التّكامل الأخلاقي وأثره الإيجابي في إنشاء الشخصية الارتقائية

التّكامل الأخلاقي وأثره الإيجابي في إنشاء الشخصية الارتقائية معالم إنسان أحسن تقويم

Moral Perfectedness and its Positive Effects in the Building of Progressive Personalities: The Characteristic Traits of the Mature Human Being

ABSTRACT

Dr. ‘Abd al-Razzaq Bal‘aqruz

This paper aims to broadly study the impact of moral perfection on the human personality. One of the justifications for the study lies in the need to revive the relationship between knowledge and ethics. This relationship is arguably in a bad state at present. Further, the study elaborates on central concepts related to the subject matter. These concepts are: moral integrity/rigour and the concept of ascending personality. It also explains the approach shown via the pillars of moral integrity, namely: Religious belonging and its principles: the principle of testimony (shahadah), the principle of trust (amanah), the principle of purification of the self (tazkiyah), and second, the most perfect man's philosophy and its dimensions, which are: innate nature (Fitra) and freedom and their effects on religious, cognitive, personal and moral aspects of Man.

Finally, the conclusion implies the importance of reviving stories of role models with perfect ethics embedded in our heritage, so as to restore our ethical inheritance and include them in our educational curricula.

* * *

ملخص البحث

د.عبد الرزاق بلعقروز[1]

يهدف هذا البحث إلى دراسة أثر التَّكامل الأخلاقي على الشَّخصية الإنسانية في مستواها الارتقائي، ولأجل ذلك عرضنا مبررات الدراسة حيث تناولنا مبررات الموضوع، وهي الحاجة إلى إعادة الصّلة (التي تكاد تضمحل) الممزقة بين المعرفة والأخلاق، وتناولنا المفاهيم المركزية التي تدور حولها الورقة البحثية: مفهوم التّكامل الأخلاقي ومفهوم الشَّخصية الارتقائية، ثم تناولنا أركان منهاج التَّكامل الأخلاقي، وهي: أولا.الانتساب الإيماني ومبادؤه: مبدأ الشهادة، مبدأ الأمانة، مبدأ التَّزكية، وثانيا.فلسفة إنسان أحسن تقويم وأبعادها الإيجابية على شخصية الإنسان، التي اجتمعت متكاملة في قوة الفطرة وقيمة الحرية وانعكاساتهما على المجال الإيماني والمعرفي والذّاتي والأخلاقي، وخاتمة استنتاجية تضمنت بيان أهمية أهمية الالتفات إلى النماذج المتكاملة أخلاقيا في تراثنا الإسلامي والإنساني، كي يتم استخراجها أو استنباطها وتشغيلها في البرامج التَّعليمية والحوارات الفكرية والإرشادية.

* * *

أولا. مُفتتح

يروم مسعانا في هذه الورقة البحثية دراسة أهمية التَّكامل الأخلاقي ما بين العلم والعمل، أو المعرفة والأخلاق؛ وبيان الأثر الإيجابي لهما على إثبات الشخصية وتكامل أبعادها وتجديد فعلها، لأنّ العلم أوالمعرفة مهما بلغت مبلغا واسعا؛ فإنها ستكون قاصرة، إذا ما كانت منفصلة عن السُّلوك الفعلي، وإذا ما انبنت الشَّخصية على التَّكامل الأخلاقي بين العلم والعمل، فإن الذّات تتجدّد وتتحرك وتنمو، وينتهي الصّراع والتقابل بين النّظر والعمل؛ من هنا، فإنّنا نقول مع "محمد إقبال "أن إثبات الذّات، لا يجد أصله في برهان عقلي، وإنّما في دمعة السَّحر، أو بلغة الإمام بديع الزمان النورسي: أن إحياء النُّموذج الإنساني الذي يرتكز على فلسفة "أحسن تقويم"؛ موقوف حصوله على الإنتساب الإيماني والتّكامل الأخلاقي، لأن الانتساب إلى الإيمان يعود بهوية الإنسانية إلى حقيقتها الأخلاقية المفقودة، وجوهرتها الصَّافية، التي تتشتّتُ بمجرد التنكّر لهذه القيمة العليا أي الإنتساب الإيماني. أما التّكامل الأخلاقي، فمبناه على التَّسليم، بأن الإنسان جيء به إلى هذا العالم، لأجل أن يتكامل بالمعرفة والدّعاء، لأن منتهى إرادة المعرفة هي الوصول إلى الله، والتسليم له، والتوكل عليه. والتكامل الأخلاقي ينبني بدوره على الإنتساب الإيماني، فهوالذي يجعل القيم الروحية تتكامل مع القيم الحيوية والقيم الفردية مع القيم الجماعية، والأشواق الروحية مع الحاجات المادية، كي يكون لائقا بالأمانة الإلهية وخليفا أمينا على الأرض.

إنّ إثبات الشخصية، ونقلها من الفتور إلى الحركة، أو نقل السُّلوك من العبث إلى المعنى، ومن الصفة الإعتيادية إلى الصفة الإرتقائية؛ يجد قوتها الجوهرية في التَّكامل الأخلاقي بين الإيمان والفعل، أو بلغة الحكماء في الإقتران بين العقل النّظري والعقل العملي، وفق منهج أخلاقي يتخذ من الأسس الدّينية الإسلامية نبراسا له؛ فينتج عن ذلك، أن إثبات الشَّخصية وبنائها، لا يكون وفق الطريقة النّفسية الغربية التي تجعل من ثنائية اللَّذة والألم معايير فاصلة في المفاضلة بين الأفعال؛ فالخير هو ما يجلب لذّة، والشر ما يجلب ألما؛ كلا! لأن رؤية التَّكامل الأخلاقي ترى بأنّ الصواب هو أن ليست هناك أفعال تجلب اللذّة وأخرى تجلب الألم، بل هناك أفعال تَكتب للشَّخصية البقاء، وأفعال أخرى تكتب لها الفناء، وبالتالي أن العالم لا يُدْرَكُ بالعقل والتَّصور فقط، وإنّما بالفعل أيضا، فالبقاء والفناء ليستا مقولتان منحصرتان في العالم الدُّنيوي؛ بل إلى العالم الأخروي أقوى وأرقى؛ المكان الذي يجزى فيه الإنسان الجزاء الأوفى.

وبناء على هذا المُفتتح، فإننا سنطرح الأسئلة الآتية:

ما هو مفهوم التكامل الأخلاقي، والشخصية الإرتقائية؟ كيف ينكعس التَّكامل الأخلاقي على جوانب الشَّخصية إيجابيا كي تكون الثَّمرة هي الشخصية الإرتقائية التي تتوحد وتتكامل فيها الأشواق الروحية والحاجات المادية؟ ماهو منهاج التّكامل الأخلاقي الذي يكون السبيلَ الأقومَ لهذه الغايات؟ كيف يمكن الاستئناس بالشَّخصيات المتكاملة أخلاقيا من أجل استحضارها كشواهد مُثلى في برامج التّربية والتّعليم الحاضرين؟

ثانيا. مبررات الموضوع

إن لفت النّظر إلى التَّكامل الأخلاقي وبيان أثره على الشخصية الإرتقائية، بخاصة في ظلّ التَّحديات الأخلاقية، التي أضحت تعكس روابط مبتورة، بين الإيمان والعمل، أو بين أفعال القلوب وأفعال الجوارح، يجد مبرراته في المحّددات الآتية:

- الطابع التكاملي لبنية الإسلام الكلية كمقوم صميمي، وليس الطابع الإنفصالي أو التّجزيئي للحياة الإنسانية، فإذا كانت بعض الديانات مثل المسيحية، تختزل الإنسان، في البعد الروحي، وفي مقابلها الحداثة الغربية، تختزله في المحّدد المادي، فإن روح الإسلام منهجيا، تعترف أولا بالإزدواجية المبدئية للعالم والحياة، أو الوجود المتزامن للمادة والروح على حدّ سواء، ومتضمّن هذا أنَّ "الإسلام، تسمية لمنهج أكثر من كونه حلا جاهزا، ويعني المركّب الذي يؤلف بين المبادئ المتعارضة... من أجل مستقبل الإنسان ونشاطه العملي، يُعنى الإسلام بالدعوة إلى خلق إنسان متّسق مع روحه وبدنه، ومجتمع تحافظ قوانينه ومؤسّساته الإجتماعية والإقتصادية على هذا الإتساق ولا تنتهكه. إنَّ الإسلام هو وينبغي أن يظل كذلك، البحث الدّائم عبر التاريخ عن حالة التَّوازن الجُواني، والبرَّاني، هذا هو هدف الإسلام اليوم، وهو واجبه التاريخي المقدّر له في المستقبل".[2] وجلي، بعد هذا، أن التكامل الأخلاقي هو أداة منهجية، لتحقيق هذا التوازن بين الضّمير والطّبيعة، وإنعكاساتها على تركيبة الشخصية الإنسانية في جوانبها الرُّوحية، والعلمية، والإبداعية، والإجتماعية.

