة سعيد الجديد.

ومن هذا المنظور نرى أنّ بديع الزمان سعى للإسراع بهدف الترقي المادي والنهضة الاقتصادية "الجهاد العلمي" في مرحلة الإمبراطورية العثمانية التي كان الإسلام يحكم فيها. لكن بعد تأسيس الجمهورية واتّباع سياسة دنيوية وتغريبية، قام بتكثيف نشاطاته في تخليص العقيدة الدينية وتقويتها لمسلمي تركيا، والتي تعرضت للهجوم المباشر. ورغم وجود الفروق الظاهرة لمسعى بديع الزمان في هاتين المرحلتين إلا أنها تعرض استمرارية واضحة، وسيتضح ذلك عندما يطرح الخط الذي اتّبعه بديع الزمان في جهاده الذي استمر طوال خمس وثلاثين سنة في المرحلة الثانية لحياته. وهذا ما نسعى لعرضه الآن.

سعيد الجديد:

ومع تأسيس الجمهورية سنة 1923م اكتسب المعارضون للإسلام قوّة في الحكم، وبدأوا يستخدمون قدرة الدولة على فرض نظام أجنبي "غير إسلامي" على المجتمع المسلم في تركيا بالقوة. وقد قبلوا بناء الحكومات والإدارات الغربية المختلفة، وهدفوا لجعل تركيا دولة عصرية علمانية على النمط الغربي تستند على الفلسفة الوضعية. وكلّما صارت الثقافة الغربية طراز الحياة في تركيا، كلّما صارت مبادئ الفلسفة المادية الغربية هي أسس الحياة. وباختصار ستحتل الفلسفة المادية مكان الإسلام.

وبهذا الشكل، تصير تركيا التي كانت أهم جبهة في المجاهدة تجاه الإنكار والمادية في حالة وضع تلتحق فيه بالعالم المعاصر في هذا الكفاح. وكأنها ليست هي التي كانت مركز الخلافة طوال أربعة قرون "وحاملة راية الإسلام" وقائدة جهاده المادي. وقد كانت الأوضاع في حالة دفعت بديع الزمان للقول مراراً "من أجل النجاة بالإيمان وخدمة القرآن، يجب المجيء إلى هنا حتى لو كنت في مكة".[37]

وعند دراسة بديع الزمان مقابلته لهذه التطورات، تظهر أمام الأعين نقطتان مهمتان تساعدان على توضيح هذه المقابلة. الأولى هي قبوله للقرآن الأستاذ الوحيد وذلك مع تحوله إلى سعيد الجديد؛ وبعد هذه المرحلة أخذ إلهامه ونشاطه وتفكّره من القرآن بشكل مباشر.

وإلى جانب ذلك فقد فهم بديع الزمان منذ البداية أنه لا يمكن العمل مع القادة الجدد لتركيا في الدائرة السياسية التي قبلوها. وبالنظر إلى سيرته الذاتية الرسمية نجد أنه أدرك أن غلبة اللادينية التي يمثلونها لن تتم إلا "بنور الإعجاز القرآني الذي يحكم بالسيف المعنوي".[38] لذلك فقد ابتعد عن الحياة الاجتماعية والسياسية، وعندما نفي سنة 1925م، تلقى إلهامه بشكل مباشر من القرآن، وبدأ يكتب الرسائل التي تثبت أسس الإيمان. ذلك لأن أهم وأخطر الأمراض التي تعرض لها العالم الإسلامي، هو تأسيس نظام مخالف له في مركز الخلافة، ممّا فتح الباب للانهيار، و أوجب البناء الجديد والإصلاح وتجديد الأسس الأساسية للإسلام.

الجهاد المعنوي

وقد سمى بديع الزمان هذا الكفاح الذي بدأه بـ "الجهاد المعنوي" و "الحركة المثبتة"، كما يمكن تعريفها بعبارات "الجهاد غير المادي"، و "الجهاد بالقول"، حيث أثبتت الأحداث توافق هذا الجهاد. وهكذا لم يكشف بتجديد الإيمان؛ بل نجح بنشره بشكل مستمر وإكسابه القوة، حتى إنّه بعد بداية هذا الكفاح بعشرين سنة، وفي أواخر 1940م ادعى أن رسائل النور "قصم ظهر الكفر" و "أن رسائل النور جعلت اللادينية شذر مذر وأثراً بعد عين".[39]

وإنّ الخاصية التي شكّلت أساس اليقظة الإسلامية وجعلتها متركّزة في تركيا في السنوات الأخيرة هي بدون شك حركة رسالة النور ومنهجها في "الحركة الإيجابية" الناجح.

والبحث الذي يشكل مفتاحاً لتعريف مفهوم الجهاد المعنوي، يوجد كملحق في حاشية المسألة الحادية عشر في نهاية رسالة الثمرة في الشعاع الحادي عشر. وقد عرضنا أدناه قسماً من هذا البحث:

"إن جملة ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾البقرة:256 تشير بالجفر وحساب الأبجدية إلى سنة 1350 وتفيد بالمعنى الإشاري:

على الرغم من أن الحكومات في تلك الفترة تعارض الدين بفصلها الدين عن الدنيا، متخذة القوة والإكراه والإجبار ضد الدين معارضة الجهاد لأجل الدين بالسلاح وتتخذ في الوقت نفسه حرية الوجدان دستوراً سياسياً لها وتتحول الحكومة إلى جمهورية علمانية، إلاّ أن جهاداً معنوياً سيبدأ بسيوف الإيمان التحقيقي، إذ سيظهر نور من القرآن الرشد والإرشاد وفي الدين بإظهار البراهين القاطعة بحيث يظهر الحقائق واضحة إلى الأعين. وهكذا تبين الآية الكريمة لمعة إعجاز ظاهرة وحتى كلمة "هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ"البقرة:257 [40] فتبين بأمارة خفية بالموازنات التي فيها والتي هي أصل ومنبع المقايسات في رسائل النور وما ترد فيها مكرراً من التقابل بين النور والظلمات، والإيمان والكفر. كل ذلك أمارة خفية تبين: أن في ذلك التاريخ وفي أثناء المبارزة في الجهاد المعنوي فإن البطل المسمى بالنور أي رسائل النور التي كشفت عن مئات الأسرار الخفية في الدين، وأن سيوفها الألماسية المعنوية كافية لا تدع حاجة إلى السيوف المادية" ﴿الله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.البقرة:257[41]

ومن هذه الزاوية نجد أنه يذكر ولو بشكل غير مباشر ما كان يقوله في بداية هذا القرن إن عهد "القوة والجبر" قد ولّى، وإنه يجب أن تكون أسس الكفاح في هذا العصر هي العلم والفن والإقناع. وهنا يربط طراز هذا الكفاح بالمبادئ المعنية التي هي نتاج هذه التطورات، ويقول إن القرآن بذاته ألهمه إياها. ويرى بديع الزمان أن حرية الضمير وغيرها من المبادئ هي من النتائج الضرورية لعصر العلم - للعصر الحديث، ويجب أن يكون الجهاد بشكل مناسب لها. وكما أشار القرآن لهذا فإنه يؤمّن الوسائط لاستمرار هذا الجهاد، حيث يجب أن يكون متابعو هذا الجهاد بعيدين عن الكفاح السياسي والمادّي، من أجل المحافظة على صفاء هذا الجهاد. والغريب أنّ الشخص الذي يعارض الإجبار والقوة في القضايا المتعلقة بالدين، والذي قبل حرية الضمير وغيرها من المبادئ التي قبلت بشكل عام، والذي يعارض الكفاح السياسي باسم الدين، تعرّض للنفي والسجن طيلة خمس وثلاثين سنة بتهمة الإخلال بالعلمانية التي تعدّ حرية الضمير أحد عناصرها الأساسية.

وكي نفهم مفهوم الجهاد المعنوي بشكل أفضل، سنقوم أولاً بدراسة السيف المعنوي لرسائل النور التي لم تترك الحاجة للسلاحين الأساسيّين المذكورين أعلاه، "الإيمان التحقيقي" و "السيوف المادية" التي كشفت مئات من الطلاسم الموجودة في الدين. وسنتناول ثانياً بشكل أكثر تفصيلاً سلوك بديع الزمان تجاه السياسة، وأسباب ابتعاده وابتعاد طلبة رسائل النور عن الاشتغال بها.

