محطات بارزة من التاريخ المعاصر وأثرها في حياة النورسي ومدرسته

محطات بارزة من التاريخ المعاصر وأثرها في حياة النورسي ومدرسته الفكرية

Notable Events in Contemporary History and Their Influence on Nursi’s Life and His School of Thought

ABSTRACT

Mustafa Adardawr

The Secular Republic of Turkey is witnessing a large expansion of Muslim communities. The influence and effectiveness of these communities is increasing within the social and religious fabric of the country in recent decades. This resulted in a big controversy concerning the historical and intellectual roots of these movements. Questions are also raised about the contexts of emerging, developing methods and functioning mechanisms. Here the historical significance of "the Nur Community" comes as one of the most important social and religious phenomenon of the country. The roots of the community linked to a specific historical context began in the late Ottoman and continued during the Turkish Republic , Mustafa Kemal era since 1923, in addition to ,as the founder, the affect of Nursi’s historical life stages that continued until his death in 1960. All events deeply affected the shaping of a vocation ,both in theory and practice to become one of the largest and most influential faith based religious community in the history of modern Turkey both on social and political levels.

* * *

ملخص البحث

مصطفى أدردور[1]

في ظل ما يميز تركيا، الجمهورية العلمانية، من غنى وتعدد في المشهد الديني الاسلامي، وما تشهده من امتداد وحضور قوي للتيارات الاسلامية وازدياد تأثيرها وفاعليتها داخل النسيجين الاجتماعي والديني خلال العقود الأخيرة، تُطرح إشكالية الأصول التاريخية والفكرية لهذا التيار الاسلامي وتثار الأسئلة حول سياقات نشأته، وسيرورات تطور مناهجه الفكرية والآليات العملية لاشتغاله. من هنا، تأتي الأهمية التاريخية للمدرسة النورية، كواحدة من أهم مكونات التيار الاسلامي وأكثرها حضورا وحيوية داخل المجتمع التركي، حيث ارتبط تشكلها وتطورها بسياقات تاريخية معينة بدأت معالمها الأولى منذ أواخر الدولة العثمانية واستمرت مع عهد الجمهورية الكمالية منذ قيامها سنة 1923م، فضلا عن محطات تاريخية شخصية طبعت حياة مؤسس المدرسة، الشيخ بديع الزمان سعيد النورسي حتى وفاته عام 1960. كلها أحداث ومحطات تفاعلت فأثرت في مسار هذه المدرسة وفي تطور منهجها، فكرا وممارسة، لتصبح واحدة من أكبر التيارات الدينية وأكثرها فاعلية وتأثيرا في تاريخ تركيا المعاصرة سواء على المستويين الاجتماعي أو السياسي.

* * *

توطئـة:

في سياق انحسار الحضارة الإسلامية وتقدم الغرب الأوربي، وفي ظل توالي الأزمات السياسية والاقتصادية على عاصمة الخلافة الإسلامية (الدولة العثمانية) خلال القرن 19م، بزغت بين المسلمين رؤى ومناهج فكرية إصلاحية مُجددة توخت تحديد مكامن الخلل في جسم الأمة الإسلامية، وتقديم إجابات شافية وحلول عملية للخروج بالعالم الإسلامي من وضع الجمود الحضاري والفكري، في محاولة جادة لمسايرة الغرب الأوربي في تقدمه ونهضته على كافة الأصعدة والمجالات.

ولعل سعيد النورسي المعروف ببديع الزمان (1877–1960م)، يعد أحد أهم أقطاب هذا الفكر الاصلاحي التجديدي الإسلامي خلال هذه الفترة العصيبة من تاريخ العالم الإسلامي. إذ قدم أفكارا ورؤى إصلاحية شكلت منهجا فكريا للإصلاح عُرِف فيما بعد بـ "الفكر النورسي" أو "المدرسة النورية". وهو منهج توخى تحديد مكامن الخلل في جسم الأمة الإسلامية، والسعي للخروج بها من حالة الانحطاط والجمود الفكريين، واللحاق بركب الحضارة الغربية عبر جملة من المرتكزات، كان أبرز معالمها الاستفادة -قدر الامكان- من العلوم والتكنولوجيا الغربية في إطار الخصوصية الإسلامية، والسعي لبناء شخصية المسلم المثقف، وتقوية الوعي الذاتي لدى المسلمين كأساس لبناء المجتمع وتحريره من سيطرة الأفكار "المادية" والعلمانية و"اللادينية"، وجعله قادرا على مواجهة تحديات العصر الحديث.

إن بزوغ شخصية سعيد النورسي ومنهجه الفكري الاصلاحي، وريادة أفكاره وآرائه "المستنيرة"، كانت ولا شك، وليدة محطات وأحداث تاريخية مفصلية، منها ما طبع مسار حياته الشخصية (علاقته بشيوخ الصوفية، السجون، المنافي...)، ومنها ما وسم واقع الدولة العثمانية والجمهورية الكمالية (الثورة الدستورية 1908م، حرب التحرير، الحرب العالمية الأولى، إلغاء الخلافة وقيام الجمهورية الكمالية...)، وأخرى كان العالم الإسلامي مسرحا لأحداثها (الاستعمار، التغلغل الاقتصادي والامبريالي...) وهي كلها محطات وأحداث شكلت محكا واقعيا لشخصية النورسي، ولدت لديه -في مناسبات عديدة-مخاضا فكريا وروحيا طوّر وصقل رؤاه وأفكاره، لتبلغ مرحلة من النضج الفكري والتربوي توجته "رسائل النور"، والتي شكلت القاعدة الفكرية لمنهج النورسي ولـ "مدرسة النور" بعد وفاته، بشكل جعل منها أكبر مدرسة إسلامية وأكثرها فاعلية وتأثيرا في تاريخ تركيا المعاصرة.

أولا: نبذة عن حياة النورسي

ولد الشيخ سعيد النورسي في قرية نورس جنوب شرقي الأناضول -على الأرجح- سنة 1877.[2] ينحدر من أسرة كردية بسيطة. تلقى العلوم الإسلامية منذ صغره، إذ كان يتنقل بين كتاتيب القرى المجاورة لقريته "نورس" للاستماع إلى مناقشات وحوارات الشيوخ والطلاب والمعلمين والاستزادة من العلوم الدينية. ارتحل في سن مبكرة طلبا للعلم إلى عدة قرى ومدن (أوراس، بتليس، دوغو بايزيد...)، وفيها تتلمذ على يد عدد من الشيوخ، كان أولهم أخوه الأكبر الملا عبد الله، والشيخ محمد الجيلاني، وعبد الرحمن تاغي، وأمين أفندي... ليصبح أحد أبرز علماء عصره، وأكثرهم تأثيرا في الحياة السياسية والفكرية والاجتماعية للمجتمع التركي المعاصر. لقب بـ "بديع الزمان" لذكائه ولعلمه الغزير وحكمته واطلاعه المعرفي الواسع، ولإبداعه في تفسير القرآن الكريم وفق منهج علمي رصين.

تبرز أهمية دراسة شخصية بديع الزمان سعيد النورسي في قيمة الرجل العلمية والفكرية كأحد مجددي ومصلحي الأمة الإسلامية خلال فترة مفصلية من تاريخ العالم الإسلامي عموما والدولة العثمانية على وجه الخصوص. فقد شكلت الفترة الممتدة من أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين فترة عصيبة من تاريخ الأمة الإسلامية. طبعت بجمود فكري وقصور حضاري وتوال للهزائم والنكبات السياسية والعسكرية في ظل هيمنة غربية -أوربية- بكل أبعادها السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية، جسّدها تكالب الاستعمار واشتداد تنافس دوله على البلدان الإسلامية، وما اعتباره "غزوًا فكريًا" تجلى في انتشار الفلسفات "المادية" والوضعية بين المسلمين، لاسيما في أوساط النخب وفئة الشباب.

في ظل هذه الأوضاع، بزغت شخصية سعيد النورسي، الذي عاصر كل هذه الأحداث والتحولات، فاستصحب معطياتها في صياغة رؤية في التغيير، متفاعلا معها بمواقفه وآرائه ومشاركته الفعّالة في دفعها والتربية على مقاومتها، انبرى للرد على هذه الهجمات المستهدفة للدين الإسلامي؛ فوقف في وجه المخططات الاستعمارية، مستهدفا تقوية البعد الإيماني لدى المسلمين وبناء المجتمع من خلال التركيز على بناء الفرد. ولعل تأليفه لرسائل النور، يندرج ضمن هذه المساعي، إذ شكلت هذه الأخيرة "متنا مرجعيا" أو "نصا معياريا" لتشكّل أهم سعي ديني إسلامي أصيل وأكثره تأثيرا في تركيا المعاصرة وهي "مدرسة النور" أو "المدرسة النورية".