- لأن نجاح الشَّخصية المسلمة اليوم، وحضورها في المجتمعات المسلمة، والمجتعات الإنسانية، متوقفة على التَّكامل الأخلاقي، من أجل إثبات ذاتها، ذلك أن إثبات هذه الذّات، لا يكون نظري خالص، وإنما عملي أيضا، فالعمل هو الذي يوقد السّراج في قلب الإنسان، وينير بَعْدَها، قلبه وعقله وسُلوكه، والقصد بالعمل في هذا المقام، العمل الأخلاقي المحكوم بالنية وإدراك القيمة الأخلاقية المتعالية، فهو عمل أخلاقي متكامل، ومن النّاحية الإجرائية، فإن منظومة التّعليم، التي تبني الإنسان المسلم، وبسبب أنها متأثرة بالنُّموذج الغربي في التّعليم، وتابعة له ثقافيا،[3] قد حذفت مفردات متصلة بالمجال التّداولي الإسلامي، في حين أنّ لهاالَّدور البنائي في منظومة التَّعليم، التي تنجز التّكامل الأخلاقي "فكانت أن غابت عن برامجنا التّربوية الحديثة مفاهيم وأحكام تربوية مبثوثة في نصوصنا الدّينية الأساسية... ولنذكر منها، على سبيل المثال لا الحصر، مفاهيم "الحكمة" و "التدبّر" و "التفكّر" و "التذكّر" و "الاعتبار" و "التطهُّر" و "النّور" و "الظّلمة" و "الهُدى" و "الظّلال " و "البصيرة" و "الكن" و "الوقر" و "الغشاوة" و "البصيرة" و "الرؤية الملكوتية" و "أولو الألباب" و "أولوا الأبصار" و "الصّراط" و "الميزان".[4] وهذه الآلية العلمانية في أصلها، ليست حلا، بقدر ما هي عقبة، منعقبات الارتفاع إلى الإنسان الكوثر، والشخصية الإرتقائية، لأن إعادة الوصل بين المعرفة والاخلاق في البرامج التّعليمية يسهم في ما يلي:

- بناء الشخصية المتخلقة الناجحة في الحياة الدنيا والآخرة.

- بناء المجتمع المتخلّق المتماسك القوي البنيان.

- بناء الحضارة الأخلاقية المتقدمة والمحصّنة.

- بناء دولة قوية ومستقرة يوثق بها ويعتمد عليها ويلتف حولها المجتمع".[5]

- لكي نقدم، نحن كمسلمين، إسهامنا في التوجّهات العالمية اليوم، نحو التعليم بالقيم، أو عدم اقتصار، التعليم، على تلقين المعرفة وإكساب المهارة، ذلك أن التعليم الموجه بالقيم "يتّجه في مضمونه وطرق تعليمه إلى غرس قيم الحب والتسامح والعدل وكل الفضائل النّبيلة، سواء أكانت فضائل فردية أم وطنية أم إنسانية عامة. ولقد أصبح هذا، النوع من التّعليم أكثر قبولا في العالم المعاصر، تحت وطأة العولمة، وثقافة الإستهلاك، وانتشار الروح الفردية والعنف...ومظاهر عدم التسامح بين الشعوب".[6] وإنّه ليبدو، أن الدين في طليعة المنابع الأصلية، للتَّعليم الموجّه بالقيم، لكن الدين، مفهوما هنا، بالمعنى الوجودي، والأخلاقي، الذي يأخذ بيد الإنسان، من صحراء التّخريب والعدم، والشر والسّلبية والإنفعال، إلى الظّلال الوارفة، أو إلىجهة الإيجاد والوجود والخير والإيجابية والفعل "لأن الإنسان، جيء به إلى هذا العالم لأجل أن يتكامل بالمعرفة والدعاء، لأن كل شيء فيه موجّه إلى العلم ومُتَعَلَّقُ بالمعرفة حسب الماهية والاستعداد. فأساس كل العلوم الحقيقية ومعدنها ونورها وروحها هو معرفة الله تعالى كما أن أس هذا الأساس هو الإيمان بالله جل وعلا".[7] ولقد أدرك عالم النّفس الألماني، إريك فروم، مدى عمق أزمة الإنسان المعاصر، الذي أضحى إنسانا متمركزا حول عالم الأشياء، وأن الحاجة عاجلة، لخلق إنسان جديد، وقبل هذا عنده، لابد من تغيير منظومة القيم الأخلاقية، أي تغييرات في "توجّه شخصية الإنسان كظهور أخلاق جديدة واتخاذ موقف جديد تجاه الطّبيعة...لا يمكن إقامة مجتمع جديد إلا إذا حدث، أثناء تطوير هذا المجتمع، عملية تطوير لإنسان جديد، أو بعبارة أكثر تواضعا إلاَّ إذا حدث تغيير أساسي في بناء شخصية الإنسان المعاصر".[8]

- ولأن التّكامل الأخلاقي، إن هو إلا استعادة للصّورة الإيجابية، والتكاملية للإنسان، وهي صورة إنسان "أحسن تقويم"، صورة الكمال الفطري، التي خلق الله الإنسان عليها، والتعبير القرآني، "أحسن تقويم" كما يقول كمال الدين كاشفي، في القرن التاسع للهجرة، الخامس عشر للميلاد، يفسره بقوله "أن الله خلق الإنسان، جاعلا منه أكمل شكل وأتم صورة لتجلّيه، وأرحب مسرح وأعم مقام لولايته، وذلك من أجل أن يصبح حامل لواء الأمانة الإلهية ومعناها الذي لا ينضب، ثم أنه يقرن بين "أسفل سافلين" وعالم النوازع الطّبيعية والاستهتار الخلقي. فحمل الإنسان ومن ثمة سمة المثال الإلهي، إذ هو طبيعة إليه على ما في الحديث الشريف: "خلق الله آدم على صورته" لكنه في الوقت نفسه انحدر من مستوى كماله الفطري، فهو لا يقوى على نسيانه".[9] وليس هذا الإنحدار، مخصوصا فقط، بالإنسان المسلم، بل هو أكثر وأوسع امتدادا لدى إنسان الحداثة الغربية راهنا، الذي لم تخطر له، فكرة أو فعلا إلاَّ وفعله، وهذا، الفعل لا يأبه له إن كان متعدّيا للحدود أو متجاوزا للقيم الأخلاقية المقدّسة، مما جعله إنسانا أبتر، وكان من المفروض أن يكون إنسانا كوثرا، والمقصود، بالإنسان الأبتر، "ذلك الذي لا يستثمر من قواه، ولا يحقّق من إمكاناته إلا قدرا ضئيلا، إمّا لتعطّل بعض قدراته واستعداداته أو لصرفها كلها في وجهة مخصوصة... أما الإنسان الكوثر، فهو بخلاف الإنسان الأبتر، لا يكتفي بأن يستثمر كل قواه وملكاته، إحساسا ووجدانا، خيالا وعقلا، ذاكرة وإرادة، ويحقق مختلف إمكاناته ومكنونانه إلى أقصاهما، بحيث يتاح له أن يتقلّب في أطوار سلوكية مختلفة، وينهض بوظائف عملية متعدّة، كل ذلك يورّث القدرة على أن يحقق التكامل لذاته".[10]

ولا شك أن هذه المبررات، تدفع بالعقل المسلم، إلى البحث عن علل العطالة الأصلية، التي تمنع من الإنطلاق، والحركة، والإنجاز، ووعي هذهالعلل من منظورنا، تتواجد بين شقوق هذا الإنفصال بين العلم والعمل، أو المعرفة والأخلاق، حيث أن الدّين، أصبح منحصرا ضمن دائرة الإعتقادات الشاملة، ولا يتّصل بالعلوم الإنسانية والإجتماعية، التي اختزلت الإنسان، في جوانب لا تتعدى السَّقف الحيوي، ولأن نظام إنتاج الحقيقة الغربي، لا يعي الأبعاد المعنوية ودوها في إصلاح الإنسان، فقد عطّل هذه الأبعاد، ومكّن للنّموذج المادي في العلوم الإجتماعية، بخاصة العلوم النّفسية، الأكثر قربا من الأحوال الشعورية المتديّنة، لكنه أضحى بلغة، إريك فروم وهم عقيم، لأن الناس اليوم باتت تعرف عن ذاتها الكثير، مما أخفاه النُّموذج المعرفي الوضعي، وهذه المعرفة الجديدة التي تعد انتكاسا لنموذج الحداثة الغربي يمكن لنا استئناسا بتحليلات إريك فروم جمعها في ما يأتي:

- أن إشباع كل ما يعني الناس من رغبات، بغير قيود، لا يوصل للحياة الطّيبة، وليس هو السبيل إلى السعادة، ولا حتى للمنفعة القصوى.