سيف "الإيمان التحقيقي":

وقبل كل شيء يجب أن نبيّن أنّه حسب تصنيف الجهاد المذكور أعلاه فإن مرحلتين من مراحل الجهاد الثلاثة عشر تشمل الجهاد المادي بمعنى استخدام القوة. والغاية الرئيسية للجهاد هي "هزيمة الكفر وتمكين الحق في الحكم" و "نصرة دين الله و إعلاء كلمته". لذلك وكما بين أحد علماء عصرنا أن الشكل المهم للجهاد بالشكل الذي يطابق معنى الحديث جاهدوا المشركين باللسان: هو الكفاح ضد الكفر حسبما يتطلب الزمان والمكان، وبكل فرصة مناسبة وكل دليل، وبرهان، وإثبات ومناظرة، وتبليغ، كتابي أو شفاهي وباستخدام جميع الوسائط.[42]

إن إلقاء نظرة سطحية بسيطة على رسائل النور التي ألّفها بديع الزمان بعد نفيه، توضح أنّه صاحب جميع الميزات التي تجعله يحقق الجهاد "باللسان" بكلّ معناه تجاه اللادينية والبدع والفلسفة المادية التي سعى لفرضها على الناس بقوة الدولة في تركيا. وهذه الميزات هي التي تدفع لاكتساب الإيمان التحقيقي، وذلك حسب تجارب معظم قراء رسائل النور.[43]

إن الملفت للنظر ضمن خصوصيات رسائل النور، هو أنها منحصرة تقريباً على تناول الحقائق الإيمانية والمواضيع المتعلقة بها، وقد أثبت بالأدلة المنطقية والعقلية أن هذه الحقائق منطقية ومعقولة. وتستخدم رسائل النور التشابيه والأمثلة التي توضح القضايا المبهمة، حيث يستند قسم كبير منها على المقايسة الواسعة بين القرآن الكريم والحكمة القرآنية والحضارة القرآنية وبين الفلسفة الغربية ونتائجها والحضارة الغربية. ويردّ الفلسفة الغربية وتهجّمها على الإسلام، ويثبت أن القرآن هو المنبع الحقيقي الوحيد الذي يؤمّن سعادة الإنسانية وترقيها. كما أن رسائل النور تجمع بين حقائق الدين والعلوم المعاصرة، وتقوم بإثبات هذه الحقائق في ضوء العلم، وهذه الخاصية تتعلّق بتفسير وشرح القرآن من الجهة التي تنظر إليها القرن المعاصر". ذلك لأنّ بديع الزمان فتح طريقاً جديداً للحقيقة، بالاستفاضة من أصول توجيه القرآن للإنسان للتفكير بالأعمال الإلهية المتجلية في الكائنات، وبواسطة تفكر تجليات في الأسماء الحسنى، فهذه الخاصية حققتها رسائل النور. كما أنه يفند المفاهيم التي تستند عليها الفلسفة المادية مثل "الطبيعة" و "علاقة السبب والنتيجة"، ويجيب على الفلسفة المادية ويردّها.

إن أصول التفكر الحركي المتكامل هذا -كما بين بديع الزمان- حتى في "تبيّن أنوار التوحيد" والأماكن التي يتّخذها الطبيعيون وأصحاب الفلسفة المادية أساساً لأفكارهم "يريدون الاستتار بها".[44]

وإلى جانب ذلك، وبواسطة هذه الأصول التي وُضِّحت لحد ما أعلاه، فإنّ رسائل النور أثبتت كثيراً من القضايا الإيمانية التي اعترف كثير من كبار العلماء حول عجزهم تجاهها مثل الحشر الجسماني، والقدر والإرادة الجزئية، وجعلت أسرار كثير من القضايا مقبولة ويمكن إثباتها بسهولة مثل التجدد الدائم للكائنات وأنانية الإنسان، وتحول الذرة وأمثالها.[45]

ونستطيع أن نقول باختصار أن رسائل النور تقدم تفسيراً للدين يوافق إنسان القرن العشرين، ويخاطب عقله وسائر لطائفه الرقيقة والعميقة، وتجيب على احتياجات الإنسان في هذا الزمان. وبالنسبة لمتتبعي منهج رسائل النور فإن الإيمان في ترق مستمر بواسطة الدرجات اليقينيّة اللامتناهيه وتجعله حياتياً وفي وتيرة دائمة.[46]

ويستخدم بديع الزمان لمثل هذا الإيمان الذي نستطيع وصفه "أثبتت حقيقته وقبوله" "إيمان مؤيّد" و "اكتسب القطعية بالتحقيق" أو للإيمان الظاهر "نتيجة البحث" عبارة "الإيمان التحقيقى". وهو ضدّ الإيمان التقليدي.

لذلك يقول علماء اليوم أن بديع الزمان جدّد علم الكلام برسائل النور، وجعله يجيب على احتياجات اليوم.[47]

الكفاح العملي:

ونتيجة هذا الكفاح الثقافي الحركي تجاه الكفر والإنكار الذي أرادوه أن يُفْرَض بالقوة، تحقّق الكفاح العملي على شكل كتابة ونسخ وتوزيع رسائل النور تحت الشروط المعادية وغير العملية في العشرينات والثلاثينات والأربعينات من هذا القرن. وذلك لأنه في هذه المرحلة من الزمن كانت كتابة ونشر المواضيع الدينية ممنوعة فعلاً، وليس قانوناً. ولهذا السبب قام بديع الزمان بإملاء رسائل النور على محبيه في الجبال والوديان. وبسبب عدم إمكانية طبعها بعد إلغاء استخدام الأبجدية العربية كان يجب استنساخها وتكثيرها بخط اليد. وقد تم اعتقال من تجرأ وحاول طبع رسائل بديع الزمان في المطابع وتعرضوا للتعذيب. وكون هذا العمل ليس سهلاً، اذ اقتناء الورق والحبر يدفع بكثير من طلبة النور الذين هم ليسوا أغنياء لترك قضية تأمين معيشتهم جانباً، فقد كان يتطلّب إذاً تضحية كبيرة، و كان بديع الزمان يذكر دوماً الحديث "يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودم الشهداء فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء"[48] وكان يشجع تلاميذه باستمرار على المجاهدة لنشر الأنوار الإيمانية وبين لهم أن أعمالهم هذه "اجلّ من أكبر القضايا".[49]

وكلما كبرت حركة بديع الزمان، كانت هناك خاصية مميّزة سعى للتوصل إليها من أجل هذه الحركة وهي اعتباره لنفسه واحداً من طلبة رسائل النور، وتشكيله شخصية معنوية لهم، لذلك أصر على تلاميذه أن يغنموا الإخلاص ويضحّوا بأنانيّتهم من أجل شخصيتهم المعنوية وبالنسبة له إن شروط هذا القرن المعاصر -الذي هو عصر الأنانية- توجب الجهاد مع النفس والجهاد الأكبر؛ وذلك لأن الهجوم الشديد الآتي من قوى الكفر والضلال في صورة شخصية معنوية لا يمكن مجاهدتها بنجاح إلا بمثل هذه الشخصية المعنوية.[50]

"الجهاد المعنوي" وسلوك بديع الزمان تجاه السياسية:

إن الهدف الأساسي للجهاد المعنوي عند بديع الزمان هو تحقّق التجديد والبناء من جديد على المستوى الأساسي -يعني في نقطة الإيمان- وبيّن دوماً أنّه فوق جميع القضايا باعتبار أهميّته ولزومه. وقد تناول هذه الوظيفة على المستوى الفكري لآخر الزمان، حيث قال لو أنّ المهدي يجئ في هذا الزمان، فإنّه سيبنى دعوته على هذه القضية بدل المسائل التي تقع في المرتبة الثانية أو الثالثة كالحياة والشريعة. ورغم اعتبار هاتين القضيّتين اكثر أهمية عند العوام إلا أن الوضع هكذا[51] وتجاه تجاوز وهجمات الزمان الحالي، فإن جميع القضايا الأخرى مهمّة في الدرجة الثانية، وجميعها تابعة للنجاة بالإيمان وتجديده.

