كلمة العدد السابع عشر

اجتمع لمجلة النور للدراسات الحضارية والفكرية الانتشار والاشتهار في الأوساط العلمية الأكاديمية النزيهة، ولا يدعي القائمون عليها أنّهم أصحاب الفضل في هذا القبول، بل يرجع الأمر بعد الله الحنّان المنّان إلى الأساتذة الباحثين الذين يسّر لهم الله فضل الاستعمال في ميدان البحث المميّز؛ فاستعملهم الله في نفع القرّاء عموما والمهتمين بالدراسة الفكرية الجادة والنوعية، وفضلا عن ذلك لا ندّعي السبق في الاهتمام بالدراسات العلمية بأفق حضاري ينشد خدمة حاضر الأمة والإنسانية بوصل أجيالنا بأصول دينهم الباعثة على التحضّر واستشراف الفعالية النافعة في شعاب الحياة، بل نعدّ هذا الجهد مرابطة دون الأمة في تحقيق رشدها، واستعادة العناية بالبحث العلمي الصحيح النافع وفق الشروط العلمية الأكاديمية المضبوطة، استئنافا لجهود السابقين وتكاملا مع جهود المعاصرين، فكانت هذه الميزات سببا في إقبال الباحثين على المجلة راغبين في النشر والاقتناء أو التعليق والاستفهام، وبهذا الصدد نعتذر للباحثين الذين أرسلوا بحوثا بقصد النشر، لأنّ العدد الوفير الذي يصلنا من البحوث لا تستوعبه مجلة بهذا الحجم (196صفحة)، لهذا نَعِدُ الباحثين بنشر بحوثهم التي أجازها المحكّمون في القابل.

تضمّن العدد الذي بين أيديكم الدراسات والملف، فأدرجنا في الدراسات بحثين، الأول للباحث الدكتور هاني إسماعيل محمد بعنوان: ”رسائل النورسي في السجن... القيم التربوية والجمالية دراسة في تحليل الخطاب“، خلص كاتبه إلى أنّ النورسي رجل في أمّة، استعمله الله في خدمتها، ركّز جهوده على إنقاذ إيمانها -أساس وجودها وباعث مستقبلها- في ظل واقع مُحبط تعيس، والأستاذ النورسي من الزاوية المشار إليها مدرسة بحاجة إلى اكتشاف وتجديد وإحياء، وذلك بالتعرّف على رسائل النور خدمة للإيمان والقرآن، وتكمن أهميتها في كونها رسائل في تذوّق الجمال والقول البليغ واستجلابهما، فخطابها يسمو بالفكر، ويرتقى بالمشاعر نحو الصفاء الروحي، لأنّها رسائل من أروع الرسائل الأدبية المعبرة عن النفس تعبيرًا صادقًا، والمصورة للحياة تصويرًا حقيقيًا، فجاءت رائقة المعنى رائعة المبنى، هذا أهم ما انتهى إليه الباحث. أما البحث الثاني فوسمه صاحبه الدكتور عارف أسعد جمعة بعنوان: ”المبادئ التربوية في كتاب منهاج المتعلم للإمام الغزالي“ انتهى فيه إلى سَبْق أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى بالتأسيس للمبادئ التي ينادي بها الغرب في التربية والتعليم‏، إذ أقام مسلكه على منهج علمي رصين استنبط مبادئه التربوية من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة‏، وينتظر من الأمة استئناف جهود سلفها‏ من العلماء الربانيين في هذا المجال.