ثانيا: أهم المحطات التاريخية المعاصرة التي أثرت في حياة النورسي

يقودنا التأريخ لحياة بديع الزمان سعيد النورسي، بالضرورة المنهجية إلى التأكيد على أن حياة الرجل، كانت حافلة بالأحداث والتجارب والتحولات العميقة سواء على المستوى الشخصي/ الذاتي أو في ارتباطه بواقع الأمة الإسلامية والدولة العثمانية ووريثتها الجمهورية الكمالية.

وهي أحداث وتحولات لها آثارها على مسار حياته وتطوره ونضجه الفكري والروحي، ليصبح أحد أبرز علماء ومصلحي الأمة الإسلامية خلال القرن العشرين، وذلك بالنظر لما عرف به من منهج فكري "رصين" مستند إلى حقائق القرآن، وأفكاره المنيرة التي استهدفت تحديد مكامن الخلل في واقع الأمة الإسلامية، وتقديم إجابات وحلول للخروج بها من الانحطاط الفكري و "الانسلاخ الديني" والأخلاقي إلى حالة الرقي والازهار ومضاهاة الأمم الغربية، والوقوف في وجه المخططات الاستعمارية الغربية وأهدافها التخريبية.

بناء على كل هذا، فإنّ رصد أهم المحطات التاريخية ذات الوقع والتأثير الكبيرين على حياة النورسي وعلى معالم التحول في فكره ومنهجه ومدرسته، لن يستقيم إلا بتتبع أهم مراحل تطور شخصيته فكريا وروحيا في ارتباط وثيق دائما بواقع الأمة الإسلامية والدولة العثمانية والجمهورية الكمالية من بعدها، وهي المراحل التي أشار إليها النورسي في جل كتبه ومؤلفاته. إذ قسم هذا الأخير حياته إلى ثلاث مراحل عمرية رئيسية عكست هذا التطور الفكري والروحي في شخصه، وهي: سعيد القديم، سعيد الجديد، وسعيد الثالث. فما هي أهم المحطات التاريخية التي أثرت في حياة النورسي وحركته ومدرسته الفكرية؟ وما هي أهم معالم وخصوصيات المدرسة النورية خلال الفترة المعاصرة؟ وما خصوصيات منهج النورسي ومدرسته الفكرية؟

1. سعيد القديم: المشاركة السياسية والفاعلية الاجتماعية

في ظرفية الضعف التي ميزت الدولة العثمانية ابتداء من أواخر القرن التاسع عشر، وأمام اشتداد التنافس الاستعماري على بلدان العالم الإسلامي، وما ارتبط بذلك من "غزو فكري" واقتصادي، رأى سعيد القديم أن حربا مُنظمة ماكرة تُشن على الإسلام من لدن "الدوائر المادية" والعلمانية وأجهزة القوى الاستعمارية، تريد النيل من عقيدته وتقتلع جذورها من نفس المسلمين وعقولهم.[3] لذا، وسعيا منه للوقوف في وجه هذه المخططات الاستعمارية، وفي سبيل إنقاذ الإسلام من "التيارات المادية"، قرر سعيد القديم الانخراط في السياسة ونهج مسلك المشاركة السياسية الفعلية والفاعلة بغية التأسيس "لمقاومة إسلامية" ضد المخططات الغربية المستهدفة للإسلام، فتعاون مع السياسيين ورجالات الخلافة العثمانية.[4]

أدرك سعيد القديم طبيعة الصراع الحضاري والفكري الذي تمر به الأمة الإسلامية، فخطط لمواجهة المعترك ورد الشبهات المعاصرة عن الإسلام بالمنطق العقلي القرآني.[5] وفي هذا الصدد، كان لمقولة وزير المستعمرات البريطاني وليم جلادستون التالية "مادام هذا القرآن بيد المسلمين فلن نحكُمهم حُكما حقيقيا، فلنسعَ إلى نزعه منهم"[6] تأثير قوي في نفس النورسي، إذ هزت هذه المقولة كيانه، فرأى أن العالم الإسلامي يتعرض لهجوم غربي يستهدف إخضاع المسلمين وتقويض عقيدتهم، ليتحول إلى التركيز على القرآن الكريم وتبيان حقائقه الايمانية، وذلك من خلال توظيف كل العلوم على تنوّعها كمدارج للوصول إلى إدراك معاني القران الكريم وإثبات حقائقه.[7] وقد بين النورسي ذلك في قوله: "لأبرهننّ للعالم بأن القرآن شمسٌ معنوية لا يخبو سناها، ولا يمكن إطفاء نورها".[8] وسعيا لتحقيق هذا الهدف، قرر النورسي إنشاء جامعة إسلامية في شرقي الأناضول باسم "مدرسة الزهراء" لخدمة القرآن على منوال جامعة الأزهر في مصر. ولتحقيق فكرته هذه، شدّ الرحال إلى إسطنبول وبقي هناك سنة ونصف السنة محاولا إقناع المسؤولين العثمانيين بفكرته،[9] غير أنه لم يوفق في مسعاه.

لم يكن سعيد القديم منفصلا ومنقطعا عن واقع العالم الإسلامي، بل كان عالما مرتبطا -فكريا وروحيا ووجدانيا- بأحداث أمته وبنكباتها وأزماتها، فقد وضع قضايا المسلمين في بؤرة شعوره ووجدانه وفي قلب اهتماماته أكثر من اهتمامه بأموره الفردية ومعاناته الشخصية. لقد كان لأوضاع الأمة المتأزمة تأثير عميق في شخص سعيد القديم، فكان يجيب عندما يُسأل عما يعانيه من آلام نتيجة المحن والمصائب والمعاناة التي يتعرض لها بقوله: "إنني أستطيع أن أتحمل كل آلامي الشخصية، ولكن آلام الأمة الإسلامية سحقتني. إنني أشعر بأن الطعنات التي وُجهت للعالم الإسلامي وُجهت إلى قلبي أولا، لهذا تروني مسحوق الفؤاد..."[10]

لقد حاول النورسي بكافة السبل المتاحة له إخراج الأمة الإسلامية من حال الضعف والركود، متشبثا بكلّ ما بلغه جهده بالرغم من اختلال ميزان القوى لصالح القوى الاستعمارية الأوربية، فكان الرجل في ظل هذا الوضاع البائس يواجه الصعاب بنظرة متفائلة بمستقبل الإسلام والعالم الإسلامي، فكان يردد: "ستشرق شمس الحقيقة يوما، أفَيظل العالم في ظلام إلى الأبد!".[11]

شكل إعلان المشروطية الثانية[12] سنة 1908م محطة تاريخية بارزة في حياة سعيد القديم، إذ اعتبرت في نظره انقلابا إيجابيا نحو الحرية، مما دفعه للانخراط الكلي في الشأن السياسي والاجتماعي. فقد رأى فيها المدخل الأساسي لتقدم العالم الإسلامي، وأن مفتاح حظ الإسلام وسعادته ورقيه موجود في المشروطية المشروعة والحرية التي اعتبرها ضمن نطاق الشريعة،[13] فصرف جل همه إلى الدعاية لها وبذل كل الجهود للمساهمة في إحقاقها وإنجاحها، سواء من خلال إلقاء الخطب أمام العلماء وطلاب الشريعة،[14] أو من خلال المقالات المتعددة والتي أبرز فيها مفهوم الحرية في الإسلام، وكذلك من خلال الرسائل والبرقيات الموجهة إلى العشائر الكردية في شرق البلاد يحثهم فيها على التشبث بالمشروطية والحرية، وكان مما تضمنته هذه البرقيات: "إن المسألة التي سمعتموها وهي المشروطية والقانون الأساسي فما هي إلا العدالة الحقة والشورى الشرعية. تلقوها بقبول حسن. اسعوا للحفاظ عليها، لأن سعادتنا الدنيوية في المشروطية..."[15] هذا، فضلا عن دوره في تهدئة الجنود العاصين (تمرد الجند) في حادث مارت (13 أبريل 1909م)[16] وارجاعهم إلى الطاعة.