وكما بينا أعلاه إن كون رسائل النور قد أخذت "السيوف المعنوية" من القرآن الكريم من أجل الإيفاء "بالجهاد المعنوي"، لذلك لم تبق حاجة للكفاح المادّي حالياً.

ولأهميّة هذه القضية، وبسبب عدم اشتغال بديع الزمان بالسياسة وابتعاده عنها تماماً رغم إمكانيّة مساعدتها لدعوته بشكل معقول ورغم توفّر الشروط المساعدة لذلك، فسنتناول أسباب سلوك بديع الزمان هذا المسلك انطلاقاً من الأجوبة التي أجاب بها على الأسئلة التي وُجِّهت إليه بهذه الخصوص.

الأوّل: إن السياسة تحمل تأثيراً سلبياً على الأكثر في إقناع الناس و "مجيئهم" إلى الحقيقة.

"إن أعظم خطر على المسلمين في هذا الزمان هو فساد القلوب وتزعزع الإيمان بضلال قادم من الفلسفة والعلوم. وإنّ العلاج الوحيد لإصلاح القلب وانقاذ الإيمان إنما هو النور وإراءة النور. فلو عُمل بهراوة السياسة وصولجانها واُحرز النصر، تدنى أولئك الكفار إلى درك المنافقين. والمنافق - كما هو معلوم - أشد خطراً من الكافر وأفسد منه. فصولجان السياسة إذاً لا يصلح القلب في مثل هذا الوقت، حيث يُنزل الكفر إلى أعماق القلب ويتستر هناك وينقلب نفاقاً.

ثم إن شخصاً عاجزاً مثلي، لا يمكنه أن يستعمل النور والهراوة معاً في هذا الوقت، لذا فأنا مضطر إلى الاعتصام بالنور بما املك من قوة، فيلزم عدم الالتفات إلى هراوة السياسة أياً كان نوعها. أما ما يقتضيه الجهاد المادي، فتلك الوظيفة ليست مناطة بنا حالياً. نعم! إن الهراوة هي لوقف تجاوز الكافر أو المرتد عند حدّه، ولكن لا نملك سوى يدين، بل لو كانت لنا مائة من الأيدي ما كانت تكفي إلاّ للنور فلا يد لنا تمسك بهراوة السياسة".[52]

الثانية: يمكن استثمار "حقائق الإيمان" ويمكن تخفيف قيمتها. وفي نظر بديع الزمان إنّ حقائق الإيمان وخدمتها هي أعلى شيء في الدنيا. وقد ابتعد بدقّة عن كلّ نشاط يفتح الطريق لاستثمار هذه الحقائق[53] ولا يمكن أن تصير آلة وتابعة لأي شيء وخاصة للتيارات والقوى السياسية. لذلك فإن خدمة القرآن الحكيم منعت طلبة رسائل النور من الاشتغال بالسياسية بشكل قاطع.[54]

الثالثة: أهم سبب لابتعاد بديع الزمان عن السياسة، هو الإخلاص الذي يعدّ "أكبر قوة"[55] لمنهج رسائل النور "وأساسها" والإخلاص هو قيام طلبة رسائل النور بوظيفة خدمة القرآن والإيمان، وعدم التدخّل بالوظائف الإلهية التي تصير حساسة دقيقة عند الدخول في أمور السياسة، وعدم محاولة قطف ثمار هذه الخدمة بسرعة في هذه الدنيا. وكتب بديع الزمان:

"إنّ أعظم شرط للجهاد المعنوي عدم التدخّل في ما هو موكول أمره إلى الله، فواجبنا الخدمة، أما النتيجة فموكول أمرها إلى الله تعالى ونحن مكلفون بإبداء وظيفتنا".[56]

الرابعة: قضية التحيز وقضية الإخلاص فيقول بديع الزمان:

"إن أهم سبب لهذا الاجتناب وعدم الاهتمام بالتيارات الجارية، هو الإخلاص؛ الذي هو أساس مسلكنا، فالإخلاص هو الذي يمنعنا عن ذلك، لأنّ في زمن الغفلة هذا، ولا سيما من يحمل أفكاراً موالية إلى جهة معيّنة، يحاول أن يجعل كل شيء أداة طيعة لمسلكه، بل يجعل حتى دينه وأعماله الأخروية وسائل لذلك المسلك الدنيوي. بينما الحقائق الإيمانية والخدمة النورية المقدسة تأبى أن تكون وسيلة لأي شئ كان في الكون، ولا يمكن أن تكون لها غاية إلاّ رضى الله سبحان.

وفي الحقيقة، إنّه من الصعوبة بمكان، الحفاظ على سر الإخلاص في خضم الصراعات المتنافرة للتيارات الحالية، ومن العسير الحيلولة دون جعل الدين وسيلة لمكاسب دنيوية، لذا أفضل علاج لهذا هو الاستناد إلى العناية الإلهية وتفويض الأمر إلى توفيق رب العالمين بدلاً من الاستناد إلى قوة التيارات الحالية".[57]

الخامسة: التحيّز إلى جانب فتح الطريق لاستغلال الناس للدين ،له نتائج سلبية أخرى، منها هدم وإفساد الوحدة بين المسلمين.[58]

السادسة: السبب الآخر الذي يجعل بديع الزمان وطلبة رسائل النور مضطرين إلى للابتعاد عن الاشتغال بالسياسة هو عدم التسبّب بإضرار الآخرين. وبالنسبة لبديع الزمان إن الإضرار بالأبرياء بسبب أخطاء الآخرين منافٍ للعدالة الإسلامية.

واتخذ لنفسه حكماً "لا يؤخذ أحدٌ بجريرة غيره" واستخرجه من الآية الكريمة ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾الأنعام:164 ويقتبس منها دستوراً وخاصة خلال المقايسة بين الحضارة الإسلامية والحضارة المعاصرة. وذلك لأنّ هذا الدستور يتعرض للإخلال من طرف الحضارة عن عمد واستمرار. وفي الرسالة المعروضة أدناه يشير أثناء تناوله لموضوع الجهاد أنّ استخدام القوة والشدة خارج الحقوق حتى لو كان ضمن دائرة الإسلام وهنا يحتمل أن يكون قد استخدم تعبير "دائرة الإسلام" بدل تعبير "دار الإسلام" لما تحمله الثانية من إيماءات سياسيّة.

"ولو كان الجهاد قائماً وهو جهاد إسلامي، فإنّ حال أطفال الكفّار تبقى على وضع آبائهم، وربّما يكونون من الغنائم ويتمكّن المسلمون أن يجعلوهم تحت إمرتهم وملك يمينهم. ولكن لو ارتدّ أحد داخل ديار المسلمين، فلا يُمتلك أطفاله قطعاً. ولا يجوز التجاوز على حقوقهم بأي شكل من الأشكال، لأن أولئك الأبرياء إنّما يرتبطون بالإسلام وبجماعة المسلمين، برابطة الإسلام، التي انقطعت عن والدهم. أمّا أولاد الكفار فرغم أنّهم من أهل النجاة، فهم يتّبعون والدهم في الحقوق والحياة. لذا ربّما يكونون أسراء أو مماليك عبيد في أثناء الجهاد الإسلامي."[59]

"الجهاد المعنوي" و "الحركة الإيجابية":

لقد وضّح بديع الزمان الأهميّة المركزيّة لمفهوم "الجهاد المعنوي" في منهج رسائل النور لتلاميذه في الدرس الأخير الذي ألقاه عليهم قبل وفاته[60] وقد كرّر بديع الزمان الخاصية المبيّنة أعلاه في عدم التسبّب بإضرار الأبرياء بسبب بعض الآثمين. لذلك لم يسمح "بجواز استخدام القوة في دائرة الإسلام". بل يقابل العدوّ الخارجي بالقوّة، وذلك لأنّ مال العدو وعياله وأطفاله بحكم الغنائم، كما ذكر بديع الزمان الآية ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾الأنعام:164

وبيّن أنّ هناك فرقا كبيرا بين الجهاد الداخلي والجهاد الخارجي اليوم. والحركة داخل البلاد، يعني داخل "دائرة الإسلام" مضطرّة إلى أن تكون "حركة إيجابية" وكون التخريب الموجود ليس تخريباً مادياً فقط، وإنّما أخلاقيّاً ومعنوياً، فيجب أن يكون الكفاح تجاهه بنفس الميزة.