- إن حلمنا بأن نكون السادة الأحرار لحياتنا قد انتهى، وذلك عندما بدأنا نتنبه إلى أنّنا جميعا قد أصبحنا مجرّد تروس في الآلة البيروقراطية، وأن الصناعة والحكومة وأجهزتها الإعلامية هي التي تشكّل مشاعرنا وأفكارنا وأذواقنا وتتلاعب بها كما تريد".[11] وهذه الوصفات الكئيبة، تحفّز المسلم اليوم، اكثر لكي يبادر إلى إنشاء فلسفة أخلاقية إسلامية، للإنسانية التي انتهت إلى دروب مظلمة، في أفكارها، وسلوكها، حيث أضحى الفكر فاقدا للبوصلة، والسلوك فاقدُ للمعيارية المتعالية، وإن جوهر هذه الفلسفة الإسلامية الجديدة، هي الإنتساب إلى الإيمان، وتحويل هذا الإنساب الإيماني، من يقينيات إعتقادية مجرّدة، إلى سلوكات حيّة مجسّدة، تستوعب مجالات الحياة برمتها، وترتفع إلى موجبات الإمانة، التي كلّف الله بها الإنسان رعاية وتفعيلا وفق مقتضيات ما توجبه الأمة من مسؤوليات وتحديات.

ثالثا. التّكامل الأخلاقي والشخصية الإرتقائية: المفهوم والأبعاد

ليس الغرض من الوقوف على دلالة الكلمتين الواردتين في عنوان البحث، مجرد العودة إلى المعجم واستخراج الدلالات، فما أكثر من يسلك هذا المسلك، وإنما غرضنا، الإشارة إلى المعنى الثقيل للتَّكامل الأخلاقي، وثمرته التي هي الشَّخصية الإرتقائية، فالتَّكامل في صميمه رؤية، والشَّخصية الإرتقائية، ثمرة لهذه الرُّؤية، مع اليقين، بأن هذه الشَّخصية ذات أفق إنساني، بمعنى أنّ علاجها يكون بتكميل الصورة الذّاتية للإنسان المسلم، من أجل أخْلقة ذاته، وتكميل الصورة الخارجية للإنسان ككل من أجل أخلقة غيره. وبيان ذلك يكون وفق الآتي:

1.التّكامل الأخلاقي:

التّكامل الأخلاقي مفهوما مركبا، وليس بسيطا، بمعنى أن المقتضى المنهجي، يتطلّب منا أن نبسط دلالات تتناسب ومجال التكامل الأخلاقي، وفق العرض الفكري والمنهجي الآتي:

التَّكامل الأخلاقي بمعنى اعتبار الأخلاق في ماهية الإنسان:

يجرى الإعتقاد الراسخ، أن الصفة الأصلية والمحدد الجوهري لماهية الإنسان هي العقل، ومحمول هذا العقل يتعدد بتعدد مجالات التَّداول التي ترسم مفهومه، لكن الدّلالة الأقوى رسوخا، هي العقل بالمعنى المنطقي يونانيا، والعقل بالمعنى الرياضي حداثيا، وكأن الإنسان يجد مفاتيح ذاته في التعقل والتفكير الرياضي، لكن التكامل الأخلاقي، لا يساير هذا التعريف للإنسان، لأنه ناقص يحتاج إلى تكميل، وهذا التَّكميل ليس شيئا إضافيا، وإنّما هو ضروري ضرورة التعقل، وهكذا، فإن التَّكميل الأخلاقي ضمن هذا المستوى من الدلالة، يرى بأن الحد الفاصل بين الإنسان والحيوان لا ينحصر في العقلانية مفهومة بالمعنى المنطقي والرياضي، وإنما الأخلاقية هي الحد الفاصل الجذري بينهما، "فالأخلاقية هي وحدها التي تجعل أفق الإنسان مستقلا عن افق البهيمة؛ ...إنها الأصل الذي تتفرع عليه كل صفات الإنسان من حيث هو كذلك، والعقلانية التي تستحق أن تنسب إليه ينبغي أن تكون تابعة لهذا الأصل الأخلاقي".[12] وبهذا المنطلق، فإن التكامل الأخلاقي يدخل في نسيج الإنسان الذاتي، كمحدد ماهوي وليس كمحدّد عرضي.

التّكامل الأخلاقي بمعنى الإثر الإيجابي للعمل على العلم:

إن ثنائية النّظر والعمل، ليست ثنائية من صميم الرؤية الإسلامية، وإنما نبتت في الثقافة اليونانية التي تتحكم في أنساقها الرؤية المثالية إلى العالم، لكن لما انتقلت هذه الثنائية إلى الفضاء الثقافي الإسلامي، أدخل عليها العلماء المسلمون تعديلا مهما، هو اعتبار الفاعليات الإنسانية مهما كانت أعمالا، حيث أنشأوا قسمة جديدة هي: ثنائية أفعال القلوب وأفعال الجوارح، والعلاقة بينهما متبادلة التأثير والتأثر، فالعمل يجدد نور السراج الموجود في القلب، وتبعا لهذا تتجدّد الملكات العقلية والنفسية والجسمية في الإنسان، فما يورثه العمل من أثر على العقل لا يورثه العلم النّظري مهما كانت مستويات إحكامه، وعندما نتأمل في الآية القرآنية الآتية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ نجدها تتكرر بصيغتها أو معناها في القرآن الكريم أكثر من خمسين مرة، كأنّما تؤكد لنا ضرورة توحيد أمرين اعتاد الناس على الفصل بينهما. إن هذه الآية تعبّر عن الفرق بين الدين "الإيمان" وبين الأخلاق (عمل الصالحات) كما تأمر في الوقت نفسه بضرورة أن يسير الإثنان معا. كذلك يكشف لنا القرآن عن علاقة أخرى عكسية بين الأخلاق والدّين، فيوجه نظرنا إلى أن الممارسة الأخلاقية قد تكون حافزا قويا على التديّن: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾،آل عمران:92 فمعنى الآية هنا لا يقول "آمن لتصبح خيّرا" وإنما على العكس يقول "افعل الخير تصبح مؤمنا" وفي هذه النقطة نرى إجابة على سؤال: كيف يمكن للإنسان أن يقوي إيمانه؟ والإجابة هي "افعل الخير تجد الله أمامك".[13] والقصد من هذا، الأثر الإيجابي للفعل على العقل والذّات، وبالتالي فالتكامل الأخلاقي يجد في الوحدة بين العلم والعمل، مفتاحا أفضل للإرتفاع إلى نموذج الشخصية الإرتقائية.

التكامل الأخلاقي بمعنى توجيه المعارف بالقيم الأخلاقية:

هذه الدّلالة للتكامل الأخلاقي، تعني أن منظومات التعليم، باعتبارها مؤسسات حضارية، يتكامل فيها البعد المعرفي والبعد الأخلاقي الذي يرتفع بالطالب من كونه حائزا على المعرفة، إلى كونه يحوز الأخلاقية في سلوكه، إنه بلغة إسماعيل راجي الفاروقي، النّسيج الأخلاقي الذي هو أقوى من غيره ضمن مؤسسات التعليم، وأقوى مؤسسة تعليمية ضمن هذا النسيج هي الجامعة، فالجامعة "مؤسسة تختلف عن باقي المؤسسات فهي مؤسسة غير عادية قائمة على الفضيلة وحدها. وكل حياتها وطاقتها مكرسة من أجل الفضيلة. وإنّ هدفها هو أن تجعل من الفضيلة طبيعة ثانية لكل الأشخاص المتصلين بها... ومن هنا، كانت المعاملات النّبيلة والأخلاق الفاضلة هي أسلوب حياة المسلم المميّز، فكونك عضوا في الجامعة الإسلامية يعني أنّك تنتمي إلى صحبة تلاميد النبي صلى الله عليه وسلم... وبالتالي فالتربية الإسلامية تقوم على مبدئين أساسين هما: تنمية العقل، وتنمية الإرادة".[14]

ومشروعية هذا التّكامل، إنهاء التقطيب الذي دخل إلينا من تجربة الحداثة الغربية، التي حولت الجامعات إلى مؤسسات حقوقية، وأفرغتها من الدور الإصلاحي، والتهذيبي، والتوجيهي، بينما كان لعلمائنا في الحضارة الإسلامية بخاصة رجال الأخلاق منهم، وعي أكثر عمقا بأهمية الأخلاق في التّعليم، ومن أن العلم ثمرته الخشية من الله والقرب إليه، وكل علم لا يؤدي إلى هذه الغاية فهو علم غير نافع.