كان تحمس سعيد القديم للمشروطية نابعا من منطلقين أساسيين:

أولهما: إيمانه واعتقاده بأن المشروطية وسيلة لبعث الماضي الإسلامي واستعادة الأمة الإسلامية قوتها، إذ ربطها وقرنها بالحرية والشورى كمبدأ إسلامي في الحكم وسياسة الأمة، فنظر إليها -وما ينبثق عنها من حرية وحقوق فردية وجماعية- في نطاق الشريعة الإسلامية، فكان يقول: "إن المسلك الحقيقي للشريعة إنما هو حقيقة المشروطية المشروعة".[17] وعلى هذا الأساس، نادى سعيد القديم بضرورة تقييد هذه الحرية بأحكام الشرع حتى لا تتحول إلى استبداد مطلق، فكان يردد مرارا: "قيدوا الحرية بآداب الشرع".[18]

وثانيهما: اقتناعه بأن المشروطية أداة لتحقيق مبدأ سيادة القانون وتحقيق العدالة الاجتماعية وسيادة الأمة، وعبر عن ذلك بقوله: "إن روح المشروطية أن تكون القوة في القانون، والأمر والنهي في يد الحق والمرء خادما... إذ المشروطية هي حاكمية الأمة، والحكومة ليست إلا خادما".[19] لكل هذا، كان سعيد القديم يوصي الأمة بالتشبث بالحرية والاسترشاد بها وعدم القضاء عليها بالسفاهة والاهمال في الدين،[20] معتقدا بوجود مؤامرات وأياد خفية تحاول أن تستفيد من هذه المشروطية خدمة لأغراض مناهضة للإسلام، فكان ينادي: "يا أبناء الوطن! لا تفسروا الحرية تفسيرا سيئا كي لا تفلت من أيديكم، ولا تخنقونا بسقي الاستعباد السابق الفاسد في إناء آخر. ذلك لأن الحرية إنما تزدهر بمراعاة الأحكام الشرعية وآدابها".[21]

كان إيمان سعيد القديم بالمشروطية وبأهميتها، سببا في تعاونه وتعامله مع حكومة الاتحاد والترقي. فعلى الرغم من تباين خلفيته الفكرية والدينية مع إيديولوجية حركة الاتحاد والترقي، مال النورسي إلى حكومتهم ووقف منهم موقف تقدير وإعجاب والتزام وطاعة،[22] إذ جمعتهما الدعوة إلى الحرية ومقاومة نظم "الحكم الاستبدادي" للسلطان عبد الحميد الثاني. لكن ما فتئ أن ساءت هذه العلاقة بعدما رأى النورسي "انحرافهم عن الدين" ومعارضتهم للإسلام، وكذلك بسبب استبداد حكومتهم في ممارستها السياسية واصلاحاتها العلمانية التغريبية. هذا فضلا عن نزعتهم القومية التي سببت -حسب النورسي- الفرقة والانقسام بين رعايا الدولة العثمانية، فوصفــهم بـ: "الحكومة الظالمة التي ليس فيها من الحرية إلا لفظها."[23] وعلى إثر معارضته تلك، قُدم النورسي للمحكمة العسكرية العرفية بتهمة التآمر والسعي للإطاحة بحكومة الاتحاد والترقي في أحداث 13 أبريل 1909م. وبعده مباشرة، انضم سعيد القديم إلى جمعية الاتحاد المحمدي[24] التي استهدفت الدفاع عن الشريعة الإسلامية في وجه إصلاحات حكومة الاتحاد والترقي العلمانية، وعبّر عن ذلك بقوله: "فأنا أحد أفراد هذا الاتحاد ومن الساعين لرفع رايته وإظهار اسمه... ولستُ من الأحزاب والجمعيات التي تسبب الفرقة بين الناس."[25]

ركّز بديع الزمان خلال العهد الأخير من عمر الدولة العثمانية على إصلاح الأوضاع الداخلية للدولة من خلال النشاط السياسي الفعّال، لم تقتصر جهوده تلك على محاولة الإصلاح فقط، بل شملت المشاركة العسكرية في الدفاع عن كيان الدولة ضد الاعتداءات الخارجية. ففي سنة 1914م، وبعد دخول الامبراطورية العثمانية الحرب العالمية الأولى إلى جانب دول المركز، وبالرغم من معارضته للاتحاد والترقي، فإنّ سعيد القديم شارك في هذه الحرب كواعظ في الجيش العثماني سنة 1914م وكقائد لفرقة المتطوعين "الأنصار" ابتداء من 1915م على جبهة القوقاز، وخلالها وقع النورسي أسيرا بأيدي الجيش الروسي سنة 1916م.

كان لواقع الأسر الذي عاشه النورسي، وما صاحبه من أوقات عصيبة تجرع فيها قساوة الغربة ومحن السجن، تأثير كبير في حياة وشخصية سعيد القديم، إذ جعله يوثر العزلة ويستغرق في التأمل والتفكير والعبادة، سعيا لمقاومة مختلف الضغوط النفسية التي واجهته، لكن معاناته وآلامه تلك انقلبت إلى "صحوة روحية ومدد قرآني" على حد تعبير النورسي، فوصف حاله قائلا: "كان الأرق يصيبني كثيرا في تلك الليالي الحالكة السواد المتسربلة بأحزان الغربة القاتمة، حيث لا يسمع إلا الخرير الحزين لنهر الفولغا، والأصوات الرقيقة لقطرات الأمطار، ولوعة الفراق في صفير الرياح.. كل ذلك أيقظني -مؤقتا- من نوم الغفلة العميق..."[26]

قام النورسي في فترة الأسر، التي دامت أكثر من سنتين، بمراجعة ذاتية لمسار حياته وتقييم عام لأحوال العالم الإسلامي الذي كان يرزح تحت نير الاستعمار، وتلفّه كل مظاهر الضعف والجمود والفرقة والتخلّف، مما عمّق من حزنه وألمه، فلم يجد بديلا عن هذه المعاناة إلا في العبادة والتأمل في آيات ومعاني القرآن الكريم. ومن جهة ثانية، كان لمشاركته في معارك الحرب العالمية الأولى، وما قاساه من آلام ومعاناة ومظالم خلالها، أثر قوي على شخصيته وروحه، فكان يتألم كثيرا من هول المظالم والقتل الذي يرتكبه الروس في حق المسلمين، فوصف أهوال الحرب بقوله: "رغم أنني لم أكن أعد نفسي شيخا بعد، ولكن من يرى الحرب العالمية يشيخ، حيث يشيب من هول أيامها الولدان..."[27] لقد كان لواقع الأسر المرير وظروف الحرب المهولة، دور كبير في انقلاب النورسي الفكري والروحي وذلك بمجرد عودته من الأسر لاسطنبول سنة 1919م.

2. سعيد الجديد: الانسحاب السياسي والعودة للذات

شكلت الفترة التي أعقبت فرار النورسي من الأسر وعودته إلى اسطنبول مرحلة المخاض الفكري والروحي لظهور سعيد الجديد. فالأزمات المتكررة للأمة الإسلامية وتجاربه المريرة في السياسة والحرب والأسر، إضافة إلى -ما رآه النورسي- استمرارا للمؤامرات على الإسلام والمسلمين، ولدت لديه صحوة روحية ونفسية حملت معها نفرة وامتعاضا من الحياة الدنيوية، وبلورت لديه قناعة ملحة بضرورة التخلي عن العلوم الفلسفية لأنّها لوثت روحه وأصبحت عائقا أمام سموه المعنوي،[28] وبأنها سببت له أمراضا قلبية وأفسدت روحه، وقد عبر عن ذلك بقوله: "فما كان من سعيد الجديد إلا القيام بتمخيض فكره والعمل على نفضه من أدران الفلسفة المزخرفة ولوثات الحضارة السفيهة."[29] وتجسيدا لهذا التحول، جعل النورسي من القرآن الكريم الملاذ الوحيد ليتخلص من تأثيرات العلوم الفلسفية والدنيوية.

في خضم هذا الانقلاب الروحي والفكري، قرر سعيد الجديد الانسحاب الكلي من عالم السياسة، وأن يحمل على كاهله مهمة الدعوة للإيمان والقرآن بعدما أدرك أن مسلك العلوم الفلسفية والدنيوية لا يبرز حقيقة الإسلام مثل مسلك القرآن الكريم، فكان تأثيره في منع ظهور أعداء الدين ومجابهة مؤامراتهم دون حدّ الفصل وقطع الهزل، من هنا، وابتداء من سنة 1921م، آثر النورسي الخلوة والعزلة والاسترشاد بالقرآن الكريم. يقول في المكتوب الثامن والعشرين: "فالقرآن هو أسمى مرشد... وأقدس أستاذ على الاطلاق... ومنذ ذلك اليوم أقبلتُ على القرآن واعتصمتُ به واستمددتُ منه."[30] بهذا، كان التحوّل نحو سعيد الجديد مؤشرا لانقلاب فكري وروحي عميقين لدى النورسي انعكست معالمه في اعتزاله الحياة الاجتماعية وانسحابه من الشأن السياسي وتوجهه توجها كليا إلى "الجهاد المعنوي" لمقارعة -ما اعتبره- مشاريع الضلال والزندقة والالحاد التي عصفت بالبلاد والعباد عشية سقوط نظام الخلافة وقيام الجمهورية الكمالية، فسلك مسلك التفكر وخدمة القرآن. يقول في المكتوب الثالث عشر: "إن خدمة القرآن هي التي منعتني بشدة عن عالم السياسة بل أنستني حتى التفكر فيها."[31]

بمجرد إعلان قيام الجمهورية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، دشنت النخبة الكمالية مشروعا "تحديثيا" جديدا قائما على التغريب والعلمنة، استهدف فصل تركيا عن ماضيها الإسلامي وعن العالم المسلم،[32] فألغيت الخلافة الإسلامية (3 مارس 1924م) ووزارة الأوقاف والشؤون الدينية والمحاكم الشرعية، وألغي تدريس الدين ومدارس القرآن الكريم، وتم حظر الزوايا والتكايا الصوفية، وألغيت القوانين الإسلامية واستعيض عنها بالقانون المدني السويسري...