"إنّ وظيفتنا هي الحركة الإيجابية البنّاءة وليست الحركة التخريبيّة الهدّامة، بل تنحصر وظيفتنا في الخدمات الإيمانية وفق رضى الله سبحانه من دون التدخّل فيما هو موكول أمره إلى الله. فنحن مكلّفون بالتحمّل والصبر في أثناء أداء خدمتنا الإيمانيّة التي تنتج الحفاظ على الأمن والنظام".[61]

والحقيقة أنّ بديع الزمان عرّف طلبة رسائل النور بأنّهم "المحافظون على الأمن". وذلك لأنهم كانوا "يدعون في عقل كلّ واحد منهم مانع" يمنع من الحركة الخاطئة "وذلك بدرس الإيمان. فيحافظون على الأمن".[62]

ويوضح بديع الزمان سبب اهتمامه الكبير بعمل رسائل النور في رسالة كتبت في أواسط سنة 1940م.يذكر أنّه كون رسائل النور "المخلص المعنوي لهذا الوطن المبارك" ومن أجل "دفع البلاءين المعنويّين" اللذين نواجههما. ومن أجل إيقاف الفوضى والتفسّخ الناتجين عن نشاطات النظام الجديد، يفكّر بأنّه جاء وقت الظهور بعالم المطبوعات.[63]

وأحد هذين البلاءين أو التيّارين، هو تيّار الشيوعيّة الذي جاء من الشمال ولم يقف عند تهديده لتركيا فقط بل اكتسح مكاناً به في البلاد. والثاني هدفه نشر اللادينية وسوق المجتمعات المسلمة للسفاهة والتفسّخ، وهي لجان الفساد التي جذورها في الخارج، وهذين التياران يمثّلان الكفر المطلق. دون أن ننسى أنّ الهدف النهائي للثاني هو هدم العالم الإسلامي، وقطع جميع الروابط بينه وبين هذا المركز الإسلامي بمختلف وسائل الدعاية. وإذا حرم العالم الإسلامي من مصدر القوة يعني نصيره الطبيعي فإنّ الأمّة التركية لن تستطيع مواجهة إفساد هذين التيارين اللادينيين، وستصير لقمة سائغة للفوضى الناتجة عن التخريب المعنوي.[64] وذلك لأنّه كما قال بديع الزمان "لا تعيش الأمة بلا دين".[65] وإنّ "رسائل النور تشكل سداً قرآنياً تجاه التخريب المعنوي" الذي يقوم به الطوفان الشيوعي القادم من الشمال ومؤيدوه السريّون داخل البلاد، هي إذن تؤدّى دور الإصلاح بقوّة القنبلة النووية، من أجل معالجة الإنسان المضطرب من جراء هذه التيارات.

وقد بين بديع الزمان في الرسالة التي هي في "غاية الأهمية" أنّ أهم وظيفة و أكبر أساس لطلبة رسائل النور تجاه التخريبات المعنوية هي التقوى، اجتناب المنهيات والآثام، والعمل الصالح واكتساب الخيرات.

"لقد فكّرت -في هذه الأيّام- في أسس التقوى والعمل الصالح، اللذين هما اعظم أساسين في نظر القرآن الكريم بعد الإيمان.

فالتقوى: هي ترك المحظور والاجتناب عن الذنوب والسيئات. والعمل الصالح: هو فعل المأمور لكسب الخيرات.

ففي هذا الوقت الذي يتسم بالدمار -الأخلاقي والروحي- وبإثارة هوى النفس الأمارة، وبإطلاق الشهوات من عقالها.. تصبح التقوى أساساً عظيماً جداً بل ركيزة الأسس وتكسب أفضلية عظيمة حيث إنها دفع للمفاسد وترك للكبائر، إذ أن درء المفاسد أولى من جلب المنافع قاعدة مطردة في كل وقت.

وحيث إن التيارات المدرة أخذت تتفاقم في هذا الوقت، فقد أصبحت التقوى اعظم أساس وأكبر سد لصد هذا الدمار الرهيب. فالذي يؤدي الفرائض ولا يرتكب الكبائر، ينجو بإذن الله، إذ التوفيق إلى عمل خالص مع هذه الكبائر المحيطة أمر نادر جداً.

إن عملاً صالحاً ولو كان قليلاً يغدو في حكم الكثير ضمن هذه الشرائط الثقيلة والظروف العصيبة".[66]

ويبيّن بديع الزمان أنّ قوى الشر التي عملت معنويا للفساد وإفساد الأمن خلال 1954-1955م في تركيا، كانت أكثر فاعلية ممّا كانت عليه في مصر والمغرب وإيران، لكنها لم تنجح لأن ستّمائة ألف نسخة من رسائل النور وخمسمائة ألف من طلبة النور شكلت قوة معنوية ضابطة قاومت هذا التخريب المعنوي.[67]

الوجهات الأخرى "للحركة الإيجابية":

إنّ منهج رسائل النور يرى اتّخاذ الحركة الإيجابية حتى لأتباع المناهج الأخرى داخل الإسلام، بل حتى لمؤيّدي الأفكار المنحرفة داخل الإسلام لدى مواجهة النصرانية، حتى لو تصرفوا بشكل متجاوز وعدائي. إذ يرى أنّه يجب على المؤمنين بالله أن يتركوا الصراع فيما بينهم ويتّحدوا في جبهة تجاه القوى اللادينية:

"وأنتم بدوركم لا تسوقوا ذلك العالم الفاضل ولا أمثاله من العلماء إلى المناقشة والمناظرة. ولو حدث تعدّ وتجاوز علينا، فلا تقابلوه حتى بالدعاء عليهم. إذ إن ذلك المتجاوز أو المعترض أيا كان، هو أخونا من حيث الإيمان لأنه مؤمن، حتى لو عادانا، فلا نستطيع أن نعاديه بمثل عدائه، حسب ما يرشدنا إليه مسلكنا. لأن هناك أعداء شرسين وحيّات لاذعة ونحن لا نملك سوى النور، لا الصولجان. والنور لا يؤلم، بل يلاطف بضيائه، ولا سيما الذين هم ذوو علم فلا تثيروا غرورهم العلمي إن كانوا على غرور وأنانية، بل استرشدوا ما استطعتم بدستور الآية الكريمة ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾.(الفرقان:72)

ثم إن ذلك الشخص المحترم، كان داخلاً في دائرة رسائل النور، واشترك في استنساخ الرسائل، فهو إذن ضمن تلك الدائرة، فاصفحوا عنه حتى لو كان يحمل خطأ فكرياً.

فليس مثل هذا الشخص الفاضل من ذوي الدين والتقوى المنسوبين إلى الطرق الصوفية بل حتى من المؤمنين المنسوبين إلى فرق ضالة، لا ينبغي أن نثير معهم نزاعاً وخصاماً في هذا العصر العجيب، بل لا نجعل نقاط اختلاف ونزاع موضع نقاش مع المؤمنين بالله واليوم الآخر حتى لو كانوا من النصارى.