2.الشّخصية الارتقائية:

يتعدد تعريف الشَّخصية بتعدد الرؤى المعرفية الكامنة خلفها، وتعدد التَّخصصات العلمية التي تتخذ من الشَّخصية موضوعا لها، وليس هذا، مقصودنا في هذا المقام، فيكفي أن نقول" أن الشخصية بشكل عام هي ما يميّز سلوك الفرد عن الآخر... أو تعريف الفيلسوف سينيك Seneque(4 ق.م-65م) الذي قال: "ليست الشخصية شيئا فطريا. إذ يتعيّن على الفرد أن ينجز وحده شخصه وهويته".[15] وهذه اللفتة الأخيرة، التي تؤكد أن الشخصية مسار يُكتسب، وصفات تُبنى في الذّات الإنسانية، تنسجم مع مقصودنا في الشخصية الإرتقائية، التي هي نتاج جهد ومكابدة وفعل عسير، وليست نتاج جهد خفيف، أو سلوك إعتيادي مكرور. ويحدر التنويه، هنا، أننا سنفرّق بين الشَّخصية الإعتيادية؛ والشَّخصية الإرتقائية التي هي ثمرة التَّكامل الأخلاقي، وبيان ذلك كالآتي:

الشَّخصية الإعتيادية، أكثر اتصالا بمجرى الحاجات الإنسانية والدوافع الغريزية، وبالتالي، فهي تتوفر على الصفات الإعتيادية التي نجدها عند الإنسان المسلم المتدين، من إيمان بالإعتقادات الاساسية، والتزام بالقيم الموجهة، وتأسيا بالنموذج النبوي في التعبّد لله، والمكاسب الإيجابية للشخصية الإعتيادية أنّها:

- تخرج الوجود من دائرة العبث إلى دائرة المعنى.

- أنها تخرج السلوك من اعتبار الشَّكل إلى اعتبار المضمون.

- أنها تنقل الحياة من من الوصف الآلي إلى الوصف الإرادي.[16]

- أنها فردية، قد لا تمتد إلى تخليق كافة الأنشطة الإنسانية: العلمية والعملية.

لكن على قيمة هذا النموذج المتدين في الحياة، فهو، وإن أدرك أهمية الارتفاع من حظوظه الحيوانية، إلى أفق الإيمان، إلا أنه ناقص من منظور التكامل الأخلاقي، وهذا ما يدفع بنا، إلى كتابة مواصفات الشخصية الإرتقائية التي تتجلىَّ في صورتها الإنجازية التكامل بين العلم والعمل، ذلك أن "الإسلام لم يقف عند حد عقد النية، بل ربط الأخلاقية بالقيام بالعمل بالفعل، فبعد أن بيّن أن لا قوام لأخلاقية أي فعل ما لم يكن مبنيا على نيّة صالحة، أرشد الإنسان على طول الطّريق من النية إلى الفعل، من عالم الوعي الشخصي بالزّمان والمكان، إلى حومة العمل ومعترك صنع التاريخ. فالقيم أو الإرادة الإلهية لا تقف عند حد امتلاك الإنسان النية الصالحة تجاهها، بل يتعيّن على الإنسان تجسيدها في أرض الواقع، والإنسان هو المخلوق الوحيد الذي خلقه الله لتفعيل تلك القيم وتلك الإرادة بحرية، ولوجه الله تعالى. ويتعين عليه من ثم أن يحرّك الموجودات، ويعيد تشكيل الطّبيعة، ليجسد فيها البعد الأخلاقي، وفق المثال الرباني الذي عرفه بالوحي الإلهي المنزّل".[17] وواضح أن الشخصية الإرتقائية، تلبس لبوس الطاقة الروحية، أي لباس قيمي إبداعي يثمر نتيجتين أساسيتين؛"إحداهما أن الجهد الإرتقائي يصدر عن الروح... وثانيها أن الجهد الإرتقائي يتجلىّ في العمل بالقيم... ولا يعمل بالقيم إلا الفطرة التي هي عبارة عن قيم عملية ذات أصل روحي في مقابل الغريزة التي عبارة عن وقائع سلوكية ذات أصل مادي...والقيم الفطرية تمتاز عن سواها بكونها لا تكتفي بتسديد الفعل، وإنّما تتعدّى ذلك إلى بثروح المبادرة فيه، وإمداده بأسباب الإبداع... أي أن صميم الفطرة مجموعة من القيم التي تورث الإنسان القدرة على الإبداع، كما يجوز أن نعرف الإبداع بكونه إحداث شيء غير مسبوق بواسطة القيم الفطرية".[18]

وواضح، بعد هذا، مدلول الشخصية الإرتقائية، التي ازدوج فيها المعنى القيمي بالمعنى الإبداعي، ما فتح النّظر، على أهمية الفعل الارتقائي الذي يخترق السائد والمألوف، ويسعى لأن يفعل في الزمان والمكان وفق المثال الإلهي، وبالتالي، فإن التكامل الأخلاقي ليس مجرد منهج نظري، وإنما هو دافعلية إيمانية مبدعة، وحافزية لكي يتحقق الإنسان المسلم بالطهارة وأن يصبح إنسانا ناضجا في هذا العالم،[19] وعلماء التّحليل النّفسي الغربيين، حللوا عميقا النتائج السلبية لظاهرة الخواء الدّيني بالمعنى الذي يكون فيه الدين، عامرا، وحافزا ورافعا، وفي المقابل أدركوا الأدوار الإيجابية للدّين من جهة تجديد الحياة، وإبعادها عن أنماط الروتين والآلية، وذلك في صورة الأديان الجديدة التي حلّت محل القديمة، لكنها كانت تغلف غاياتها الجهنمية بأغلفة من الجلال وعلى رأسها الفاشية والستالينية، من هنا، يذهب فروم "أن غياب عنصر الإثارة وافتقار ثقافتنا العصرية للشعائرية على علاقة كبيرة بخوائنا الدّيني... إن الهدف من الحياة التي توافق طبيعة الإنسان في حالة وجوده، هو أن يكون قادرا على الحب، قادرا على استخدام عقله، وقادرا أيضا على أن يكون موضوعيا متواضعا كي يبقى على تواصل مع الواقع خارج ذاته، داخل ذاته، بدون أن يفضي ذلك التّشوه. هذا النّوع من الصلة مع العالم هو المصدر الأعظم للطّاقة ماوراء المنتجة من قبل كيمياء الجسد".[20] ونظرا للمآلات الضيقة للقطع الغربي مع الدين في التفكير والسلوك، والارتكاز على الطبيعة الإنسانية المنفصلة عن الغيب، فقد ولت تلك الأفكار التي تصف الدين بالعداء للحياة، و "بدأ نوع من المصالحة الواضحة والصريحة بين الدين وعلم النفس في الغرب وفي العالم الإسلامي... وما تبقى هناك، هو إشكالية تعريف التديُّن الصحيح، المعتدل أو الناضج".[21]

رابعا. منهاج التّكامل الأخلاقي

إن التكامل الأخلاقي كمهج في تطبيق الوجود المتزامن للإنسان في تكوينيته المادية والروحية في مجالات الحياة، يتأسس على مبادئ، تقدم الإطار الكلي أو الرؤية إلى العالم التي تمنح المعنى والوضوح وتبيّن الغايات وتخلق الفاعلية في الوعي والسُّلوك، ومن دون هذه الرؤية الحضارية، فإن الدّافعية للإنجاز وللإعمار تخبو وتخمد، وبالتالي، فإنّ هذه الرؤية "هي الجذور والتّربة والمنبع الذي يمثّل القوة الدّافعة العقدية التي تحدّد طبيعة القوة الوجدانية المحرّكة للإنسان وللمجتمع، والتي تحدّد توجهاتهم وفاعلياتهم، وترسم وجهة مسيرتهم في الحياة، ومدى قوة هذه المسيرة الإنسانية وفاعليتها الإعمارية الحضارية في الوجود والتاريخ، ولذلك كلّما كانت هذه الرؤية واضحة جلية وإيجابية وسهلة الفهم والتمثّل والإدراك، وكلّما كانت بعيدة عن التناقض وعن الخرافية والأوهام وكلّما كانت بعيدة عن السّفسطة والتَّعقيد...كلّما مثّلت ىهذه الرؤية قوة ضميرية عقدية تربوية فاعلة محركة للفرد والمجتمع، ومفعلة لمنهجية فكر المجتمع وكل ما لدى الفرد والمجتمع من أدوات الفعل والحركة وضوابطها؛ المتمثلة في مبادئ منهجية فكره، وما تنطوي عليه هذه المنهجية من مفاهيم وقيم وضوابط".[22]

ولأن صورة منهاج التكامل الأخلاقي، الذي يثمر الشّخصية الإرتقائية، من صورة الرؤية الحضارية القرآنية، فماهي المبادئ التي تشكل عناصر هذا المنهاج؟ وما هي حقيقة العلاقة بين هذه العناصر؟

1. الانتساب الإيماني:

ثمة ثلاثة رؤى إلى العالم سائدة وممكنة؛ ثمة الرؤية المادية التي تجد في المادة نموذجها التفسيري، وثمة الرؤية الدينية التي تجد في الروح أو الضمير نموذجها التفسيري أيضا، وثمة الرؤية الإسلامية، "والإسلام هو الإسم الذي يطلق على الوحدة بين الروح والمادة، وهو الصيغة السامية للإنسان نفسه. إن الحياة الإنسانية تكتمل فقط عندما تشمل على كل من الرغبات الحسية والأشواق الروحية للكائن البشري، وترجع كل الإخفاقات الإنسانية لإنكار الدين الاحتياجات البيولوجية للإنسان ولإنكار المذهب المادي لتطلعات الإنسان المادية".[23]