كل هذه الاجراءات، كان لها وقع قوي على شخص سعيد الجديد، إذ عمقت لديه شعور الإحباط الشديد على حال ومآل الأمة الإسلامية، فرأى فيها (الاصلاحات) تجسيدا لمحاربة الإسلام وسعيا لاقتلاعه من الجذور.

قال النورسي: "وُضعت هذه القوانين واتخذت القرارات لقلع الإسلام من جذوره وإخماد جذوة الايمان في قلب الأمة التي رفعت راية الإسلام طوال ستة قرون من الزمن."[33] عزّزت هذه التحولات لدى النورسي القناعة في عدم جدوى مسلك السياسة في مواجهة تيار العلمنة و "الالحاد"، كما قوت لديه شعور فقدان الأمل في رجال السياسة والفكر، واقتنع في المقابل أن صيانة العقيدة الإسلامية المهدّدة من قبل الحداثة العلمانية والأفكار الغربية هي ذات أولوية قصوى على مؤانسة طقوس الأخويات والطرق الصوفية،[34] وبالتالي فإنّ إصلاح الأوضاع يحتاج إلى مسلك جديد تكون قاعدته الأساسية بناء جيل قرآني مسلح بعقيدة إيمانية سليمة راسخة.

كانت علاقة النورسي بالكماليين إبان حرب التحرير (1919 -1922م) علاقة جيدة يطبعها الود والاحترام، إذ دعّم من خلال رسائله وفتاويه[35] الحركة الوطنية في جهادها ضد الحلفاء. وسعيا منها لكسب ود وتأييد الشيخ النورسي، بالنظر الى مكانته المرموقة بين العلماء وداخل المجتمع التركي، حاولت الحكومة الجمهورية في بداية عهدها إغرائه بالمناصب والامتيازات لقبول العمل معهم، لكنه قابل كل ذلك بالرفض معبرا: "إن سعيد الجديد يريد أن يعمل للحياة الأخروية، ولا يستطيع العمل معكم كما لن يتدخل في أموركم".[36] كما أنه لاقى ترحيبا رسميا كبيرا أثناء زيارتيه للجمعية الوطنية الكبرى في أنقرة، الأولى في 9 نونبر 1922م والثانية سنة 1923م. لكن هاتين الزيارتين، وما نتج عنهما من مشاهدة النورسي لما اعتبره مظاهرا للانحلال والتقصير في أمور الدين، جعله ينتقد الكماليين وينقلب إلى معارضتهم. يقول في معرض زيارته الثانية بعد مشاهدته لفرح المسلمين وابتهاجهم لاندحار اليونان: "إلا أنني أبصرت خلال موجة الفرح هذه، زندقة رهيبة تدب بخُبث ومكر، وتتسلل مفاهيمها الفاسدة إلى عقائد أهل الإيمان الراسخة بغية إفسادها وتسميمها."[37] لكل هذا، عاتب النورسي مصطفى كمال أتاتورك متهما إياه بالحاق الضرر بالأمة والوطن والعالم الإسلامي وبمحاربة الإسلام ومحاولة استئصاله على أمل نيل رضا -من يعتبرهم النورسي- أعداء الدين، فأفهمه: "إن القيام بإزالة الشعائر الإسلامية ابتغاء الحصول على شهرة لدى أعداء الإسلام دمار وأي دمار لهذه الأمة وفساد للبلاد والعباد، فإن كان لابد من انقلاب فليكن بالاستناد الى القرآن وجعله دستورا للدولة الحديثة."[38]

إن انتقاد سعيد الجديد لتوجهات الحكومة الكمالية، ومعارضته لإجراءاتها التحديثية العلمانية واتهامه لها بمحاربة الإسلام، عرّضته لمضايقات ومحن كثيرة، تراوحت بين المحاكمات العسكرية المتعددة والسجون والمنافي والاقامات الجبرية وكل أصناف التعذيب الجسدي والنفسي والمعنوي لفترة ناهزت 28 سنة. فقد اعتبر الكماليون النورسي وطلابه (على غرار الطرق الصوفية والحركات الدينية الأخرى) ممثلي "الرجعية الدينية" التي تهدد أركان النظام العلماني الناشئ. لكن بالرغم من كل ما لاقاه، لم يتبع سعيد الجديد طريق المواجهة المباشرة مع السلطة، وذلك لإيمانه بالمنهج السلمي في التغيير وتقديرا منه للمعطيات على أرض الواقع".[39]

لم تنل هذه المحن والمصائب من عزيمة سعيد الجديد، ولم تشكل عائقا يحول دون هدفه المتمثل في خدمة القرآن وإنقاذ الايمان، بل على العكس من ذلك، رأى فيها "تكليفا ربانيا" وتهييئا لشخصه لأجل خدمة القرآن الكريم. قال في هذا الصدد: "إن حياة النفي والاغتراب وعزلي عن الناس... ولّد لدي قناعة تامة... من أنّه تهيئة وتحضير لي للقيام بخدمة القرآن وحده."[40] ويؤكد ذلك في موضع آخر بقوله: "إن المضايقات... والعنت الذي أرزح تحته ظلما، إنما هو لدفعي بيد عناية خفية رحيمة إلى حصر النظر في أسرار القرآن دون سواها."[41] فقد قاوم النورسي كل محنه ونكباته بشجاعة وحزم، فسعى إلى التركيز على "رسائل النور" ونشرها قدر الامكان لمجابهة -ما اعتبره- زندقة وإلحادا يهددان عقيدة المسلمين، ولإنقاذ الايمان وتقويته عبر الاعتصام بحبل القرآن الكريم، فكان يقول: "إن جميع مضايقاتهم واستبداداتهم تصبح كالحطب لإشعال نار الهمّة والغيرة لتزيد أنوار القرآن سطوعا."[42]

بفضل منهجه الدعوي البنّاء، جعل سعيد الجديد من سجونه مدارس تربوية يوسفية،[43] ومن منافيه "مدارس نورية" خدمة رسائل النور. فقد فتحت له السجون ميادين عمل جديدة لتربية وتهذيب المساجين ليُخرّج منهم جيلا من خيرة طلاب النور مستعدين لخدمة القرآن ونشر رسائل النور، قال النورسي: "...اعتراني حزن وألم شديدان.. حتى أغاثتني العناية الربانية فحوّلت ذلك السجن الرهيب إلى مدرسة نورية، فحقا إن السجن مدرسة يوسفية، وبدأت رسائل النور بالانتشار والتوسع..."[44] وهذا يبرز مدى نجاح النورسي في استغلال كل الفرص الممكنة، -بما فيها السجون والنكبات والمنافي-، في خدمة القرآن ونشر دعوته وأفكاره. لقد حول السجون إلى فضاءات لتحقيق عدة فوائد وثمرات لصالح دعوته، حددها في الحصول على غنائم معنوية كثيرة واستفادة المساجين من رسائل النور، وقراءة رسائل النور في الأوساط الرسمية العليا.[45]

من هنا، فقد شكلت كل سجون ومنافي "الاضطهاد الكمالي" لحظة مفصلية مأثرة في مسار حياة النورسي، إذ مثلت بالنسبة إليه مرحلة "العودة إلى الذات" والتركيز على إصلاح ذات المسلم من الداخل عبر مسلك التأمل والتفكر كوسيلة من الوسائل التربوية لاستنبات الإيمان في القلوب من منطلق "تفكرُ ساعةٍ خير من عبادة سنة"،[46] وذلك إيمانا منه أن إصلاح المجتمع وصلاح أمره لا يتم إلا من خلال إصلاح الذات/ الفرد. وفي هذا الصدد يقول الباحث التركي هاكان ياووز: "إن الظروف السائدة المتمثلة في الاضطهاد الكمالي أجبرت النورسي على الانتقال من رسالة الإصلاح الإسلامي الخارجي إلى رسالة إصلاحية تأملية داخلية".[47] ففي أقبية السجون وعزلة المنافي، عكف النورسي على دراسة القرآن الكريم وبيان إعجازه وحقائقه الايمانية، فأبدع في فهم وتفسير معاني القرآن 130 رسالة عرفت بـ "رسائل النور"، والتي سجل فيها النورسي كل الأحداث التي مر بها ودوّن فيها خواطره الإيمانية ومعاناته النفسية والروحية ونظراته وتحليلاته للأحداث التي عاصرها.