هذا ما يقتضيه هذا العصر العجيب، وما يقتضيه مسلكنا الذي نسلكه، وما تقتضيه خدمتنا المقدسة".[68]

"العمل الإيجابي البنّاء، وهو عمل المرء بمقتضى محبّته لمسلكه فحسب، من دون أن يرد إلى تفكيره، أو يتدخل في علمه عداء الآخرين أو التهوين من شأنهم، أي لا ينشغل بهم أصلاً".[69]

"إنّ وظيفتنا هي الحركة الإيجابيّة البنّاءة وليست الحركة التخريبية الهدامة، بل تنحصر وظيفتنا في الخدمة الإيمانية وفي رضى الله سبحانه من دون التدخل فيما هو موكول أمره إلى الله. نحن مكلّفون بالتحمل والصبر في أثناء أداء خدمتنا الإيمانية التي تنتج الحفاظ على الأمن والنظام".[70]

وعند شرح الحكمة في عدم مقابلة هذا الظلم الأشدّ الذي يقوم به الأعداء المتسترين في هذا الوطن "بالقوة" أو "بشكل سلبي" يبين مرة أخرى "كي لا يتضرر تسعين بالمائة من الأبرياء بسبب عشرة بالمائة من الزناديق. وللمحافظة على الأمن من أجل سلامة الأبرياء".[71]

سعيد الثالث:

يتّضح ممّا بيّنا أعلاه وحسب رأيي، أنّ بديع الزمان سعيد النورسي قام بتوضيح المبادئ العامة التي ترسم حدود "الجهاد في سبيل الله" و "إعلاء كلمة الله" في هذا القرن وذلك خلال العشر الأوائل من هذا القرن. وتمسّك طوال حياته بهذه المبادئ. وإلى جانب ذلك فقد طوّر مبادئ "الجهاد المعنوي" و "الحركة الإيجابية"، واتّخذ القرآن مرشداً وحيداً وحلّل كل شيء بالاستناد إليه، وذلك في مرحلة سعيد الجديد. ولم يضع بديع الزمان هذه المبادئ على شكل بيان رسمي، بل وضعها لتلاميذه عندما تطلبت الأمور ذلك، لذلك نلاحظ أنّه عندما تغيرت الشروط وخفّت وطأة النفي والأسر التي تعرّض لها بديع الزمان طوال ثلاث وثلاثين سنة، نشاهد أنّ هذا الجهاد بدأ ينكشف شيئاً فشيئاً. وحسب رأيي، فإنه بدل تصحيح وتعديل آراءه وأفكاره حسب الأحداث المتغيرة، قام بتعيين منهج وطراز جهاده المعنوي بفراسته وتقديراته للأحداث قبل وقوعها، ثم قام بشرح هذا المنهج والطراز حسب سير الأحداث، وهذا يدل على أنّه قد رسم الطريق لتلاميذه وللناس بهذا الشكل، فضلاً عن ذلك فإن مشاهداته لسير الأحداث وفراسته للمستقبل وتأسيسه لأسس "الجهاد المعنوي" و "الحركة الإيجابية"، تدلّ على انّه ترك أسساً توضّح الطريق للاستمرار في الجهاد حتى بعد وفاته. وإنّ الانكشاف العظيم لرسائل النور خلال الخمس والثلاثين سنة بعد وفاته ونجاحها على المستوى العالمي يثبت إصابة رأيه ذلك.

وإلى جانب الاستمرارية في الأفكار التي بينها بديع الزمان في مرحلة سعيد القديم، فإن أهم دليل على فراسته و استكشافه لسير أحداث "الجهاد المعنوي" مسبقاً هو قيامه في السنوات العشر الأخيرة من حياته -وهي المرحلة المعروفة بمرحلة سعيد الثالث- بترديد نفس الأفكار التي قالها في بداية هذا القرن في مرحلة سعيد القديم. وبعد انتخابات سنة 1950م التي أدّت إلى هزيمة حزب الشعب الجمهوري، وبمجيء عدنان مندرس والحزب الديمقراطي الذي يتبع سلوكاً إيجابياً تجاه الإسلام ويحمل نوايا لإلغاء الإجراءات المعادية للإسلام التي كان يقوم بها حزب الشعب الجمهوري إلى السلطة، خفّت الشروط لدرجة ما بالنسبة لبديع الزمان وطلبته وأعطته فرصة لتوسيع جهاده. وهذا التطور الذي يظهر الاستمرار في أفكاره ينعكس فيه كثير من أفكار سعيد القديم أيضاً.

إن الطرق الرئيسية التي وسّعها بديع الزمان داخل ساحة هذا الجهاد هي كالتالي:

1- دعم مندرس والحزب الديموقراطي وتوضيح الطريق لهم:

لقد دعم بديع الزمان طيلة الخمسينات من هذا القرن مندرس والحزب الديمقراطي بسبب سلوكهم المعادي للشيوعية والمتسامح مع الإسلام والدين ومحاولتهم ترميم التخريبات المعنوية التي تسبب بها حزب الشعب الجمهوري طيلة خمس وعشرين سنة. وقد كان هذا الدعم لمنع عودة حزب الشعب الجمهوري للحكم من طرف -ذلك لأنّ هناك احتمال خطر سيطرة الشيوعيون على الوطن تحت حكم هذا الحزب. وقد شوهدت إصابة هذا الرأي بعد وفاته- ومن طرف آخر، تفكيره في أن الديموقراطيين يساعدونه في مساعيه على تشكيل "سد" من طلبة رسائل النور تجاه التخريبات المعنوية.[72]

وهذا الدعم لم يكن مشاركة فعّالة في السياسة، بل كان على شكل توصية وإرشاد يتعلق بالخواص المذكورة أعلاه، ومن أجل التقدم بالإسلام وبرسائل النور. وذلك كما كتب بديع الزمان لجلال بايار عندما انتخب رئيساً للجمهورية سنة 1950م.

"إن الذين سامونا العذاب قد جعلوا السياسة أداة طيعة في سبيل الإلحاد، ونحن بدورنا سعينا لسعادة هذا الوطن والأمة بجعل السياسة أداة للدين وفي مصالحة معه".[73]

بالنسبة لبديع الزمان إنّ الواسطة الوحيدة للسعادة والسكينة في الدنيا والآخرة هي الإسلام. وإنّ التخريبات المعنوية التي أدّت إليها المادية واللادينية ستسبّب الفوضى والانهيار، وستخرب في النهاية البلاد والعباد. وقد كانت هناك أقلية صغيرة تمثل القوى التي تعمل لهذه التخريبات، كانت هي من استخدمت السياسة آلة للادينية وتسببت في تعريض بديع الزمان وطلبته للظلم والتعذيب. وإنّ الكفاح الذي قام به بديع الزمان طيلة خمس وعشرين سنة كان ضد هذه "الخمسة بالمائة" وضد التفسخ والفساد الذي ستفتحه أهدافهم المشؤومة.

لهذا السبب كانت توصيات بديع الزمان لمندرس والديموقراطيين هي على شكل تنويرهم بخصوص التيارات اللادينية والإلحادية، وإيقاظهم تجاه النتائج المستقبلية المحتملة لها. وقد عرض مجموعة من الدساتير القرآنية التي توقف ذلك وتصلحه. والنقطة التي أراد بديع الزمان أن يبينها لهم، هي الصراع بين الإيمان والكفر، وبين الدين والفلسفة المادية. "إنّه لا وسط بين الكفر والإيمان، ففي هذه البلاد وتجاه مكافحة الشيوعية فليس هناك غير الإسلام؛ وليس هناك وسط. لان التقسيم إلى يمين ويسار ووسط، يقتضي ثلاثة مسالك".[74] ثمّ إنّ المبادئ التي قبلت خلال فترة التغريب، هي في الأساس ظالمة، وغير عادلة، وتؤدّي إلى الانحياز المفرط داخل المجتمع، والعنصرية والاستعمار واستبداد منتسبي الدولة وتفتح الطريق للنقمة والخلاف. وبالفعل، قامت بتخريب النظام العام و وحدة المجتمع وتناسقه، وأعدّت الأرضية للتفسخ والإفساد، والفوضى، والظلم. والحلّ الوحيد تجاه هذه الأخطار هو الأخوة الإسلامية، ومفهوم "الملية الإسلامية"، والنظام العام، والعدالة الحقيقية، والتعاون وغيرها من الأسس.[75]

فبديع الزمان بين أنّ الذي سيوقف اللادينية وتخريباتها ليس "القوى المادية، والتدابير الخارجية والداخلية والاتفاقات"، بل أشار إلى أنّه "القرآن والحقائق الإيمانية... والمعنويات القلبية فقط". لذلك بارك محاولة الحكومة لإعادة التعليم الديني للمدارس.[76]

وقد ذكر بالعاملين لأجل نفس الغايات في المراحل الأولى من حياته، وشجع الديمقراطيين للسعي بنفس الاستقامة، وقد وصف بديع الزمان قسماً منهم بـ "الأحرار" الذين يعملون لأجل الحرية الحقيقية التي توافق الأسس الإسلامية، يعني "الحرية الشرعية".[77]

2- التوسع في نشاطات النشر

لقد سعى بديع الزمان لتأمين الدعم الرسمي لرسائل النور، بعرضه تأثيراتها في إصلاح التخريبات المعنوية والأخلاقية. وقد طالب الحكومة بهذه الوسيلة أي للقيام بطبع ونشر الرسائل.[78] لكن لم تصل هذه المحاولة إلى نتيجة، ولكن بعد صدور قرار ببراءة رسائل النور من محكمة أفيون، سمح لتلاميذه بطبعها في المطابع الحديثة وبالأبجدية اللاتينية.