والتَّكامل الأخلاقي يجد أصله التأسيسي بناء على هذه الفلسفة ثنائية القطب، في الإنتساب إلى الإيمان التّوحيدي "ذلك لأن الإيمان يربط الإنسان بصانعه الجليل، ويربطه بوثاق شديد ونسبة إليه، فالإيمان إنما هو انتساب، لذا يكتسب الإنسان بالإيمان قيمة سامية من حيث تجلّي الصنة الإلهية فيه، وظهور آيات نقوش الأسماء الربانية على صفحة وجوده. أما الكفر فيقطع تلك النسبة وذلك الانتساب، وتغشى ظلمته الصنعة الربانية وتطمس على معالمها، فتنقص قيمة الإنسان حيث تنحصر في مادته فحسب؛ وقيمة المادة لا يعتد بها فهي في حكم المعدوم، لكونها فانية زائلة، وحياتها حياة حيوانية مؤقتة"،[24] وهنا، ندرك أن قيمة الإنسان يستمدها، لا من جسده أو جماعاته التي ينتمي إليها، وإنما قيمة الإنسان ترتفع بقدر، ما يستجيب وبحرية للتكاليف الربانية، وباستجابته للتكاليف الربانية يكون إنسانا منتسبا، ولائقا بمقام التّكريم، لأن الذات الإلهية "هي مصدر الخيرية لكل ما في الوجود، مالم يضع الإنسان تلك الغاية المطلقة الأسمى في الحسبان، فإنّ كل عُرى سلسلة العلاقات والغايات تتفكّك وتفقد وظيفتها. فالأساس القيمي لكل تلك الحلقات والسَّلاسل العلاقية هو ارتباطها بالقيمة المطلقة العليا".[25] إنها النسغ الإيماني الذي يستمد منه الإنسان قيمته، ويتغذى على أشعة شمسه المتدفقة، "فيتحول هذا الإنسان الذي لا أهمية له، إلى مرتبة أسمى من المخلوقات قاطبة، حيث يصبح أهلا للخطاب الإلهي، وينال شرفا يؤهله للضّيافة الربانية الحقّة".[26] وما يجب أن نشير إليه ضمن مقام الإنتساب الإيماني، العناصر التي تدخل في البناء التكويني لانتساب الإنسان إلى الإيمان، الانتساب الذي يجعله صورة من صورة الصنعة الربانية، والمرآة الصّمدانية، وهذه العناصر هي الآتية:

- مبدأ الشهادة: "يقوم هذا المبدأ في تقرير أن الشهادة بمختلف معانيها تجعل الإنسان يستعيد فطرته، محصّلا حقيقة هويته ومعنى وجوده، بدءا بشهادة الإنسان في العالمين: الغيبي والمرئي التي يقر فيها بوحدانية الله وشهادة الخالق على هذه الشهادة، وانتهاء بالشهادة على الذّات والشهادة على الآخرين".[27] وواضح أن الشهادة هنا، مفهوم إتساعي شامل، يبدأ بالشهادة الأصلية، إلى الشهادة الفرعية في عالم الإنسان.

- مبدا الأمانة: يقوم هذا المبدأ في تقرير أن الأمانة بمختلف وجوهها تجعل الإنسان يتجرّد من روح التملّك، متحملا كافة مسؤولياته التي يوجبها كمال عقله... لأن كل الموجودات في العالم الإئتماني عبارة عن أمانات لدى الإنسان".[28] ولا يخفى على الناظر في أحوال الإنسان الحديث، الذي سلبته الأشياء أصالته وإطلاقيته، وأضحى إنسانا يجد هويته في التمّلك والاستهلاك، وبرزت جهود نفسية، تهدف إلى شق دروب جديدة في الحياة، عنوانها الأعم هو "أن الهدف من الحياة هو مزيد من تحقيق كينونتنا، وليس الاستزادة من ملكيتنا".[29]

- مبدأ التّزكية: "يقوم هذا المبدأ في تقرير أن التّزكية بمختلف مراتبها خيار لا ثاني له يجعل الإنسان يجاهد نفسه للتحقق بالقيم الأخلاقية والمعاني الروحية المنزلة، ابتغاء لمرضاةالخالق جل جلاله، وحفظا لأفضلية الإنسان في الوجود، وتصديا لجديد التحدّيات والأزمات في القيم الإنسانية داخل عالم يزداد ضيقا ولا ينفك يتغيّر بوتيرة تزداد سرعة".[30] ويتبين لنا، من خلال هذا المبدأ، أن التزكية لا تقتصر فقط، على اكتساب المناعة ضد إرادة التملك، وإنما تفجير المكنونات الروحية في الإنسان، وربط التقدّم المعنوي، جنبا إلى جنب، مع التقدّم المادي، وإنسان التزكية، يرتقي من تزكية نفسه، إلى الارتقاء الروحي بغيره، وهنا سر انتقال التزكية من دائرة الفردية إلى دائرة الإصلاحية التكاملية الخيّرة، فإنسان الإنتساب الإيماني "إن سألته وجدته بصيرا بالطريق إلى الله سبحانه، وإن أجاب أجابك بالوصف عن طريق سلكه، وعن آفات قد رفضها، وعن مكابدة قد جاهدها، وعن درجات في القرب من الله سبحانه وتعالى قد ارتقى إليها، فدل المريدين على ابتدائه، وما عرض له من القواطع، وبأيّ شيء قطعها، وأنّه لم يصل إلى السرور والراحة إلا بعد المكابدة والمجاهدة، لأنّ يتحمّلوا مثل ما لقي حتى يُفضوا إلى الغنى والراحة والسُّرور".[31] وهذا البعد الإصلاحي لإنسان التّزكية يتطلّب أيضا، تطوير علوم نفسية وأخلاقية أو إعادة الإحياء للعلوم النفسية والأخلاقية التي يزخر بها التراث الأخلاقي الاسلامي "وهذا التراث العظيم الذي بدأ بالمحاسبي كان ينبغي أن يكون هو التراث الأهم في إحياء الفكر الإسلامي في هذا العصر، وفي الاستعانة بذلك الفكر في فهم الإسلام في كليته وشموله، وفي بناء وتطوير نظام إسلامي في التّربية، وأيضا في بناء وتطوير علوم إسلامية في مجالات العلوم النفسية والإجتماعية والحضارية...ولم يكن اهتمام علمائنا بالتبصر بالميول المذمومة في طبع الإنسان لمجرّد أنّها ميول تقترن بدوافع الهوى وتتولّد منها صفات مذمومة في النّفس فقط، ولكن لأن هذه الصّفات عندما تقوى في النّفس تشغل صاحبها عن الغايات التي أوجدت فيه من أجلها قواه الفطرية، بل وتصبح حجبا كثيفة بين هذه القوى وبين معرفة الحقيقة، وبين هذه القوى وبين التبصُّر في ما العبادات من اسرار تربوية".[32]

إذن، تبدو مرتكزات الإنتساب الإيماني مترابطة ومتكاملة، مع أفضلية الشهادة كقيمة عليا ناظمة، على غيرها من القيم الأخرى، وبالتالي؛ فإن التكامل الأخلاقي يتأسس على هذه المحدّدات أو الكليات الكبرى، لكي ننتقل بعدها، إلى ما نسميه: فلسفة أحسن تقويم، كركن ثان، في أركان منهاج التكامل الأخلاقي، التي ينتقل بالإنتساب الإيماني، إلى الإنسان في نقاء فطرته، وفي قابليتها الأصلية للوحي الإلهي، لكي تعود الذّات الإنسانية، إلى الصورة الأصلية المجبولة عليها، قبل أن ترد إلى أسفل سافلين.