3. سعيد الثالث: العودة للسياسة

شكّلت مرحلة الانتقال الديمقراطي، باعتماد التعددية الحزبية في تركيا سنة 1950م، منعطفا هاما في مسار وحياة النورسي وطلاّب النور. إذ تميزت المرحلة بنوع من الانفتاح الديمقراطي خُفّفت معه بعض القيود التي كانت مفروضة على الحركات الدينية بما فيها المدرسة النورية. وَفَّرَ هذا التحوّل السياسي أجواء ملائمة لعهد "الإحياء الديني" برز معه النشاط الديني إلى السطح مرة أخرى. كما كان هذا الانفتاح عاملا أساسيا في تحوّل النورسي إلى سعيد الثالث، وهو تحوّل انعكس في انقلاب جوهري في فكره وآرائه من خلال عودته إلى السياسة، لكن بشكل غير مباشر هذه المرة، من خلال دعمه للحزب الديمقراطي بزعامة عدنان مندريس ضدا على حزب الشعب الجمهوري الكمالي.

شكّلت مرحلة سعيد الثالث إذن، عودة غير مباشرة للنورسي إلى المجال السياسي، حيث عبّر فيها عن أفكار تبدو مناقضة لأفكاره السابقة، لاسيما ما يتعلق بموقفه من المشاركة السياسية. فقد أعرب سعيد الثالث عن اعتقاده بأن الأحزاب السياسية تشكل ركائز الحياة الديمقراطية، وجادل بأن الدستورية البرلمانية وسيادة القانون هي أفضل بيئة لتجديد الإسلام.[48] ولذلك، لم يتردد في دعم الحزب الديمقراطي وتقديم النصيحة والإرشاد لأعضائه، وذلك حتى يَحُول دون عودة حزب الشعب الجمهوري الكمالي للسلطة. ففي سياق محاربة حكومة الحزب الديمقراطي للمد الشيوعي خلال خمسينيات القرن الماضي، وباستغلال تسامح الحكومة مع الإسلام والتدين، وجه النورسي اهتمامه نحو الأحداث السياسية فحاول إرشاد الحكومة الجديدة من خلال الرسائل الخاصة[49] وتقديم النصيحة لهم. بل وأكثر من ذلك فقد صوّت النورسي للحزب الديمقراطي سنة 1957م وحثّ طلابه على التصويت له. إذ رأى في الديمقراطيين قوة تساعد طلاب النور في كفاحهم ضد الشيوعية و "الالحاد". ففي رسالة كتبها النورسي سنة 1957م قال: "...بالنظر لعدم القدرة على إنشاء حزب المحمديين، فعلى النوريين دعم الحزب الديمقراطي، بالنظر للأهمية التي يوليها هذا الأخير للإسلام."[50]

إن انقلاب النورسي إلى سعيد الثالث وعودته إلى الشأن السياسي، لا يعكس -البتة- اقتناعا ذاتيا عند النورسي بنجاعة العمل السياسي في تحقيق التغيير المنشود الذي سطرته رسائل النور، كما لا يشكل مراجعة فكرية تصحيحية لموقفه السابق حول أهمية مسلك السياسة في خدمة الدين والقرآن، بل يفسَّر بأن النورسي رأى في هذا التوجه الجديد، في ظل الظروف السياسية والاجتماعية المستجدة وقتذاك "أهون الشرين".[51] ومن جهة ثانية، فإنّ النورسي نجح في استغلال جو الانفتاح الديمقراطي وتساهل الحكومة مع الأنشطة الدينية لصالح حركته ورسائل النور. فمع رفع الاضطهاد عن النورسي، انتقلت جماعة النور بالدعوة للإسلام من مستوى البلاغ الشفهي إلى مستوى المطبوعات،[52] فظهر مع بداية عقد الخمسينيات جيل جديد من طلاب النور شرعوا في طباعة رسائل ومؤلفات النورسي بالأحرف اللاتينية الجديدة ونشرها في كل بقاع تركيا خاصة في مدينتي اسطنبول وأنقرة، مما أدى إلى انتشار هذه الرسائل وتعاظم عدد الطلاب والقراء، لتصبح إحدى أهم الحركات الدينية وأكثرها انتشارا وتأثيرا في تركيا المعاصرة من خلال ما تملكه من مجلات وجرائد ودور النشر...

ثالثا: المدرسة النورية: الفكر والمنهج

1. المدرسة الفكرية النورية

لم يكن حدث وفاة النورسي سنة 1960م ليحول دون انتشار رسائل النور وامتداد المدرسة النورية. بل بالعكس من ذلك، عززت -بعد وفاة النورسي- قوتها ومكانتها ابتداء من عقد الستينيات، واكتسبت قوة أكبر في المشهدين الاجتماعي والديني لتركيا المعاصرة، بل وتجاوز حضورها وتأثيرها حدود تركيا فوصل إلى آسيا الوسطى وألمانيا وعدد من الدول الأوربية.[53] ففي سبيل تحقيق مشروعها اتمثل في توحيد المسلمين لتقودهم إلى المصادر الأصلية للإسلام من خلال رسائل النور، ومن أجل مواجهة الإصلاحات العلمانية للجمهورية الكمالية من جهة، والمد الشيوعي وتيارات "الالحاد" و "اللادينية" داخل المجتمع التركي من جهة ثانية، أطّر طلاب النور أنفسهم بطريقة منظمة ومحكمة جدا في جميع مناطق تركيا، وعزّزوا حضورهم داخل المؤسسات العلمية بالبلاد لاسيما في مدارس الأئمة والخطباء وفي المعاهد الإسلامية العليا.[54] كما واصلوا العمل بقوة على نشر وتوزيع رسائل النور في كل أرجاء تركيا.

تعتبر المدرسة النورية أو جماعة النور، مدرسة دينية تجديدية ذات بعد فكري تربوي، فهي كغيرها من مدارس التجديد التي حاولت الإجابة على سؤال يتعلق بأسباب تخلف المسلمين وتقدم غيرهم، إذ تستهدف بناء مجتمع جديد على أسس إسلامية متينة من خلال العودة الى الأصول النقية للإسلام ممثلة في القرآن والسنة. فبالنظر إلى حجم تأثيرها في الحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية داخل المجتمع التركي، فهي تعد من أبرز المدارس التربوية المؤثرة في تركيا، وذلك بانتساب كثير من كبار المثقفين من ذوي المستويات العلمية والثقافية العالية خصوصا أساتذة الكليات ومؤسسات التعليم العالي وأصحاب مشاريع التجارة الصغيرة ومن الحرفيين والمهنيين وموظفي الخدمة المدنية.[55]

إن حفاظ مدرسة النور على زخمها وتأثيرها القوي داخل المشهدين الديني والاجتماعي في تركيا المعاصرة، يرجع في المقام الأول إلى الارتباط الوثيق لطلاب النور برسائل النور التي شكلت النواة الفكرية والأخلاقية لتشكل المدرسة. فقد تحول طلاب النور بعد وفاة الشيخ المؤسس إلى ما أسماه الباحث هاكان ياووز "مجتمعات نصية"[56] متمحورة حول رسائل النور كـ "متن مرجعي" يشكل الإطار الفكري والعملي الذي يرسم ويأطر عمل وأنشطة طلاب النور في تحقيق أهدافهم الساعية إلى خدمة الإسلام. فقد انتظمت هذه المجتمعات النصية في حلقات دراسية تسمى[57] "Dershane" قصد قراءة وتفسير نصوص النورسي بشكل ساهم في تشكيل وعي سياسي واجتماعي إسلامي مشترك[58] أفرز ولادة المدرسة النورية بشكلها المعروف حاليا. لقد أعطت أفكار النورسي معنى وغاية للحياة الفردية لدى أتباعه ووفرت لهم الموارد والدينامية والأرضية الفكرية للتحوّل لمدرسة اجتماعية ودينية رائدة.