وفي السنوات التي تلت سنة 1950م قامت مجموعة من طلبة بديع الزمان بالمكوث في أنقرة من أجل إجراء هذا الطراز من النشاط، واللقاء مع النواب في مجلس الأمّة، والعمل بشكل فعال بدعوة رسائل النور. وقد سمى بديع الزمان طلبته الموجودين في أنقرة بـ "جبهة المجاهدة"، وصارت على شكل مركز للنشر بعد سنة 1956م.[79]

وقد نشر بديع الزمان مرة أخرى في الخمسينات كتاب المناظرات وشهادة مدرستي المصيبة والتي تضم أفكاراً كثيرة من أفكار سعيد القديم المذكورة أعلاه. وقد ترجم الخطبة الشامية التي ألقاها في الجامع الأموي من أصلها العربي إلى التركية مع إجراء بعض الإضافات عليها.

3- انتشار حركة رسائل النور

إنّ نشر رسائل النور بالأبجدية الحديثة، أدّت إلى انكشاف كبير في نقطة انتشار وقراءة حركة رسائل النور. وقد فتحت مراكز لدراسة رسائل النور "درسخانة" في جميع أنحاء البلاد نتيجة ذلك.[80]

4- الاتحاد الإسلامي

الاتحاد الإسلامي هو الخاصية المتقدّمة التي تتخذ مكانها داخل الجهاد المعنوي الموسع عند سعيد الثالث، وقد سعى من أجل ذلك في شبابه.

وهذا يشمل مساعيه لسوق مندرس لتأسيس العلاقات من جديد مع العالم الإسلامي والتي ألغيت منذ تأسيس الجمهورية تماماً، وترجمة رسائل النور إلى العربية ونشرها في العالم الإسلامي.

وقد أعطى أهمية كبيرة لهذه الخصوص في رسائله إلى مندرس والحكومة. وإلى جانب إيقاظه بخصوص التيارات التي تهدف نشر اللادينية ونشر فقدان ثقة العالم الإسلامي تجاه تركيا، فقد شجّع بديع الزمان الديموقراطيّين للتمسّك بالقرآن. وذلك لأنّهم سيكتسبون 400 مليون أخ وسيجدوا خلفهم العالم الإسلامي "كقوة احتياطية".[81]

وفي هذا الوقت، يعني عندما اكتسبت الدول الإسلامية في آسيا وأفريقيا استقلالها من القوى المستعمرة وأسّست "الدول الإسلامية" في نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات، بدأ بديع الزمان يتحدّث بأمل وتفاؤل في موضوع حاكمية الإسلام للمستقبل بشكل قطعي كما كان في بداية هذا القرن.[82] ويذكر الإشارات المتعلقة بقبول الإسلام في الغرب لتأييد ادعائه.

وفي بداية الخمسينات من هذا القرن شاهد بديع الزمان الدول الإسلامية في اتحاد محتمل يستند على الأخوة الإيمانية:

"نهنئ من كل أرواحنا وقلوبنا عيدكم السعيد، نسأله تعالى أن يرزقكم رؤية عيد العالم الإسلامي الكبير، إنّ القرآن الحكيم الذي هو دستور مقدس للجماهير المتفقة الإسلامية سيكون مهيمناً في المستقبل وستسعد البشرية جمعاء بذلك العيد العظيم، وهناك أمارات تدل على ذلك".[83]

5- مدرسة الزهراء

لقد قبل بديع الزمان تخطيط الحكومة الديموقراطية لتأسيس جامعة في شرقي الأناضول باسم مشروع "مدرسة الزهراء"، وقدّم التوصيات لإعطائه أساساً دينيّاً[84] ويجب مطالعة هذه الفكرة دورها المهم الذي فكر بديع الزمان أنها ستلعبه في صدّها للعنصرية الانفصالية و ضمان السلام والاتّحاد بين الشعوب الإسلامية. ويمكن ملاحظة ذلك في المكتوب الذي يضم آراءه حول جامعة الشرق تحت نفس الضوء الذي يدعم فيه تأسيس حلف شمالي الأطلسي.

6- سلوكه تجاه الغرب

وكما بينا أعلاه في قسم "الجهاد الخارجي عند سعيد القديم" فإن بديع الزمان قال بوجوب شرح الماهية السامية للإسلام للأوروبيين، وإذا تمّ ذلك فإنهم سيقدمون «سيدخلون» إلى الإسلام أفواجاً لأنّ "الغلبة على المتحضرين تكون بالإقناع". وخاصة عندما يقوم بتقييم الحرب العالمية الثانية، بيّن بديع الزمان في كثير من رسائله أنّه اكتشف إشارات حول قبول الإسلام في الغرب في المستقبل.[85]

وإلى جانب ذلك وبعد الحرب العالمية الثانية رأى أن الفوضى الصادرة عن الشيوعية واللادينية هي أكبر المخاطر التي تواجه الإنسانية، وأيّد الاتفاق مع الغرب لمواجهة هذا الخطر. وكان رأيه على الشكل التالي: إن القوى الأوروبية التي كانت ضد الاتحاد الإسلامي، لن تستطيع معارضته بعد الآن، بل العكس إنهم يحتاجون إليه.[86] لهذا السبب يؤيدون حلف بغداد. ورأى أن أمريكا هي دولة "تعمل لصالحه"، وعرض آراء تستند على هذا الأساس وأنّه يمكن إقامة علاقات حميمة معها.[87]

النتيجة:

إن النية المبيتة لبديع الزمان في مواجهة الجهاد "الجهاد المعنوي"، و"الحركة الإيجابية"، هي مواجهة الفلسفة الغربية المادية التي يراها أكبر خطر تجاه الإسلام والإنسانيّة في هذا العصر، وتجديد الإيمان وجعله موافقاً ومفهوماً للكتل المؤمنة بالإسلام وخصوصاً منهم الذين تعرضوا للفلسفة، وإنشاء العالم الإسلامي من جديد وإحيائه، ووضع الأسس التي تشكّل الحضارة الإسلامية من جديد؛ فإلى جانب إنقاذه إيمان المسلمين، فإنّ مثل هذا الجهاد سيجلب كثيراً من الناس في الغرب إلى الإسلام دين الحق.

وكون الصراع بين الحق والباطل في العصر الحديث هو صراع ثقافي وأيديولوجي أكثر ممّا هو صراع قوة، فإنّ أسلحة الجهاد المعنوي عند بديع الزمان هي الأدلة المنطقية لحقائق الإيمان؛ الإثبات والإقناع. وهو يقطع العلاقة بين الطبيعة والسبب والنتيجة التي هي أساس الفلسفة المادية بسيف القرآن الألماسي، ويزيل الشبهات التي يؤدّي إليها من طرف، ويكسب الإنسان "الإيمان التحقيقي" من طرف آخر. إنّ منهج الحقيقة هذا الذي أخذ إلهامه من القرآن مباشرة ويعكس عظمته واحتشامه، تنبّه إليه بواسطة التطورات العلمية في هذا العصر، فهو يجيب على احتياجات الإنسان المتيقظ، ويشكل الأساس الذي سيطوّر التقوى الحقيقية والأخلاق الإسلامية.

هذا الإيمان هو أساس "الحركة الإيجابية" التي هي المحصّلة الثانية لجهاد بديع الزمان، و التي تشكل الكفاح تجاه التخريبات المعنوية التي تؤدّي إليها الشيوعية، الواجهة المهمة لسائر البناءات الإلحادية العالمية التي تعدّ كالفروع المختلفة للفلسفة المادية. ومثل هذه الحركات أو التيارات مع الإسلام تجري حروباً إيديولوجية، وتسعى لإفساد الدول الإسلامية وتقسيمها ونشر الفوضى، وتوجهها إلى اللااستقرارية وبهذا تقضي عليها تماماً؛ لذلك فكر بديع الزمان أن الوظيفة الأولى لطلبة رسائل النور هي المحافظة على الأمن تجاه الإثارات المقصودة والشديدة، والظلم، والسعي لتحقيق وحدة المجتمع وتعاونه.