اخترنا ”الفقه والدراسات القرآنية“ عنوانا لملف العدد، وقد تضمن جملة من المقالات النوعية، كان الاستهلال ببحث الدكتور حسن خالد مصطفى محمود المفتي :“ منهجُ الأستاذ بديع الزَّمان سعيدٍ النُورسيّ في التّمَذْهُب بين اللاّمَذْهبّةِ والتَّعصُّب“ وهو دراسة أصولية مقاصدية ، وبعد عرض علمي مفصل لمكونّات البحث، خَلُص الباحث إلى جملة من النتائج والتوصيات، فأكّد فيها أنّ اللامذهبية والتعصُّب المذهبي وجهان لعملة رديئة واحدة، وأنّ الأئمة المجتهدين لم يتعصّبوا لمذهب فقهي على حساب مذهب آخر، وصلى بعضهم خلف بعض، إذ التمذهب غير التعصب، وفضلا عن ذلك فإنّ اختلاف علماء الأمة ومجتهدي الإسلام في الفروع الفقهية رحمة بالأمة واختلاف الفرق في الأصول زحمة ينبغي تجنبها، لهذا فإنّ قاعدة ”إذا صح الحديث فهو مذهبي“، لا تدل بأي وجه على نفي المذهب الفقهي، وكلّ ما سبق تقريره انتهى منها المصنّف إلى أن النورسي راعى التمذهب ونبذ طرفي الإفراط والتفريط فيه، كما أنّه لا يحبّذ تتبع رخص المذاهب ولا التلفيق بين آراء الفقهاء والمجتهدين، إذ هو من موجبات الفسق عند الجمهور، وكان النورسي -بحسب رأي الباحث- مائلا في الغالب -من الناحية الشخصية- إلى الأخذ بالعزيمة ولا يلتفت إلى الرخصة الشرعية إلا عند الضرورة، مؤكّدا في الوقت نفسه أنّ العناية الكبرى يجب أن تكون بالقرآن الكريم والسنّة المطهّرة، وأوصى الباحث في الأخير بضرورة قراءة كليات رسائل النور قراءة كلية متأنية، والعناية بالتمذهب لأنّه من المسالك التي تلقتها الأمة بالقبول لعمليتها وواقعيتها مع التخفيف من التعصّب، ولو سار الناس في التديّن وفق مسالك الفقهاء لاستفادوا تسليكا وتربية وتعليما.

وفي السياق نفسه كتب الباحث: آراس حمه أمين عثمان دراسته المسومة بـ ”فقه الأولويات عند بديع الزمان سعيد النورسي أولويات الإصلاح الديني والاجتماعي نموذجاً دراسة تحليلية موضوعية لرسائل النور“ وهي دراسة مستطابة؛ ختمها بالتأكيد على أنّ الجهاد أوسع من أن يقصر على الدلالة المشهورة، بل إنّ نشر حقائق الإيمان وترسيخ قواعد الإسلام، والسعي نحو التطوّر العلمي وتطبيقاته، جهاد لا يقلّ أهمية عنه، إن لم يكن أهمّ منه، وأكّد الباحث بهذا الصدد أن الجهاد في سبيل الله ليس عدائياً أو استبدادياً ظالماً، بل قصده بالدرجة الأولى إعلاء كلمة الله، وحفظ حرية العالم الإسلامي، وتعميق روابط الأخوة الإيمانية بين المسلمين.

ثم عرضنا دراستين قرآنيتين بامتياز، استهلتا بـبحث ”السنن الإلهية وآثارها الإيجابية في بناء عالم أفضل دراسة في فكر الإمام بديع الزمان النورسي“ للباحث الدكتور رشيد كُهُوس، ختم بحثه بجملة من النتائج افتتحها بالتأكيد على أن للنورسي حضورًا نوعيًا قويًا في العناية بمقاصد القرآن الكريم، تجلى في منهجيته المستقلَّة في اكتشاف مقاصد السور القرآنية وآياته، وهذا البُعد المقاصدي للقرآن في رؤية النورسي، يعدُّ خطوةً بنَّاءة في تأسيس المدرسة المقاصدية التي لها أثرٌ عظيم في بناء الحضارة والعُمران، وبيّن أنّ: التوحيد، والنبوة، والحشر، والعدالة، هي المقاصد الرئيسة القرآن، وقد نوّع مسالك الاستنباط (الاستنباط بدلالة الإشارة، ودلالة النص، ودلالة المفهوم، وتنقيح المناط، وتحقيق المناط، والقياس الأولوي، والاستقراء...)، وفصّل القول في المقاصد المشار إليها بنظر وظيفي، وعدّ الباحث الرؤية المقاصدية عند النورسي حلقة ربط بين تجليات كتاب الله المسطور (القرآن)، والظواهر العلمية كتاب الله المنظور (الكون). وعرض أخيرا مجموعة من التوصيات ملخّصها التأكيد على العناية بدراسة مقاصد القرآن في رسائل النور والمساهمة في نشرها.