2. فلسفة إنسان أحسن تقويم:

من جملة التحديات الكبرى التي تواجه إنسان الحداثة وما بعد الحداثة، هو التَّفكير في كيفية استعادة قيمة الإنسان وقيمة الدين مجدّدا، "بعد أن لاحت دلائل موت المعنى وفَقْدِ الوجهة؛ وبعد أن تم الإعلان عن موت الإله والدخول في مسار النسيان... ذلك أن الإنسان صار في هذا العالم عبارة عن آلة، ثم صار عبارة عن سلعة، ثم صار عبارة عن معلومة، ومعروف أن الآلة مبناها أصلا، على التّجريد والتّجزيء، وأن السلعة مبناها، أصلا، على الثّمن والربح، وأنّ المعلومة مبناها على الرقم والافتراض؛ ولا يخفى ما في هذه الإجراءات والقيم الحديثة من خفض للوجود الإنساني وتضييق".[33] وبالتالي، فإنه لا أفق يبدو ممكنا في ظل هذا التّضييق على الإنسان، إلاَّ العودة مجددا إلى فلسفة إنسان أحسن تقويم، كمعيار كلي ومبدئي في ترميم الذّات الإنسانية، وأن تعود بعد هجران وقطيعة مع المنبع الأول الذي كانت فيه الذّات مستقيمة، لكن ما هي دلالة إنسان أحسن تقويم من النواحي الإيمانية والمعرفية والذّاتية والسلوكية:

دلالة أحسن تقويم من الناحية الإيمانية:

أشرنا فيما سبق، أن الشخصية الإرتقائية، ليست نموذجا جاهزا يولد مع الإنسان، وإنما الجهد الإنساني مع التوفيق والتأييد الإلهيين هما اللذان يصنعان هوية الشخصية، وطبيعة محدّداتها، ومآلها في الحياة الأولى والحياة الثانية، لأن هذا هو جوهر الابتلاء، فالإنسان في أصل خلقه، حائزا لصورة أحسن تقويم، مجاورا للمقام الإلهي الرفيع، ولكن الإرادة الإلهية المباركة، شاءت أن ينزل أسفل سافلين، عالم الحس والتغير والشهوة والهوى، وبما أن قطعة من الروح الإلهية مكنونة فيه، فهو قادر على تخطي ذاته، وتخطي أنانيته الضّيقة، لأن الأخلاق التي يتخطى بها الذّات، مستمدة من الفطرة، من عالم المقام الأعلى المنزّه، "لأن هذه الفطرة تحفظ ذكرى شهادتها للإله بالوحدانيةكما تحفظ شهادة الإله على هذه الشهادة؛ وقد ولّدت هذه الشهادة الغيبية الأولى في أعماق الإنسان قيما أخلاقية ومعاني روحية لا تلبث أن تصعد إلى طبقة شعوره ما أن يتعاطى شهود آيات التكوين وآيات التّكليف في نفسه وفي الآفاق من حوله... وعلى هذا؛ كانت الأخلاق التي تورّثها الصورة الفطرية للدّين، من حيث مآخذ قيمها، أخلاقا روحية، ومن حيث توسلها بالشاهد الإيماني أخلاقا إئتمانية".[34]

إن دلالة أحسن تقويم من الناحية الإيمانية، تعني كما أشرنا، استقامة الإيمان ووضوحه فطريا، "لأنه المبدأ الفطري القرآني الأساس الذي ينبثق منه مفهوم نظام System الوجود، وبهذا المبدأ والمفهوم الاساسي، تتضح أبعاد الحياة الإنسانية الغائية الأخلاقية العلمية العالمية، ومعنى وجودها، (أنّ) التّوحيد هو المبدأ الأساس في الرؤية الإسلامية الكونية؛ لأنه هو الإجابة الكونية الفطرية السوية للبعد الروحي للإنسان في فهم ذاته مبتدأ ومآلا، وهو سقف المنطق الإنساني في فهم أبعاد الحياة، والوجود، وما وراء الحياة والوجود".[35]

دلالة أحسن تقويم من النَّاحية المعرفية والذّاتية:

إن فلسفة إنسان أحسن تقويم من الناحية المعرفية والذّاتية، تذهب إلى أعماق الوعي الإنساني، من أجل البحث فيه عن الجوهرة النّفيسة التي تعد معيارا في البحث عن حقيقة المعرفة، وحقيقة الذّات الإنسانية في صلتها بالجماعة أو النسق الثقافي الذي تنتمي إليه، فتحت ركام ثقافة الجماعة، واللاشعور الثقافي، ثمة الفطرة بما هي استعداد ذاتي للتساؤل والمعرفة والبحث عن شفاء لعلل الأسئلة، وهذه الفطرة تتعادل مع الحرية من جهة التكوينية الأصلية، لكن ليست الحرية المادية التي نجدها لدى فلاسفة الليبيرالية، وإنما فطرة وحرية من بعد آخر في الإنسان، هو البعد الروحي، ذلك "أن الحرية الإسلامية مقيّدة إلى أخلاق الروح لا إلى امتدادات الجسد الحسي بالمنفعة اللبيرالية. ففي الإسلام يلتزم الإنسان بحرية البعد الرابع في تكوين الإنسان نفسه، فالبعد الأول هو البدن وشبيهه الجماد، والبعد الثاني هو النبات وفيه التطور من الجماد إلى الحواس، والبعد الثالث هو البهيمة والأنعام وفيه التطور من الحواس إلى النفس. أما البعد الرابع فهو الروح. فالروح سلطة فوق النفس والحواس والبدن".[36] إذن فإن إنسان أحسن تقويم، يجد أداته المعرفية والذّاتية، في هذا البعد الرابع الروحي، الذي له ولاية على الأبعاد الأخرى، والروح صفة مشتركة في الإنسان بما هو إنسان، ولهذا، نجد أن القرآن الكريم، رد ظاهرة الكفر عند الإنسان، إلى تعطيل وسائل المعرفة التي بحوزته، والانسياق خلف أنانيته الضّيقة، وبالتالي أخطأ الإنسان التّقدير والاختيار، وبيان ذلك " أن الله الخلاق العليم أوضح أن الروح من أمر الله، فهي خارج سنّة التّكوين الطّبيعي..ويتضح هذا المعنى جيّدا، في العلاقة مع آدم حين سواه خلقا ماديا وعدّله بشرا ونفخ فيه من روحه ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ. وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ. قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾،السجدة:9 فالروح من خارج التكوين الطّبيعي. ثم ربط الله بين السمع والبصر والأفئدة ونفخ الروح، فجعلت مسؤولية الإنسان في التّرقي بقوى الإدراك هذه ليعلو على سنّة الطّبيعة المادية... فالقيمة الروحية للإنسان، مع ترقّيه بقوى الإدراك، تجعله متجاوزا في تكوينه لخصائص المادة الطّبيعية وحركتها، وبالتّالي فقد طلب إلى الإنسان أن يُخضع الطبيعة له لا أن يخضع لها هو، وهذا هو مضمون الاستخلاف".[37]

وبعد هذا، فإننا نقول، أن البعد الرابع في الإنسان، هو مناط الحرية في المعرفة والذّات، فالسمع والبصر والفؤاد التي تعد من آثار فاعلية الروح، هي التي يتحرر بموجب فاعليتها الإنسان من قهر الموروث الثقافي المستمد من الجماعة، وما تقدمه من رؤية مخصوصة إلى العالم، وهي مفتاح الوعي بالحرية الفطرية كمعيار في البناء السياسي والإجتماعي، ونظرا لأهمية الفطرة في المعرفة التكاملية، والحرية الإنسانية، فقد وضع الإسلام منهجا، متينا من أجل تربية القوى الروحية والمعرفية والارادية، ويقوم ذا المنهج على:

- أولا: "وعي الإنسان الفرد بما فطر عليه، وبما فيه من قوى فطرية، وعلى وعيه بأهمية وجود هذه القوى في صنع حياته، وعيه بأنّه لا يُعرف، كما هو في حقيقته، بهوية الجماعة التي ينشأ فيها، الدّينية والحضارية بل بما ياتي به من فطرة وقوى فطرية.

- ثانيا. ويقوم على تشغيل هذه القوى الفطرية بما تحب أن تشتغل به، أي بطلب معرفة الحقيقة في الإنسان وفي كل شيء في السماوات وفي الأرض.

- ثالثا: ويقوم في النهاية على الاستجابة لنداء الفطرة في إحساسها الفطري بوجود الله تعالى، وعلى الرغبة الفطرية في تجسيد هذا الإحساس بعلم آيات الله تعالى في الخلق".[38]

إن إنسان أحسن تقويم، بما يملكه من وعي فطري على المعرفة بأدوات السمع والبصر والفؤاد، وبما هو عليه في فطرته، من حرية أمام كل ما عدا الإنسان، وما الأمانة التي حملها الإنسان، إلا دليل على عظمة الإنسان، وقدرته التي هي واحدة في أصلها، لا تتواجد في ثقافة دون أخرى، وإنما أي الفطرة العارفة والحرة، تخترق كل الثقافات والأعراق لتخاطب الإنسان بما هو إنسان، ولهذا، يعمل المنهج القرآني في خطابه للإنسان، على تصغير ما دونه، تصغير ما يعتقد أنها آله سواء بدافع الخوف أم الحاجة، تصغير المخلوقات الأخرى مثل الشمس والقمر والبحر، والأقوى أنها مسخّرة له، تصغير من يدعي تمثيل السلطة الإلهية في السياق السياسي أو غيره، من هنا، فرفض الاسلام للشرك، هو في صميمه رفض لكل ما يتعالى على الإنسان، أو يرفع إلى مكان فوقه، لأن الفطرية العارفة والحرة، هي القوة التي تحدد للأشياء مكانتها ومرتبتها التي تليق بها.