حتى في أقسى أيّام حكومة حزب الشعب الجمهوري، فقد حمل بديع الزمان مسؤولية النشاطات المخربة تجاه الإسلام لقسم لا يتجاوز خمسة أو عشرة بالمائة. وكما قال في المحاكم، كان يكافح تجاه الذين يسعون القضاء عليه وعلى أتباعه، وتجاه الذين يدعمون التيارات الإلحادية وغيرها بشكل سري. ولم يقم بديع الزمان بمعارضة نظامهم الذي يسعون لتطبيقه أو حكومتهم تجاه خططهم التي فهمها بشكل جيد، ذلك ليستطيع المحافظة على الأمن، و بالتالي إفشال خططهم. ورغم الأوضاع السلبية التي عاشها والظلم الذي تعرض له خلال خمس و ثلاثين سنة باسم العلمانية، استمر بجهاده داخل النظام، حتى انه استطاع استخدام النظام لصالحه قدر الإمكان.

هذا الكفاح المصابر أوصل بديع الزمان وتلاميذه إلى النصر تجاه أعدائهم. وإلى جانب سماح مندرس والديموقراطيين بنشر رسائل النور، فقد استطاع بديع الزمان توسيع دائرة جهاده بعد مجيئهم إلى الحكم سنة 1950م كما بينا أعلاه.

وقد كان بديع الزمان مقتنعاً قناعة قطعية أن القرآن والحضارة الإسلامية ستحكم في المستقبل وأن الحكم سيكون لكلمة الله. حيث أخذ إلهامه من القرآن، وأدرك أن ذلك يتحقق بمعانقة جميع المجتمع والتغيير المتدرج والتجديد على المستوى الأساسي والإصلاح والإنشاء من جديد. والإصرار على الترقي المادي شكّل الفرق الأساسي بين سعيد القديم وسعيد الجديد.

وقد طور بديع الزمان مبادئ "الجهاد المعنوي" و "الحركة الإيجابية" تحت الشروط الصعبة خلال السنوات العشر الأوائل في الجمهورية التركية، ووضّح الماهية الأصلية للصراع بين الحق والباطل في القرن المعاصر، وشرح ذلك بمواجهة القرآن و "الفلسفة"، وأمّن الوسائط والأصول المناسبة للدفاع عن الأول، والكفاح بمواجهة الثاني، وشرح بإصرار لزوم "إصلاح ومعالجة" الفساد والتفسّخ الذي سببته القوى التي تمثل هذه الفلسفة في المجتمع، وكان يضع أسس جهاد يمتدّ إلى ما بعد الزمان والمكان الذي كان يعيش فيه. والحقيقة أنّ بديع الزمان كان متفائلاً بقبول العالم الإسلامي منهج التجديد الإيجابي الذي يحقق الأساس السليم لوحدته واتحاده في المستقبل.

* * *


[1] مترجمة رسائل النور إلى اللغة الإنكليزية.

[2] ابن قيم الجوزية، "زاد المعاد" ترجمة للتركية اوزن والآخرين، إسطنبول، منشورات إقليم، 1989م، مج 3، ص 12.

[3] الكتب الستة ترجمة للتركية وشرحها "إبراهيم جانان" أنقرة، منشورات آق جاغ، 1988م. مج 5، ص 26.

[4] زاد المعاد، مج 3، 24- 5؛ 198.

[5] الموسوعة الإسلامية - مادة "الجهاد" "احمد اوزل"، إسطنبول، وقف الديانة التركي 1993م، مج7، ص 530-1.

[6] الماليلي م. حمدي يازير، دين الحق ولغة القرآن، إسطنبول، جريدة زمان/ دار عزم للنشر والتوزيع، مج2، / 167.

[7] المصدر السابق، مج 2، ص 153.

[8] فهرسة المقاصد لبديع الزمان سعيد الكردي، فولقان، رقم 84، داخل الآثار البديعية. ص 375.

[9] صيقل الإسلام - المحكمة العسكرية العرفية/469.

[10] الكلمات/292.

[11] نفس المصدر السابق.

[12] بديع الزمان سعيد النورسي، سكة التصديق الغيبي، إسطنبول، مطبعة سنان 1960، ص 76.

[13] بديع الزمان سعيد النورسي، المكتوبات، إسطنبول، دار سوزلر للنشر، 1981م، ص 343.

[14] مؤلف كليات رسائل النور، بديع الزمان سعيد النورسي، حياته، ومنهجه، وسيرته الذاتية، دار سوزلر للنشر، 1976م، ص 43.

[15] بديع الزمان سعيد النورسي، الخطبة الشامية، إسطنبول، مطبعة سنان 1960، ص 31.

[16] انظر بديع الزمان سعيد النورسي، السنوحات، دار سوزلر للنشر 1977م، ص 60-61. المكتوبات، ص 445.

[17] الخطبة الشامية، ص 29.

[18] فهرست المقاصد لبديع الزمان، فولقان، رقم 83 الآثار البديعية، ص 373.

[19] انظر الخطبة الشامية، ص 18-29. بديع الزمان سعيد النورسي، المناظرات، دار سوزلر للنشر 1977، ص 38، السنوحات، ص 36.

[20] انظر بديع الزمان سعيد النورسي، محاكمات، دار سوزلر للنشر 1977م، ص 37-38. من أجل المقايسة بينهما انظر السنوحات ، ص 43- 46. الكلمات، ص 119- 120، 379- 382، 664- 666. بديع الزمان سعيد النورسي اشارات الإعجاز، دار سوزلر للنشر، 1978م، ص 47-49.

[21] صيقل الإسلام الخطبة الشامية، ص 500.

[22] رد الأوهام، فولقان، رقم 91. الآثار البديعية، ص 381. الخطبة الشامية، ص 86.

[23] صيقل الإسلام - الخطبة الشامية 527.

[24] رد الاوهام، فولقان، رقم 91، الآثار البديعية، ص 381- 382.

[25] صيقل الإسلام الخطبة الشامية، ص 494.

[26] انظر الخطبة الشامية، ص 20- 28؛ 32- 37. المناظرات، ص 37- 38.

[27] انظر شكران واحدة، The Avthor of the Risale-i Nur, Bediuzzaman said Nursi, Istanbul, Sozler puhlications 1992 ص 111-113، 115-123.

[28] إشارات الإعجاز، ص 7-8.

[29] صيقل الإسلام الخطبة الشامية، ص 512.

[30] بديع الزمان، فهرست المقاصد، فولقان، رقم 84، داخل الآثار البديعية، ص 386.

[31] صيقل الإسلام - الخطبة الشامية/534.

[32] انظر ديوان الحرب العرفي، ص 22- 25.

[33] The Auther of the Risale-i Nur، بديع الزمان سعيد النورسي، ص 68-71.

[34] المحاكمات العقلية، ص8.

[35] بديع الزمان سعيد النورسي، الشعاعات، إسطنبول، مطبعة جلنوت 1960، / 152. المحاكمات العقلية، / 153.

[36] سكة التصديق الغيبي، ص76.

[37] بديع الزمان سعيد النورسي، ملحق اميرداغ، إسطنبول، مطبعة سنان 1959م، أ، 191.

[38] السيرة الذاتية، ص 131.

[39] مثال لذلك انظر، ملحق اميرداغ، أ، ص 66، 123، 151.

[40] الشعاعات 221.

[41] الشعاعات، ص 229.

[42] انظر الكتب السته، مج5،67.

[43] مثلاً، بديع الزمان سعيد النورسي، ملحق قسطموني، إسطنبول، مطبعة سنان 1960، ص 84.

[44] ملحق قسطموني، ص 174- 175.

[45] انظر المكتوبات، ص 347.

[46] انظر ملحق اميرداغ، أ، ص 102- 103.