لكن المدرسة، وابتداء من عقد السبعينات، وعلى امتداد عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، شهدت سلسلة من الانقسامات الداخلية في صفوفها، وارتبطت هذه الظاهرة داخل مدرسة النور بثلاثة عوامل رئيسية:

أ. مسألة المشاركة السياسية: عرفت المدرسة ابتداء من عقد السبعينيات انقساما داخليا ارتبط باختلاف وجهات النظر في مسألة دعم الأحزاب السياسية. فقد اتجه بعض الأعضاء البارزين فيها إلى دعم أحزاب محافظة ممثلة في حزب السلامة الوطني.[59]

(حتى إن بعضهم دخل البرلمان نوابا عن الحزب المذكور)، وهو التوجه الذي عارضه بعض الأعضاء الآخرين في مدرسة النور. لكن ما لبثت أن انفصلت عن الحزب بسبب الخلافات السياسية والايديولوجية مع زعيم الحزب، نجم الدين أربكان، فتحولوا بعدها إلى دعم أحد أحزاب يمين الوسط، حزب العدالة بقيادة سليمان ديميريل.

ب. التحرر الديمقراطي والاقتصادي والسياسي: في ظل الانفتاح والتحرر الذي شهدته تركيا في عهد تورغوت أوزال[60] سواء أثناء رئاسته للحكومة أو رئاسته للجمهورية - في الميادين الاقتصادية والسياسية، أبدى بعض المثقفين النوريين عزمهم الانخراط القوي في مشاريع النشر والصحف والمجلات، وهو ما واجه معارضة قوية من بعض النوريين الآخرين بدعوى أن رسائل النور ليست بحاجة إلى محرك ثان من أجل نشرها كمجلة أو جريدة بغية توضيح وتفسير رسائل النورسي،[61] فأفضى هذا الاختلاف في الرؤى إلى ثاني انقسام داخلي وسط النور. وعليه، نظمت كل جماعة من جماعات النور جرائدها ومجلاتها الخاصة وسعت لخلق مجتمع القراء الخاص بها، إذ أن اتساع فرص الطباعة ووسائل الاعلام سمحت للجماعات المختلفة بتحويل المجلات والجرائد إلى مساحات خطابية جديدة[62] للتوعية وتعبئة المواطنين الأتراك.

ج. الارتباط بـ "النص المرجعي": أدى تشكّل واتّساع مساحات الفرص الجديدة في السوق والتعليم والسياسة إلى استمرار الانقسام والتعددية داخل مدرسة النور. فقد عمقت كل مجموعة -عن غير قصد- الانقسام أبعد مما كان في السابق. فالتغييرات الاجتماعية والاقتصادية الجديدة التي شهدتها تركيا في ظل التحرر الاقتصادي والاعلامي حفّزت نحو مزيد من التفسيرات لنصوص النورسي،[63] وهو ما كان يعني مزيدا من الانقسامات داخل المدرسة. فالارتباط بالنص من هذا المنطلق، يشكّل أحد مصادر التعددية والتجزئة في مدرسة النور، فهو يجلب قراءات وتفسيرات مختلفة ومتباينة، ويخلق بالتالي فضاءات لتشكيل جماعات جديدة على أساس قراءات أخرى مختلفة[64] لرسائل النور، وذلك بسبب اختلاف هذه الجماعات في فهم بعض أقوال النورسي، والتباين في تأويل بعض آرائه ومواقفه.

إن أول ما يثير أي متتبع لواقع الحركات الدينية في تركيا المعاصرة، ولاسيما المدرسة النورية، يلاحظ ميزة التعددية والتجزئة التي تطبعها، إذ يعرف المشهد الديني التركي في وقتنا الراهن العديد من الجماعات التي انبثقت وخرجت من صلب مدرسة النور، وكلها جماعات، وإن اشتركت في أصل المنشأ وفي ارتباطها بمتن مرجعي واحد وهو رسائل النور، إلا أنها تختلف من حيث قراءاتها وتفسيراتها لهذا المتن، مما ينعكس جليا باختلاف وتباين آرائها بشأن الواقع الاجتماعي والسياسي التركي وسبل وآليات الاصلاح والتغيير فيه.

رابعا: منهج المدرسة النورية

حددت رسائل النور منهجها بوصفها مدرسة دينية تستهدف العودة الى الإسلام والقرآن باعتماد أسلوب "الجهاد المعنوي" أو "جهاد الكلمة"، وذلك من خلال محاربة ما تعتبره بدعا وخرافات زحفت على حياة المسلمين، والابتعاد عن العنف ونبذ الفوضى وانتهاج أسلوب الدعوة في المدارس والجوامع والمؤسسات وليس الانقلاب على الدولة.[65] فقد ارتكز منهج النورسي، في خدمة الدين ومواجهة ما يراه "إلحادا" ومن يعتبرهم ضالين، على سلاح إظهار حقائق الدين بالاعتماد كليا على القرآن الكريم وتربية أجيال المسلمين تربية دينية صحيحة. فقد بين أهمية رسائل النور بقوله: "إن مهمة رسائل النور الأساسية هي خدمة القرآن الكريم والوقوف بحزم أمام الكفر المطلق."[66] إن طبيعة المرحلة فرضت -حسب النورسي- ضرورة بناء منظور معرفي جديد موافق لتطور الحياة المعاصرة وذلك من أجل مواجهة الشبهات ضد الإسلام. ومن هذا المنطلق، قام النورسي بتأليف رسائل النور لدحض الشبهات وإثبات حقائق الايمان بأسلوب عصري قريب إلى روح العصر.[67] وتحقيقا لهذا، تنظر المدرسة إلى التحول الذاتي والتقوى الفردية كمدخل أساس لتحرر المجتمع من الخلود إلى الأرض والخضوع للهيمنة، وهو يتفق إلى حد كبير مع الانسحاب الشخصي للنورسي من النشاط الخارجي إلى الانسحاب الداخلي والتأمل في الإسلام[68] إبان انقلابه إلى سعيد الجديد.

كرد فعل على الثورة الثقافية الكمالية، ركزت مدرسة النور كمدرسة إسلامية ذات بعد فكري تربوي على الداخل، من خلال تنقية الذات وتقوية الوعي الذاتي للفرد وتربية النفس وتطهيرها من مظاهر السلبية والانحراف والرهبانية، وهي التربية التي ينبغي أن تقوم على أساس تعاليم القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ومن خلال إعادة النظر في مناهج العلوم الإسلامية لتحصين الفرد المسلم من تأثيرات الحضارة المادية والأفكار العلمانية.

كل هذه المساعي والغايات يجب أن تتحقق، من منظور المدرسة النورية، بطريقة سلمية هادئة دون أن يتطلب ذلك مظاهرات في الخارج ولا مواجهة مع السلطة. وتجسيدا لهذا المنهج الدعوي الذي يميز المدرسة النورية عن باقي التيارات الإسلامية الأخرى، يسلك طلاب النور في مساعيهم لنشر رسائل النور منهج "الخدمة الايجابي" كقاعدة عملية مرتكزة على الصدق والاستقامة والاخلاص في العمل والصبر والمجاهدة في تقوية الايمان ودفع الشبهات. قال النورسي: "إن رسائل النور ومنهجها الايجابي هو المجاهدة بصبر وصمت في حفظ وتقوية الايمان بالله وغيرها من حقائق الدين بالطرق السلمية -لا سيما- الكلمة المكتوبة وعدم الانخراط في السياسة..."[69]

سعى النورسي من خلال رسائل النور، للبرهنة على توافق كل من العلم والعقلانية مع الإسلام،[70] فدعا إلى ضرورة التوفيق بين الايمان والعقل وضرورات التنمية والتطور البنّاء، حيث قال في هذا الصدد: "يتحدد المستقبل من خلال العقل والعلم. فتفسير القرآن الكريم يتناول المشاكل في ضوء العقل والعلم وهو ما سيشكل المستقبل."[71] أما ما يخص موقف المدرسة النورية من السياسة، فرغم تباين موقف الجماعات النورية المختلفة حول قضية المشاركة السياسية، فهي ترفض جميعها استخدام الدين لأغراض سياسية، لكنها تشدد على الحاجة إلى السياسة لخدمة الدين، فبالنسبة لها فإنّ جميع مجالات الحياة العامة والخاصة يجب أن تكون متمحورة حول إطار الإسلام.[72]

الخاتمة:

كانت رؤى وأفكار النورسي ومنهجه الاصلاحي التجديدي وليدة مسار معاناة أحاطت بشخص النورسي وفي علاقته بجهات عديدة، تعرض فيها لشتى أنواع القمع والاضطهاد والسجون والمنافي. كما كانت محكومة بظروف سياسية واجتماعية وحضارية ارتبطت بواقع الضعف الذي عرفته الأمة الإسلامية والتحولات السياسية التي طبعت العهد الأخير من عمر الدولة العثمانية، فشكلت كل هذه الظروف دافعا قويا للنورسي للتفكير في مسالك جديدة لحمل لواء الدفاع عن الإسلام أمام مختلف التحديات، والسعي لإخراج المسلمين من حالة الانتكاسة والهزيمة وقيادتهم للنهوض الحضاري والثقافي، وذلك بوضع منهج دعوي بأبعاد تربوية فكرية خُطت أسسه ومعالمه في "رسائل النور". هذه الأخيرة التي شكلت "متنا مرجعيا" ارتبط به طلاب النورسي بعد وفاته، فسعوا لخدمتها بكل الوسائل والسبل، لتمثل أرضية فكرية لتشكُل أبرز مدرسة إسلامية وأكثرها تأثيرا واقتدرا على استيعاب التطورات الحاصلة داخل النسيج الاجتماعي والسياسي التركي المعاصر وهي "المدرسة النورية" أو "جماعة النور".