دلالة أحسن تقويم من الناحية الأخلاقية:

نقصد هنا، الناحية الأخلاقية، الصورة الخلقية للإنسان التي من المفروض أن تتوفر في معيارية أحسن تقويم، فكيف يسلك الإنسان المتكامل أخلاقيا في هذه الدنيا، هل يتبع أنانيته ويجعل أجهزته المعنوية وفي طليعتها السمع والبصر والفؤاد مجرد خدم لرغابته الغليظة، أم أنّه يحلق حرا بجناح الإيثار للمولى تبارك وتعالى، فيستقيم سلوكه، ويصبح صورة عاكسة للأسماء الحسنى، يقول في هذا المقام سعيد النّورسي " أما إذا تخلّى الإنسان عن الأنانية، وطلب الخيروالوجود من التوفيق الإلهي وأرجع الأمر كله إليه، وابتعد عن الشر والتّخريب، وترك اتباع هوى النّفس. فاكتمل عبدا لله تعالى تائبا مستغفرا، ذاكرا له سبحانه، فسيكون مظهرا للآاية الكريمة ﴿فأولئك يبدِّل الله سيئاتهم﴾.الفرقان:70 فتنقلب القابلية العظمى عنده للشر إلى قابلية عظمىللخير، ويكتسب قيمة "أحسن تقويم" فيحلّق عاليا إلى أعلى علّيين... إن السمو والرقيالحقيقي إنّما هو بتوجيه القلب، والسّر، والروح، والعقل، وحتى الخيال وسائر القوى الممنوحة للإنسان، إلى الحياة الأبدية الباقية، واشتغال كل منها بما يخصّها ويناسبها من وظائف العبودية".[39] وهذا هو سر التكامل في حياة الشخصية الإرتقائية، عندما تكون السلسلة الناظمة تسري فيها روح أخلاقية أحسن تقويم، وإذا بقي الإنسان تنهشه تارة الشهوات، وتلسعه تارة أخرى الآراء السخيفة، وتلدغه مرة ثانية نفسه، فلن يكون خليقا بهذه الصفة المعيارية، ويعيش مشتتا أو بغة القرآن الكريم: يعيش حياة الخزي في الحياة الدّنيا؛ أما من يستجيب لصورة ذاكرته الأصلية فهو على التحقيق من يكون إنسانا عادلا، والعدل هنا، حالة من الترتيب في العلاقة بين ملكات الإنسان، فإذا ترك الإنسان السلطان للقوى الشهوانية أو الغضبية على روحه، فهو ظالم لنفسه وليس عادلا معها، أما إذا كسر الإصرار من الشهوات، وسكن قلبه وجوارحه تحت موجب العقل والروح، فهنا، يكون عادلا مع نفسه، "ولأن مفهوم الدين في الإسلام يشمل الحياة في جوانبها كافة، فإن كل فضيلة هي فضيلة دينية، أي أنّها تهم حرية النّفس الناطقة، تلك الحرية التي بواسطتها يمتلك الإنسان القدرة على تحقيق العدل مع ذاته. وهذا معناه أن يكون للنفس الناطقة السلطان والتّوجيه والتحكم في النّفس الحيوانية وفي الجسد. وهذه القدرة للإنسان على تحقيق العدل مع ذاته بفضل النّفس الناطقة تشير إلى التّوكيد المتواصل لذلك الميثاق الذي عقدتهنفس الإنسان مع الله تعالى، والعمل حسب مقتضياته".[40]

إن خلاصة ما نود أن نصل إليه، هو أن نقر مع سعيد النورسيالإقرار الآتي "أيها الإنسان، أنّك إذا القيت السمع إلى النّفس والشيطان فستسقط إلى أسفل سافلين وإذا اضغيت إلى الحق والقرآن ارتقيت إلى أعلى علّيين وكنت أحسن تقويم في هذا الكون".[41]

خاتمة: في أهمية دراسة الشخصيات المتكاملة أخلاقيا لتوظيفها تربويا.

تبيّن لنا إذن، بعد أن وقفنا على الأهمية الفاصلة للتكامل الأخلاقي ومدى أثره العميق على الشخصية الإنسانية بعامة، والشخصية الإرتقائية التي هي ثمرته بخاصة، وتبيّن لنا أيضا، أن التَّكامل الأخلاقي الذي يتأسس على الإنتساب الإيماني، ويهتدي بفلسفة أحسن تقويم، هو الذي يبدّل مكان الإنسان، من جهة التخريب والعدم والشر والسلبية، إلى جهة الإيجاد والوجود والخير والإيجابية والفعل. فإننا في خاتمة هذه الورقة البحثية، ومن أجل تفعيل التكامل الأخلاقي فإننا نري، بأن الأدوات التي تنقل هذا الإهتمام بالتكامل الأخلاقي من الوعي بقيمته نظريا، إلى الوعي بقيمته عمليا هي مجموعة الإجراءات الآتية:

- الاهتمام بالشخصيات المتكاملة أخلاقيا، التي كانت تمثل قيادات علمية وروحية، ودراسة العوامل التربوية وأساليب التنشئة الإجتماعية التي أثرت فيها، بغرض أن تكون علامات نهتدي بها في برامجنا التربوية، ونماذج مثلى لأبناء الأمة المسلمة من أجل التجديد الروحي والفكري، وبالتالي كيف نستفيد منهم من أجل تنمية الفكر وتزكية الخلق. مثل ابن خلدون ومالك بن نبي ومحمد إقبال وجلال الدين الرومي.

- الإهتمام بالتراث الأخلاقي للشَّخصيات المتكاملة أخلاقيا، وتحويل أساليبهم في تزكية النفوس وتنوير العقول، إلى برامج دراسية، في المؤسسات التّعليمية خاصة الجامعية منها، لأن العلوم التربوية والنّفسية التي يتم تداولها، مبنية اصلا على تغييب التخلق الدّيني، وبالتالي، فالتراث الأخلاقي لهؤلاء يشكل ذخيرة علمية وأخلاقية، تحقق التكامل الأخلاقي، الذي يجدد العقل ويجدد الروح ويجدد دور الجامعة، بأن لا تكون مكانا فقط لاكساب المهارات، وإنّما مكان أيضا لتلقي الفضيلة وتربية الذّات أخلاقيا.

- توجيه البحوث بخاصة في المجالات الدينية والتربوية والأخلاقية، إلى الانكباب على دراسة التراث الأخلاقي، واستخراج الأساليب العلاجية لأمراض النّفس الحديثة، وذلك بإعادة النسبة الإنسانية إلى الإيمان، وإعادة تفعيل الدّور الوجودي للدين، بدلا من اختزاله في الأدوار الجزئية.

* * *


[1] دكتوراه في فلسفة القيم، جامعة قسنطينة2، الجزائر، رئيس اللجنة العلمية لقسم الفلسفة، جامعة محمد لمين دباغين سطيف2، رئيس تحرير مجلة نماء لعلوم الوحي والدراسات الإنسانية، مركز نماء، من مؤلفاته الأخيرة: أزمة الحداثة ورهانات الخطاب الإسلامي، 2013، قوة القداسة 2014، المعرفة والارتياب 2013، مدخل إلى الفلسفة العامة 2015، ومقالات في مجلات دولية محكمة منها: مجلة إسلامية المعرفة، مجلة عالم الفكر.

[2] بيغوفيتش، علي عزت، الإسلام بين الشرق والغرب، ترجمة يوسف عدس، القاهرة: دار الشروق، ط1، 1994م، ص 55/57.

[3] أنظر، خالد الصمدي، وعبد الرحمن حللي، أزمة التعليم في العالم الإسلامي، دمشق: دار الفكر، 2008 م.

[4] عبد الرحمن، طه، من الإنسان الأبتر إلى الإنسان الكوثر، بيروت: إبداع، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، 2016م، ص 38.

[5] يالجن، مقداد، التّربية الأخلاقية الإسلامية، ضرورة عصرية وآليات تنفيذها، دراسة مقارنة، الرياض، دار عالم الكتب الحديث، 2015، ص 32/33.

[6] زايد، أحمد، التعليم وتأسيس منظومة القيم، التفاهم، العدد، 36، ربيع 2012 م، ص 285.

[7] النّورسي، بديع الزمان، الإيمان وتكامل الإنسان، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، الجزائر: دار سوزلر للنّشر، 2014م، ص 27.

[8] فروم، إريك، الإنسان بين الجوهر والمظهر، ترجمة، سعد زهران، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ص 23.

[9] نصر، سيّد حسين، الصوفية بين الأمس واليوم، ترجمة كمال خليل اليازجي، بيروت: الدار المتحدة للنّشر، 1975م، ص 32.

[10] عبد الرحمن، طه، من الإنسان الأبتر إلى الإنسان الكوثر، المرجع السابق، ص 44/45.

[11] فروم، إريك، مرجع سابق، ص 16.

[12] عبد الرحمن، طه، سؤال الأخلاق مساهمة في النّقد الأخلاقي للحداثة الغربية، المغرب: المركز الثقافي العربي، 2000 م، ص 14.

[13] بيغوفيتش، علي عزت، الإسلام بين الشرق والغرب، مرجع سابق، ص 195/196.