[47] محسن عبدالحميد، بديع الزمان سعيد النورسي ورسائل النور من زاوية التفسير والكلام والفقه »ترجمه للتركية عبدالعزيز خطيب«، إسطنبول، نشريات جريدة يني آسيا 1993م، ص 82-83.

[48] ملحق اميرداغ. أ. ص 81. بديع الزمان سعيد النورسي، اللمعات، دار سوزلر للنشر 1986، ص 161. ملحق قسطموني، ص 184. حديث: الغزالي، إحياء علوم الدين، أ، ص 6. المناوي، فيض القدير، مج 6، ص 466. العجلوني، كشف الخفا، مج2، ص 561. السيوطي، الجامع الصغير، رقم 10026.

[49] بديع الزمان سعيد النورسي. مرشد اهل القران، دار سوزلر للنشر 1991، ص 170-172.

[50] انظر ملحق قسطموني، ص 102، ص 135. اللمعات، ص 146.

[51] انظر ملحق اميرداغ، مج1، ص 259- 261. ملحق قسطموني، ص 57، ص 104.

[52] اللمعات، ص 158. انظر المكتوبات، ص 59 -61.

[53] انظر ملحق اميرداغ، مج1، ص26. الشعاعات، ص 281.

[54] انظر ملحق قسطمونى، ص 96، ص 105.

[55] انظر ملحق قسطمونو، ص 107.

[56] انظر ملحق اميرداغ، مج2، ص 213- 214.

[57] الملاحق اميرداغ، 1/243.

[58] انظر ملحق قسطموني، ص 84.

[59] الملاحق اميرداغ، 244.

[60] ملحق اميرداغ، مج2، ص 213- 219.

[61] ملحق اميرداغ، مج2، ص 213- 214.

[62] ملحق اميرداغ، مج2، ص 128.

[63] ملحق اميرداغ، مج1، ص 101.

[64] ملحق اميرداغ، مج1، ص 214، مج2، ص 177- 178.

[65] ملحق اميرداغ، مج2، ص 216.

[66] الملاحق قسطموني، ص 169.

[67] ملحق قسطمونو، ص 106- 107.

[68] الملاحق - ملحق قسطموني 214.

[69] اللمعات / 228.

[70] الملاحق - ملحق اميرداغ، مج2، ص 213.

[71] ملحق أميرداغ، مج 2، ص 136- 137.

[72] ملحق أميرطاغ، مج2، ص 52، 177- 178.

[73] ملحق اميرطاغ، مج2، ص 17.

[74] ملحق اميردغ، مج2، ص 327.

[75] انظر ملحق اميرداغ، مج2، ص 60-61.

[76] ملحق اميردغ، مج2،ص 60

[77] مثلاً ملحق اميرطاغ، مج2، ص 20، 25

[78] انظر ملحق اميرطاغ، مج2، ص 10-11، ص 151، 178.

[79] ملحق اميرطاغ، مج 2، ص 57

[80] انظر ملحق اميرطاغ، مج2، ص 101، ص 105، ص 203.

[81] ملحق اميرداغ، مج2، ص 56، ص 178

[82] ملحق اميرداغ، مج2، ص 24- 25، ص 34

[83] ملحق اميرداغ، مج2، ص 100

[84] ملحق أميرداغ، مج2، ص 76.

[85] ملحق اميرداغ، مج2، ص 195-197

[86] انظر ملحق اميرداغ، مج1، ص 237، ص 244- 45، ص 262- 263.

[87] ملحق اميرداغ، مج2، ص 24


 

أرشيف الدراسات

15 - الإيجابية والعمل الإيجابي في رسائل النور
. محطات بارزة من التاريخ المعاصر وأثرها في حياة النورسي ومدرسته
. التّكامل الأخلاقي وأثره الإيجابي في إنشاء الشخصية الارتقائية
. بديع الزمان سعيد النورسي ومفهوم الجهاد في العصر الحديث
. العدالة والسعادة مقاربة لمفهوم المجتمع الفاضل بين النورسي والفارابي والترمذي
14 - بعض قضايا الفكر الإسلامي في رسائل النور
. قراءة الأنبياء كتاب الكون من خلال رسائل النور
. مبادئ الإصلاح التربوي عند الإمام بديع الزمان سعيد النورسي
13 - الإنسان في رسائل النور وجودا، ومهمة، وغاية
. النورسي والبعد الجمالي في أسلوبيات القرآن الكريم
. دور الشريعة الإسلامية السمحاء في تثبيت الأمن العالمي
12 - مفاهيم وردت العناية بها في رسائل النور
. الترادف في القرآن الكريم
. الإنسان والقيم عند ابن خلدون
11 - وقفات مع بعض عناصر القوة المعنوية
. جمالية المضمون العلمي في رسائل النور أصولها وملامحها
. درس الإلهيات عند النورسي معالم المنهج ومؤشرات التجديد
. نقد الْحَضَارَةِ الغربية وتقويمها فِكْرِ الإِمَامِ سَعِيدِ النُّورْسِي
10 - عنوان الملف: الأخلاق والوراثة
. البناء النصيّ للقرآن الكريم بين الوفاء للحقيقة واتّساع المعنى
. النورسي رجل الحوار والإقناع
. توحيد القلوب في رسائل النور
9 - المقاصد في رسائل النور
. العقل المؤيد بالإيمان عند الإمام النورسي أو اتصال الآيات والقيم
. مسألة الشر والسيئات وعلاقتها بالعدالة الإلهية في الخلق...
. الثنائي البلبل والوردة تعبيرا عن الحب القائم بين الخالق والمخلوقات...
. النورسي والتصوف أو من توحيد الولي، إلى توحيد الصفي
. النورسي من برزخ التصوف إلى معراج القرآن
. الرؤية الكونية للأخلاق عند النورسي وأثرها في بناء الإنسان
8 - أسرار العبرة والتعبير في رسائل النور
. اعتبار المآل واستشراف المستقبل عند بديع الزمان النورسي
. مشكلة الثقافة والحضارة في العالم الإسلامي من منظور مالك بن نبي
. مظاهر الجمالية في المحن والابتلاءات من خلال سيرة النورسي
7 - النورسي والتصوف
. منهجية النورسي في الاستدلال على الحياة الآخرة
. وقفات مع رسالة الإجتهاد للأستاذ النورسي
. المنظومة الأخلاقية عند النورسي
. النظرة الشمولية إلى العدالة عند النورسي
6 - دعوة رسائل النور
. أصلح نظام لتسيير العالم الإنساني اليوم هو الإسلام
. منهج البحث الدلالي في دراسات أوزيستو القرآنية والصوفية
. أصول التفكر في رسائل النور
. رؤية الامام النورسي للربا
5 - الرؤية الحضارية في رسائل النور
. الرؤية النُورسية لبعض القضايا الحضارية الشائكة
. من معالم التجديد عند النورسي
. العدالة الإلهية وإشكالية الشر في فكر الأستاذ النورسي
4 - أسس التربية في رسائل النور
. سعيد النورسي خزانة تنتظر الاكتشاف
. ملامح تجدد خطاب النورسي في مواجهة تحديات العصر
. دراسة عن أسلوب الحوار في القرآن الكريم
. مبادئ الإنسانية وتحديات العصر في نظرية سعيد النورسي
3 - أسس التربية في رسائل النور
. النورسي ودعوته
. سياسة العالم الإسلامي في القرن العشرين في نظر النورسي
. تربية الطفل وأساليبها في التشريع الإسلامي
2 - التعليم في رسائل النور
. حركة التجديد والإصلاح في أواسط القرن العشرين
. القضايا الأساسية للعالم الإسلامي وطرق حلها في نظر بديع الزمان
. مناجاة فكرية بين الإمام الغزالي والشيخ النورسي
1 - المنهجية في رسائل النور
. ثورة الإيمان
. مفاهيم المشروع النهضوي الإسلاميّ المعاصر -نقد وتوجيه-
. فصل المقال فيما بين فلسفة البشر وحكمة القرآن من الانفصال

النور للدراسات الحضارية والفكرية
 المركز الرئيسي:  

Kalendarhane Mah. Delikanli Sk. No: 6
Vefa 34134 Fatih - Istanbul / TURKIYE
 Phone: +90 212 527 81 81 - Fax: +90 212 527 80 80