المراجع المعتمدة:

- بديع الزمان سعيد النورسي، "صيقل الإسلام: السانحات"، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، سوزلر للنشر، الطبعة الثالثة، 2002.

- بديع الزمان سعيد النورسي، "كليات رسائل النور، سيرة ذاتية"، إعداد وترجمة إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر، القاهرة، الطبعة الثالثة، 2002.

- بديع الزمان سعيد النورسي، "كليات رسائل النور، اللمعات"، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر، القاهرة، الطبعة الرابعة، 2004.

- بديع الزمان سعيد النورسي، "كليات رسائل النور، المكتوبات"، إعداد وترجمة إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر، القاهرة، الطبعة الثالثة، 2001.

- رضا هلال، "السيف والهلال: تركيا من أتاتورك إلى أربكان، الصراع بين المؤسسة العسكرية والإسلام السياسي"، دار الشروق، بيروت، الطبعة الأولى، 1999.

- شكران واحدة، "الإسلام في تركيا الحديثة: بديع الزمان النورسي"، ترجمة محمد فاضل، الطبعة الأولى، 2007.

- فكرت رفيق السيد، "سعيد النورسي والفكر السياسي التركي المعاصر: 1960 – 1973"، مجلة دراسات اقليمية، الموصل، السنة الثالثة، العدد الخامس، يونيو 2006، ص. 51-77.

- محمد الصمدي، "تجديد التصوف عند بديع الزمان النورسي وأثره في تحقيق العدالة الانسانية"، المؤتمر العالمي الثامن للنورسي، اسطنبول 2007.

- هدى درويش، "الإسلاميون وتركيا العلمانية"، دار الآفاق العربية، القاهرة، الطبعة الأولى، 1998.

- Angel Rabasa and F. Stephen Larrabee, the Rise of political Islam in Turkey, National defense Research institute, RAND Corporation, 2008.

- Hakan Yavuz, Islamic political identity in turkey, Oxford university press, New York, 2003.

- Mehmet Ali Agaogullari, L’islam dans la vie politique de la Turquie, publication de la faculté des sciences politiques de l’université d’Ankara, N. 517, 1982.

- Thierry Zarcone, "soufisme et confréries en turque au XXe siècle", Communication présentée au Colloque international Le rôle su Soufisme et des confréries musulmanes dans l’islam contemporain, Une alternative à l’islam politique? Turin, 20-21-22 novembre 2002.

* * *

 


[1] باحث في تاريخ تركيا المعاصر، المغرب.

[2] هناك اختلاف واسع بين الباحثين حول تاريخ مولد النورسي ما بين سنوات: 1873 -1877، لكن الكاتبة شكران واحدة تشير إلى أنه ليس هناك معلومات مؤكدة عن التاريخ الحقيقي لمولده، وأن معظم المصادر المتاحة تتفق على أنه ولد سنة 1877. انظر: شكران واحدة، "الاسلام في تركيا الحديثة: بديع الزمان النورسي"، ترجمة محمد فاضل، الطبعة الأولى، 2007. ص 15.

[3] محمد الصمدي، " تجديد التصوف عند بديع الزمان النورسي وأثره في تحقيق العدالة الانسانية"، المؤتمر العالمي الثامن لبديع الزمان لنورسي، اسطنبول 2007.

[4] فكرت رفيق السيد، "سعيد النورسي والفكر السياسي التركي المعاصر: 1960–1973"، مجلة دراسات اقليمية، الموصل، السنة الثالثة، العدد الخامس، يونيو 2006، ص. 59.

[5] محمد الصمدي، المرجع السابق، ص. 675.

[6] بديع الزمان سعيد النورسي، "كليات رسائل النور، سيرة ذاتية"، إعداد وترجمة إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر، القاهرة، الطبعة الثالثة، 2002، ص. 65.

[7] نفسه، ص. 65.

[8] نفسه، ص. 66.

[9] نفسه، ص . 69.

[10] نفسه، ص. 137.

[11] بديع الزمان سعيد النورسي، "صيقل الاسلام: السانحات"، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر، الطبعة الثالثة، 2002، ص. 366.

[12] يقصد بها المرسوم الذي أصدره السلطان عبد الحميد الثاني في 24 يوليوز 1908م، والقاضي بإعادة العمل بمقتضيات الدستور العثماني الذي أصدره سنة 1876م بعد تعطيله قرابة ثلاثين عاما، وبناء عليه أعيد العمل بالنظام البرلماني.

[13] النورسي، "كليات رسائل النور، سيرة ذاتية"، ...، ص. 83.

[14] كان أبرزها خطابه المسمى "خطاب إلى الحرية" في اسطنبول، وألقاه بعد أيام قليلة من إعلان المشروطية. وفيه بين العلاقة الحقيقية بين حقائق الشريعة والمشروطية.

[15] النورسي، "صيقل الاسلام: السانحات"،...، ص. 441.

[16] يقصد به حدث تمرد وعصيان وحدات من الجيش العثماني المؤيدة لجمعية الاتحاد والترقي ضد السلطان عبد الحميد الثاني، والذي انتهى بخلعه يوم 27 أبريل 1909م.

[17] النورسي، "كليات رسائل النور، سيرة ذاتية"، ...، ص. 82.

[18] النورسي، "صيقل الاسلام: السانحات"، ...، ص. 443.

[19] النورسي، "كليات رسائل النور، سيرة ذاتية،...، ص. 81.

[20] نفسه، ص. 85.

[21] نفسه، ص. 81.

[22] نفسه، ص. 89.

[23] نفسه، ص. 109.

[24] جمعية تأسست بتاريخ 5 أبريل 1909م من طرف مجموعة من علماء ومشايخ الدولة العثمانية، كان هدفها الدفاع عن الشريعة الاسلامية المحمدية والاحتكام اليها. تصدت لحكومة الاتحاد والترقي منتقدة إجراءاتها المخالفة للشريعة. حُلت من قبل الحكومة في يوليوز 1909م.

[25] النورسي، "صيقل الاسلام: السانحات"، ...، ص. 445.

[26] النورسي، "كليات رسائل النور، سيرة ذاتية"، ...، ص. 132.

[27] نفسه، ص. 132.

[28] بديع الزمان سعيد النورسي، "كليات رسائل النور، اللمعات"، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر، القاهرة، الطبعة الرابعة، 2004، ص. 367.

[29] نفسه، ص. 176.

[30] بديع الزمان سعيد النورسي، "كليات رسائل النور، المكتوبات"، ترجمة إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر، القاهرة، الطبعة الثالثة، 2001، ص.459.

[31] نفسه، ص. 59.

[32] Angel Rabasa and F. Stephen Larrabee, the Rise of political Islam in Turkey, National defense Research institute, RAND Corporation, 2008, p. 33

[33] النورسي، "كليات رسائل النور، سيرة ذاتية"، ...، ص. 216.

[34] Thierry Zarcone, "soufisme et confréries en turque au XXe siècle", Communication présentée au Colloque international Le rôle su Soufisme et des confréries musulmanes dans l’islam contemporain, Une alternative à l’islam politique? Turin, 20-21-22 novembre 2002

[35] نشير هنا إلى فتواه الشهيرة المؤيدة للحركة الوطنية بقيادة مصطفى كمال ردا على الفتوى الصادرة من المشيخة الاسلامية في اسطنبول ضد حركة التحرير.

[36] شكران واحدة، الاسلام في تركيا الحديثة: بديع الزمان النورسي، ترجمة محمد فاضل، الطبعة الأولى، 2007، ص. 265.

[37] النورسي، "كليات رسائل النور، اللمعات"، ...، ص. 267.

[38] النورسي، "كليات رسائل النور، سيرة ذاتية"، ...، ص. 188.

[39] هدى درويش، "الإسلاميون وتركيا العلمانية"، دار الأفاق العربية، القاهرة، الطبعة الأولى، 1998، ص. 148-149.