[14]الفاروقي، إسماعيل راجي، نحو جامعة إسلامية، ترجمة محمد رفقي محمد عيسي، المسلم المعاصر، العدد، 33، السنة 1982/1983م، ص 51/52.

[15] الموسوعة الفلسفية العربية، إشراف معن زيادة، المجلد الأول(المفاهيم والاصطلاحات) بيروت: معهد الإنماء العربي، 1986م، ص 508.

[16]عبد الرحمن، طه، الحق الإسلامي في الإختلاف الفكري، المغرب: المركز الثقافي العربي،2005 م، ص 223.

[17] الفاروقي، إسماعيل راجي، التوحيد مضامينه على الفكر والحياة، ترجمة السيّد عمر، القاهرة: مدارات للأبحاث والنّشر، 2014م، ص 143.

[18]عبد الرحمن، طه، الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري، مرجع سابق، ص 230.

[19] يقول جلال الدين الرومي " مهمتك في هذه الدّار؛ أن تتطهّر وأن تصبح ناضجا"، أنظرجيهان أوكويوجو، مولانا جلال الدين الرومي، القاهرة: دار النيل، 2014، ص111.

[20] فروم، إريك، مساهمة في علوم الإنسان، الصحة النّفسية للمجتمع المعاصر، ترجمة محمد حبيب، سوريا: دار الحوار، 2013، ص 39.

[21] أنظر، آزاد علي إسماعيل، الدين والصحة النفسية، أمريكا، الأردن، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2014م، ص 139.

[22] ابو سليمان، عبد الحميد، الرؤية الكونية الحضارية القرآنية المنطلق الاساس للإصلاح الإنساني، أمريكا، القاهرة: المعهد العالمي للفكر الاسلامي، دار السلام، 2009م، ص 25.

[23] بيجوفيتش، علي عزت، الاسلام بين الشرق والغرب، مرجع سابق، ص 50.

[24] النورسي، سعيد، الإيمان وتكامل الإنسان، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، الجزائر:منشورات سوزلر، 2014، ص 15

[25] الفاروقي، إسماعيل راجي، التوحيد، مرجع سابق، ص 43.

[26] النورسي، سعيد، الإيمان وتكامل الإنسان، مرجع سابق، ص 16.

[27] عبد الرحمن، طه، بؤس الدّهرانية النّقد الإئتماني لفصل الأخلاق عن الدّين، بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنّشر، 2014م ص 14.

[28] المرجع نفسه، ص 15.

[29] فروم، إريك، الإنسان بين المظهر والجوهر، مرجع سابق، ص 30.

[30] عبد الرحمن، طه، بؤس الدّهرانية، مرجع سابق، ص 16.

[31]المحاسبي، الحارث بن اسد، بدء من أناب إلى الله، تحقيق نجدي فتحي السيّد، القاهرة: دار السلام،ط3،2008م، ص 34.

[32] عثمان، علي عيسى، لماذا الإسلام وكيف؟، بيروت: دار النفائس، ط1 م1997، ص 186/189.

[33] عبد الرحمن، طه، من الإنسان الأبتر إلى الإنسان الكوثر، مرجع سابق، ص 105.

[34] عبد الرحمن، طه، بؤس الدّهرانية، مرجع سابق، ص 101.

[35] أبو سليمان، عبد الحميد، الرؤية الكونية الحضترية القرآنية، المنطلق الأساس للإصلاح الإنساني، مرجع سابق، ص 115.

[36] حاج حمد، محمد أبو القاسم، حرية الإنسان في الإسلام، بيروت: دار الساقي، ط1، 2012م، ص 45/46.

[37] المرجع نفسه، ص 49.

[38] عثمان علي عيسى، لماذا الاسلام وكيف، مرجع سابق، ص 178.

[39] النورسي، سعيد، الإيمان وتكامل الإنسان، مرجع سابق، ص 38/42.

[40] العطاس، سيد محمد نقيب، مداخلات فلسفية في الإسلام والعلمانية، ترجمة، محمد طاهر الميساوي، ماليزيا، الأردن: دار الفجر، الأردن، 2000م، ص 97.

[41] النورسي، الإيمان وتكامل الإنسان، مرجع سابق، ص 57.


 

أرشيف الدراسات

15 - الإيجابية والعمل الإيجابي في رسائل النور
. محطات بارزة من التاريخ المعاصر وأثرها في حياة النورسي ومدرسته
. التّكامل الأخلاقي وأثره الإيجابي في إنشاء الشخصية الارتقائية
. بديع الزمان سعيد النورسي ومفهوم الجهاد في العصر الحديث
. العدالة والسعادة مقاربة لمفهوم المجتمع الفاضل بين النورسي والفارابي والترمذي
14 - بعض قضايا الفكر الإسلامي في رسائل النور
. قراءة الأنبياء كتاب الكون من خلال رسائل النور
. مبادئ الإصلاح التربوي عند الإمام بديع الزمان سعيد النورسي
13 - الإنسان في رسائل النور وجودا، ومهمة، وغاية
. النورسي والبعد الجمالي في أسلوبيات القرآن الكريم
. دور الشريعة الإسلامية السمحاء في تثبيت الأمن العالمي
12 - مفاهيم وردت العناية بها في رسائل النور
. الترادف في القرآن الكريم
. الإنسان والقيم عند ابن خلدون
11 - وقفات مع بعض عناصر القوة المعنوية
. جمالية المضمون العلمي في رسائل النور أصولها وملامحها
. درس الإلهيات عند النورسي معالم المنهج ومؤشرات التجديد
. نقد الْحَضَارَةِ الغربية وتقويمها فِكْرِ الإِمَامِ سَعِيدِ النُّورْسِي
10 - عنوان الملف: الأخلاق والوراثة
. البناء النصيّ للقرآن الكريم بين الوفاء للحقيقة واتّساع المعنى
. النورسي رجل الحوار والإقناع
. توحيد القلوب في رسائل النور
9 - المقاصد في رسائل النور
. العقل المؤيد بالإيمان عند الإمام النورسي أو اتصال الآيات والقيم
. مسألة الشر والسيئات وعلاقتها بالعدالة الإلهية في الخلق...
. الثنائي البلبل والوردة تعبيرا عن الحب القائم بين الخالق والمخلوقات...
. النورسي والتصوف أو من توحيد الولي، إلى توحيد الصفي
. النورسي من برزخ التصوف إلى معراج القرآن
. الرؤية الكونية للأخلاق عند النورسي وأثرها في بناء الإنسان
8 - أسرار العبرة والتعبير في رسائل النور
. اعتبار المآل واستشراف المستقبل عند بديع الزمان النورسي
. مشكلة الثقافة والحضارة في العالم الإسلامي من منظور مالك بن نبي
. مظاهر الجمالية في المحن والابتلاءات من خلال سيرة النورسي
7 - النورسي والتصوف
. منهجية النورسي في الاستدلال على الحياة الآخرة
. وقفات مع رسالة الإجتهاد للأستاذ النورسي
. المنظومة الأخلاقية عند النورسي
. النظرة الشمولية إلى العدالة عند النورسي
6 - دعوة رسائل النور
. أصلح نظام لتسيير العالم الإنساني اليوم هو الإسلام
. منهج البحث الدلالي في دراسات أوزيستو القرآنية والصوفية
. أصول التفكر في رسائل النور
. رؤية الامام النورسي للربا
5 - الرؤية الحضارية في رسائل النور
. الرؤية النُورسية لبعض القضايا الحضارية الشائكة
. من معالم التجديد عند النورسي
. العدالة الإلهية وإشكالية الشر في فكر الأستاذ النورسي
4 - أسس التربية في رسائل النور
. سعيد النورسي خزانة تنتظر الاكتشاف
. ملامح تجدد خطاب النورسي في مواجهة تحديات العصر
. دراسة عن أسلوب الحوار في القرآن الكريم
. مبادئ الإنسانية وتحديات العصر في نظرية سعيد النورسي
3 - أسس التربية في رسائل النور
. النورسي ودعوته
. سياسة العالم الإسلامي في القرن العشرين في نظر النورسي
. تربية الطفل وأساليبها في التشريع الإسلامي
2 - التعليم في رسائل النور
. حركة التجديد والإصلاح في أواسط القرن العشرين
. القضايا الأساسية للعالم الإسلامي وطرق حلها في نظر بديع الزمان
. مناجاة فكرية بين الإمام الغزالي والشيخ النورسي
1 - المنهجية في رسائل النور
. ثورة الإيمان
. مفاهيم المشروع النهضوي الإسلاميّ المعاصر -نقد وتوجيه-
. فصل المقال فيما بين فلسفة البشر وحكمة القرآن من الانفصال

النور للدراسات الحضارية والفكرية
 المركز الرئيسي:  

Kalendarhane Mah. Delikanli Sk. No: 6
Vefa 34134 Fatih - Istanbul / TURKIYE
 Phone: +90 212 527 81 81 - Fax: +90 212 527 80 80