أنهينا ملف العدد ببحث الدكتور إدريس التركاوي والمعنون بـ ”كليات التفسير الإشاري عند النورسي: الأسس والمقاصد“، وبعد توقّف عند جملة مصطلحات بحثه وعرضها بما يخدم رؤيته، انتهى إلى أنّ أهم فكرة سيطرت على وجدان النورسي وهو يرسي دعائم فريدته (كليات رسائل النور) هي تنزيل القوانين الكلية القرآنية والكونية على ما لا يحد من الحوادث والنوازل الإنسانية المعاصرة لحياة المتدبر واستثمارها في معالجة إشكاليات العلوم؛ ولأجل العناية بجانب تطبيقي مما سلفت الإشارة إليه اختار الباحث دراسة التفسير الإشاري عند النورسي موضوعا لدراسة؛ وقرر المصنف أنّ هذا بحاجة إلى جملة علوم منها اللغة والأصول والمقاصد والمنطق... دعما لنظرية التفسير الإشاري. وقد كانت الكليات أقرب أنموذج منهجي لفكّ الإشكالات ودمج اللطائف والأذواق بالمساطر والقواعد، هكذا تأسست نظرية التفسير الإشاري في رسائل النور، خُتِم البحث بمقترحات نجملها فيما يأتي: الدعوة لتوسيع الاهتمام بالتفسير الإشاري من خلال العناية بأساطين التفسير في عصرنا، ثمّ نبّه إلى أهمية دراسة التصوف ومقاصد الجمال التعبدي في رسائل النور؛ دراستها من جهة صلتها بمختلف الأبعاد الوظيفية المتجلية في العمران والحضارة.

وانتهينا في هذا العدد إلى التعريف بأهم الاصدارات التي واكبت صدور هذا العدد، فعّرفنا بالجزء الثالث من اللؤلؤ والمرجان للدكتور مأمون جرار، تلاها عرض النشاطات العلمية خلال الفترة نفسها، فنقلنا للقرّاء الكرام فكرة تهذيب رسائل النور لبديع الزمان سعيد النورسي وكيف عالجها الأستاذ العلاّمة محسن عبد الحميد، كما قدّمنا تقريرين عن نشاطات علمية أكاديمية عقدت في السداسي الثاني من السنة الحالية (2017)، أوّلهما عن المؤتمر الدولي الحادي عشر لبديع الزمان سعيد النورسي، والثاني عن الندوة الدولية الثامنة للأكادميين الشباب، وزيارة جامعات غجرات-مومباي، الهند.

وأخيرا هذه مقالاتكم عادت إليكم، آملين حضوركم القوي النوعي في قابل الأيام، كما نسجّل تأكيدنا على أنّ الإقبال على المجلة أصبح فوق طاقات استيعابها، لهذا تعتذر إدارة التحرير عن تأخّر نشر الدراسات، وتعدُ بنشر كلّ البحوث التي أجازتها الهيئة العلمية في أقرب وقت ممكن.

 


 

أرشيف Takdim

17 - الإيجابية والعمل الإيجابي في رسائل النور
. كلمة العدد السابع عشر
16 - العمل الإيجابي 2
. كلمة العدد السادس عشر
15 - الإيجابية والعمل الإيجابي في رسائل النور
. كلمة العدد الخامس عشر
14 - بعض قضايا الفكر الإسلامي في رسائل النور
. كلمة العدد الرابع عشر
13 - الإنسان في رسائل النور وجودا، ومهمة، وغاية
. كلمة العدد الثالث عشر
12 - مفاهيم وردت العناية بها في رسائل النور
. كلمة العدد الثاني عشر
11 - وقفات مع بعض عناصر القوة المعنوية
. كلمة العدد الحادي عشر
10 - عنوان الملف: الأخلاق والوراثة
. كلمة العدد العاشر
9 - المقاصد في رسائل النور
. كلمة العدد التاسع
8 - أسرار العبرة والتعبير في رسائل النور
. كلمة العدد الثامن
7 - النورسي والتصوف
. كلمة العدد السابع
6 - دعوة رسائل النور
. كلمة العدد السادس:
5 - الرؤية الحضارية في رسائل النور
. كلمة العدد الخامس
4 - أسس التربية في رسائل النور
. كلمة العدد الرابع
3 - أسس التربية في رسائل النور
. كلمة العدد الثالث
2 - التعليم في رسائل النور
. كلمة العدد الثاني
1 - المنهجية في رسائل النور
. كلمة العدد الأول

النور للدراسات الحضارية والفكرية
 المركز الرئيسي:  

Kalendarhane Mah. Delikanli Sk. No: 6
Vefa 34134 Fatih - Istanbul / TURKIYE
 Phone: +90 212 527 81 81 - Fax: +90 212 527 80 80