[40] النورسي، "كليات رسائل النور، المكتوبات"، ...، ص. 484.

[41] نفسه، ص. 484.

[42] النورسي، "كليات رسائل النور، سيرة ذاتية"، ... ، ص. 218.

[43] نسبة للنبي يوسف عليه السلام. في هذا الصدد، يقسم النورسي مراحل سجنه إلى ثلاث مدراس يوسفية على الشكل التالي: الأولى ( سجن اسكي شهر: 25 أبريل 1935 إلى 27 مارس 1936) الثانية (سجن دنيزلي: من 20 شتنبر 1943 إلى 15 يونيو 1944) والثالثة (سجن أفيون: من 28 يناير 1948 إلى 20 شتنبر 1949).

[44] النورسي، "كليات رسائل النور، سيرة ذاتية"، ...، ص. 327.

[45] نفسه، ص. 385.

[46] النورسي، "كليات رسائل النور، سيرة ذاتية"، ... ، ص. 175.

[47] Hakan Yavuz , Islamic political identity in turkey, Oxford university press, New York, 2003, p. 33

[48] Yavuz, Ibid, p. 33

[49] نذكر في هذا السياق رسالته إلى أعضاء الحكومة ورسالة التهنئة التي بعثها إلى رئيس الجمهورية جلال بايار سنة 1950م. للاطلاع على مضمون الرسالة انظر: بديع الزمان سعيد النورسي، "كليات رسائل النور، الملاحق: في فقه دعور النور"، إعداد وترجمة إحسان قاسم الصالحي، شركة سوزلر للنشر، القاهرة، الطبعة الثالثة، 1999، ص. 333.

[50] Mehmet Ali Agaogullari, L’islam dans la vie politique de la Turquie, publication de la faculté des sciences politiques de l’université d’Ankara, N. 517, 1982, p. 216

[51] شكران واحدة، المرجع السابق، ص. 451.

[52] Yavuz, Ibid, p. 33

[53] Agaogullari, Ibid, p. 185

[54] Ibid, p. 188

[55] Yavuz, Ibid, p.177

[56] Ibid, p.162

[57] هي حلقات دراسية تتم في شقق ومنازل خاصة ، يتجمع فيها طلاب النور لقراءات كتابات النورسي بصوت مسموع ومناقشتها.

[58] Ibid, p.162

[59] تأسس حزب السلامة الوطني في 11 أكتوبر 1972م كثاني حزب سياسي إسلامي في تاريخ تركيا، بعد حل حزب النظام الوطني، وذلك على يد جماعة من المقربين من نجم الدين أربكان، وأصبح هذا الأخير رئيسا للحزب ابتداء من 1973 حتى حَله عقب الانقلاب العسكري لسنة 1980م.

[60] تولى تورغوت أوزال رئاسة الحكومة ما بين ( 1983 – 1989م) ورئاسة الجمهورية ما بين ( 1989 – 1993م).

[61] Ibid, p.171

[62] Ibid, p.171

[63] Ibid, p.170

[64] Ibid, p.171

[65] رضا هلال، "السيف والهلال: تركيا من أتاتورك إلى أربكان، الصراع بين المؤسسة العسكرية والإسلام السياسي"، دار الشروق، بيروت، الطبعة الأولى، 1999، ص. 105.

[66] النورسي، "كليات رسائل النور، سيرة ذاتية"، ...، ص. 390.

[67] الصمدي، المرجع السابق، ص 676 - 677.

[68] Yavuz, Ibid, p. 56

[69] شكران واحدة، المرجع السابق، ص. 479.

[70] Angel Rabasa and F. Stephen Larrabee, the Rise of political Islam in Turkey, National defense Research institute, RAND Corporation, 2008, p. 15

[71] Yavuz, Ibid, p. 152

[72] Agaogullari, Ibid, p.187


 

أرشيف الدراسات

16 - العمل الإيجابي 2
. الفقه المصلحي عند الإمام النورسي وأثره في صناعة الإيجابية
. دور الإيمان في تأهيل الشعور بالمسؤولية وتطوير محاسبة النفس
. مقولة الإنسان عند العرفاء، جلال الدين الرومي أنموذجا
15 - الإيجابية والعمل الإيجابي في رسائل النور
. محطات بارزة من التاريخ المعاصر وأثرها في حياة النورسي ومدرسته
. التّكامل الأخلاقي وأثره الإيجابي في إنشاء الشخصية الارتقائية
. بديع الزمان سعيد النورسي ومفهوم الجهاد في العصر الحديث
. العدالة والسعادة مقاربة لمفهوم المجتمع الفاضل بين النورسي والفارابي والترمذي
14 - بعض قضايا الفكر الإسلامي في رسائل النور
. قراءة الأنبياء كتاب الكون من خلال رسائل النور
. مبادئ الإصلاح التربوي عند الإمام بديع الزمان سعيد النورسي
13 - الإنسان في رسائل النور وجودا، ومهمة، وغاية
. النورسي والبعد الجمالي في أسلوبيات القرآن الكريم
. دور الشريعة الإسلامية السمحاء في تثبيت الأمن العالمي
12 - مفاهيم وردت العناية بها في رسائل النور
. الترادف في القرآن الكريم
. الإنسان والقيم عند ابن خلدون
11 - وقفات مع بعض عناصر القوة المعنوية
. جمالية المضمون العلمي في رسائل النور أصولها وملامحها
. درس الإلهيات عند النورسي معالم المنهج ومؤشرات التجديد
. نقد الْحَضَارَةِ الغربية وتقويمها فِكْرِ الإِمَامِ سَعِيدِ النُّورْسِي
10 - عنوان الملف: الأخلاق والوراثة
. البناء النصيّ للقرآن الكريم بين الوفاء للحقيقة واتّساع المعنى
. النورسي رجل الحوار والإقناع
. توحيد القلوب في رسائل النور
9 - المقاصد في رسائل النور
. العقل المؤيد بالإيمان عند الإمام النورسي أو اتصال الآيات والقيم
. مسألة الشر والسيئات وعلاقتها بالعدالة الإلهية في الخلق...
. الثنائي البلبل والوردة تعبيرا عن الحب القائم بين الخالق والمخلوقات...
. النورسي والتصوف أو من توحيد الولي، إلى توحيد الصفي
. النورسي من برزخ التصوف إلى معراج القرآن
. الرؤية الكونية للأخلاق عند النورسي وأثرها في بناء الإنسان
8 - أسرار العبرة والتعبير في رسائل النور
. اعتبار المآل واستشراف المستقبل عند بديع الزمان النورسي
. مشكلة الثقافة والحضارة في العالم الإسلامي من منظور مالك بن نبي
. مظاهر الجمالية في المحن والابتلاءات من خلال سيرة النورسي
7 - النورسي والتصوف
. منهجية النورسي في الاستدلال على الحياة الآخرة
. وقفات مع رسالة الإجتهاد للأستاذ النورسي
. المنظومة الأخلاقية عند النورسي
. النظرة الشمولية إلى العدالة عند النورسي
6 - دعوة رسائل النور
. أصلح نظام لتسيير العالم الإنساني اليوم هو الإسلام
. منهج البحث الدلالي في دراسات أوزيستو القرآنية والصوفية
. أصول التفكر في رسائل النور
. رؤية الامام النورسي للربا
5 - الرؤية الحضارية في رسائل النور
. الرؤية النُورسية لبعض القضايا الحضارية الشائكة
. من معالم التجديد عند النورسي
. العدالة الإلهية وإشكالية الشر في فكر الأستاذ النورسي
4 - أسس التربية في رسائل النور
. سعيد النورسي خزانة تنتظر الاكتشاف
. ملامح تجدد خطاب النورسي في مواجهة تحديات العصر
. دراسة عن أسلوب الحوار في القرآن الكريم
. مبادئ الإنسانية وتحديات العصر في نظرية سعيد النورسي
3 - أسس التربية في رسائل النور
. النورسي ودعوته
. سياسة العالم الإسلامي في القرن العشرين في نظر النورسي
. تربية الطفل وأساليبها في التشريع الإسلامي
2 - التعليم في رسائل النور
. حركة التجديد والإصلاح في أواسط القرن العشرين
. القضايا الأساسية للعالم الإسلامي وطرق حلها في نظر بديع الزمان
. مناجاة فكرية بين الإمام الغزالي والشيخ النورسي
1 - المنهجية في رسائل النور
. ثورة الإيمان

النور للدراسات الحضارية والفكرية
 المركز الرئيسي:  

Kalendarhane Mah. Delikanli Sk. No: 6
Vefa 34134 Fatih - Istanbul / TURKIYE
 Phone: +90 212 527 81 81 - Fax: +90 212 527 80 80